جسور ومشروعات السيسي السكنية تلتهم مباني تراثية وتضرب الطراز المعماري المصري

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تواجه الهوية الثقافية المصرية في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تحديات كبرى، خاصة مع تصاعد الاتجاه لهدم عدد من المباني التاريخية ذات الطراز المعماري المميز، لمصلحة مشروعات سكنية حديثة.
آخر هذه المباني قصر ثقافة المنصورة في دلتا مصر، الذي بات مهددا بالهدم، مع إعلان وزير النقل المصري كامل الوزير، تدشين مشروع «تحيا مصر المنصورة» داخل حديقة «الهابي لاند» في مدينة المنصورة، والمزمع إنشاؤه على 14 مكانا، بينها قصر ثقافة المنصورة وحدائق «الهابي لاند» ويشمل مشروعات متنوعة سكنية وإدارية وترفيهية وخدمية في مدينتي المنصورة وطلخا.
لجنة الإعلام والثقافة في مجلس النواب المصري ناقشت أمس الإثنين، طلب الإحاطة المقدم من النائبة ضحى عاصي، عضو مجلس النواب عن محافظة الدقهلية، بشأن منع هدم قصر ثقافة المنصورة المسجل في سجلات المباني ذات الطراز المعماري المميز والمحظور هدمها أو التعديل فيها خارجيا أو داخليا، وكذلك هدم عدد من الحدائق التي فيها أشجار معمرة يحظر قطعها بموجب قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009 وذلك بزعم إنشاء مشروع «تحيا مصر المنصورة» لإقامة أبراج وفنادق استثمارية لمصلحة وزارة النقل ومحافظة الدقهلية.

رسالة سيئة

وقالت النائبة، في تصريحات صحافية، إن قرار هدم قصر ثقافة المنصورة والحدائق المحيطة به يعطي رسالة سيئة للعالم الخارجي أن مصر ضد الثقافة والفن وأنها تهدم ثقافتها من أجل الأموال، وكلها رسائل سلبية لا نرغب أبدا أن نرسلها للعالم، خاصة وأن قصر ثقافة المنصورة صممه ونفذه المعماري الشهير سيد كريم، أحد رواد التخطيط العمراني في مصر والعالم العربي، وله بصمات عالمية في مجال المعمار، وهذا القصر كان منارة تنوير في منطقة الدلتا.
وأضافت: أما الحدائق المحيطة وأهمها حديقة عروس النيل فتحوى بين جنباتها أشجارا معمرة تخطى عمرها 150 عاما ويحظر قطعها.
في السياق، أقام المحامي وائل لبيب غالي، دعوى قضائية أمام مجلس الدولة لوقف هدم قصر ثقافة المنصورة وحديقتين من الحدائق العامة، لبناء أبراج وفندق ضمن مشروع «تحيا مصر المنصورة» والمعروض للاستثمار من وزارة النقل.
وقال المحامي في الدعوى: تمتلك محافظة الدقهلية قصر ثقافة المنصورة، وهو مسرح أم كلثوم سابقا، وصممه المهندس المعماري العبقري سيد كريم، وقد تم تصميمه في ستينيات القرن الماضي، وتوقف بناؤه أثناء حرب 1967، ثم تم استكماله وافتتاحه في السبعينيات ويعد من أكبر قصور الثقافة على مستوى الجمهورية.
وتابع: إيمانا من الدولة المصرية بقيمة وأهمية هذا المبنى، تمت إضافته لسجل المباني ذات الطراز المعماري المتميز، ما يحظر الهدم أو التعديل تماما داخل المبنى وخارجه وكذلك ما يلحق به من حدائق.
وأضاف الشكل العمراني يعتبر صفة معبرة عن البعد الثقافي للمجتمع، ويمثل في حد ذاته قيمة حضارية له وللأجيال المتعاقبة، وتصل تلك القيمة الحضارية للعمران إلى أرقى مستوياتها عندما ترتبط بدلالات ومضامين تراثية، لذلك فإن التهاون أو الإهمال فيما يتعلق بالموروثات الحضارية التي تثري العمران ما هو إلا غياب للوعي القومي بالقيم الحضارية وإهدار لثروة قومية وتراجع للبعد الثقافي لدى المجتمع، ومبنى قصر ثقافة المنصورة يدخل ضمن المباني الوطنية ذات الطراز المعماري المتميز، وأبرز ما يتميز به هو تصميمه سواء من ناحية المهندس الذي صمم هذا المبنى أو من ناحية التاريخ الثقافي للمبنى ذاته».
وأكد أن «هدم المبنى بمثابة قتل للحياة النابضة بين جدرانه التي تتميز بقيمة تاريخية ورمزية، ومعمارية فنية، وعمرانية، واجتماعية، فالأمة التي تحفظ تاريخها تحفظ ذاتها وكانت مصر وستظل، ليست مجرد وطن بحدود، ولكنها تاريخ الإنسانية كله».
وزاد: قرار محافظ الدقهلية بهدم الحدائق يخالف قانون البناء الموحد الذي يعتبر المساحات المخصصة للطرق والشوارع والميادين والحدائق والمتنزهات والمنشآت الخدمية من المنافع العامة، فهي بمثابة الشرفات الأمامية للمجتمع، والمساحات الاجتماعية المفتوحة والمتاحة للجمهور.

قصر ثقافة المنصورة يواجه الهدم… وكنيسة البازيليك ومقابر المماليك ضحايا الكباري

وحسب الدعوى: مدينة المنصورة لديها واحدة من أدنى المعدلات من المساحات الخضراء بين المدن الضخمة المماثلة التي لديها ضغوط مشابهة على استخدام الأراضي، وبدلا من أن يقوم مسؤول المحافظة بزيادة حصة المواطن من تلك المساحة يقوم بهدم المتبقي منها على الرغم من أن فيلا المحافظ مساحتها 18400 متر مربع وتشغل المساحات الخضراء أكثر من نصف تلك المساحة وعلى نيل مصر، في حين أن أحياء كاملة لا تملك تلك المساحة.
كذلك أصدرت أمانة حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في الدقهلية، بياناً يدين هدم قصر ثقافة الدقهلية.

هجمة شرسة

وقال الحزب إنه يتابع بقلق بالغ الهجمة الشرسة التي يشنها نظام الحكم ضد مواطني الدقهلية وتصميمه على هدم كل ما يمثل قيمة إنتاجية أو ثقافية أو حضارية.
وأضاف: بالأمس القريب اتخذ النظام قراراً بتصفية وغلق مصنع سماد طلخا الذي يعد من أهم مصانع الأسمدة في مصر الذي يدعم الفلاح المصري والإنتاج الزراعي، ونتيجة هذا القرار تم تشريد 2500 عامل وأسرهم ومثلهم عمالة مؤقتة، بالإضافة إلى أكثر من 300 أسرة على المعاش يقطنون المدينة السكنية وذلك لإقامة كمبوند سكني على أرض المصنع والمدينة.
وتابع في بيانه: يكمل النظام جريمته بالشروع في هدم قصر ثقافة المنصورة، ذلك المبنى المعماري الفريد الذي يعد منارة ثقافية ومن أهم وأجمل قصور الثقافة في مصر، وتخرج منه آلاف المبدعين من كتاب وأدباء وشعراء وفنانين، من أجل إقامة أبراج سكنية مكانه، ولأن من يجلسون على كراسي السلطة التنفيذية تحكمهم عقلية المقاول لم يتركوا بقعة خضراء ومتنفسا للمواطنين إلا واستهدفوه تحت شعار كاذب ـ التنمية – فما تبقى من حدائق عامة مثل حديقة «الهابي لاند» التاريخية وحديقة صباح الخير وعروس النيل والتي تحوي أشجارا عمرها أكثر من مئتي عام، تقرر هدمها وإقامة فنادق وأبراج ومولات مكانها، تحت شعار مشروع «تحيا مصر المنصورة».
وزاد الحزب: على الرغم من رفض جموع مواطني الدقهلية وأدبائها ومثقفيها هذه الجريمة التي ترتكب في حق المحافظة، يأتي السيد كامل الوزير أحد أطراف النظام النافذة ومعه محافظ الدقهلية الذي لم نر له أي إنجاز في حل المشاكل التي تعاني منها المحافظة في الصحة والتعليم والنظافة والطرق، وتفرغ لمحاولاته الدائمة لغلق مصنع السماد ومطاردة الصحافيين ومحاولة سجنهم وتلفيق القضايا لهم، وبصحبتهم نواب الدقهلية في مجلس النواب والشورى ليدشنوا بداية مشروع الخراب الثقافي والحضاري للدقهلية.
وأكد الحزب أن المنهج الذي تدير به السلطة شؤون البلاد أحادي وقرارات فوقية وهو ضار ويزيد من الاحتقان المجتمعي.

كنيسة البازيليك

لم يكن قصر ثقافة المنصورة هو الوحيد المهدد أمام المشروعات السكنية والكباري، حيث أثار قرار الحكومة المصرية ببدء تنفيذ إنشاء جسر (كوبري) يمر قرب كنيسة البازيليك الأثرية استياء مواطني حي مصر الجديدة وعدد كبير من المتهمين بالتراث والآثار في البلاد، كما أنه أعاد فتح ملف تهديد العديد من المشاريع العمرانية والبنية التحتية للمعالم الأثرية والثقافية في البلاد.
وكانت الحكومة المصرية أقرت بناء ذلك الجسر الذي من المفترض أن يكون قريبا من العديد من الأبنية القديمة، بما فيها تلك الكنيسة القديمة التي بناها البارون أمبان في بدايات القرن الماضي في حي مصر الجديدة في محافظة الجيزة.
وقال بيان جرى تداوله باسم «سكان ومحبو مصر الجديدة» إن الأهالي يثمنون المجهودات المبذولة من قبل الدولة لتحسين السيولة المرورية في القاهرة، والتي كان لها أثر كبير في المحاور الرئيسية، غير أننا لا يمكننا أن ننكر أن منطقة مصر الجديدة لها خصوصية ثقافية وتاريخية لا يمكن التغاضي عنها عند القيام بأي تطوير او اقتراحات لحلول.
وتابع البيان: وعليه فإننا نعبر عن الرفض والانزعاج الشديدين للغالبية العظمى من سكان مصر الجديدة بخصوص الكوبري المزمع إقامته في قلب المنطقة التاريخية والتراثية بمصر الجديدة، وذلك بطول 2 كيلومتر من ميدان الإسماعيلية مرورا» بشارع عثمان بن عفان ثم ميدان البازيليك وبمحاذاة كنيسة البازيليك السيدة العذراء التي يقع بها مدفن مؤسس حينا العريق البارون إمبان، وبطول شارع الأهرام الذي يعد أول وأهم محاور الحي التراثي وصولاً بالقصر الرئاسي (فندق هليوبوليس بالاس سابقا) ونادي هيليوبوليس الرياضي.
وأشار البيان أن الجسر في حال إقامته سوف يدمر هذه المنطقة التراثية المميزة والتي تعد قلب حي مصر الجديدة، بالإضافة للتأثير السلبي على جودة الحياة في هذا الحي العريق والتأثير البيئي والأمني الكارثيين.

تدمير ميدان تاريخي

ويرى سكان مصر الجديدة أن هذا المشروع المزمع إقامته سوف يدمر أكبر وأهم ميدان في مصر الجديدة (ميدان البازيليك) وأكبر وأقدم محور تاريخي في الحي (شارع الأهرام) بالإضافة للتأثير السلبي على الخدمات من مدارس ومستشفيات، وعدم مراعاة إقامته بمحاذاة ثلاث كنائس مئوية شيدت في بداية القرن الماضي ومئات المنازل والعمارات التي ستتأثر بمزيد من التلوث بسبب عادم السيارات والأنشطة التجارية التي ستختفي أسفل ظلام هذا الكوبري.
وأوضح البيان أنه قد تم تسجيل هذه المنطقة التراثية كفئة «أ» لذا هذا المشروع مخالف تماما لاشتراطات منطقة مصر الجديدة التراثية التي نشرت بقرار رئيس الوزراء في يناير/ كانون الثاني 2014، كما أنه مخالف لقانون حماية المناطق التراثية، إلى جانب كل أعراف حماية التراث والتخطيط العمراني والارتقاء بالمدينة.

قلق بالغ

وأصدر الحزب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» بيانا طالب فيه بوقف التعدي على المعالم الحضارية، مؤكدا أن المردود الاقتصادي لهذه المعالم الحضارية على المدى الطويل هو أكبر وأبقى من أي مكسب آني متوقع.
وعبر عن قلقه البالغ إزاء مشاريع الكباري والامتدادات العقارية التي تتجاهل القيمة الأثرية والجمالية لبعض من أهم معالم مصر.
تجدر الإشارة إلى أنه جرى قبل عدة أشهر هدم مقرة «جبانة المماليك» الأثرية لإنشاء محور الفردوس في القاهرة، فيما جرى نقل عدد من المقابر الأثرية والتراثية من حي السيدة عائشة لتطوير المنطقة وتنفيذ عدد من المحاور المرورية هناك.
وتعد مقابر المماليك أقدم جبانة إسلامية في مصر، وتحتل موقعا متميزا وسط العاصمة، وكانت تسمى قديما بـ«صحراء العباسية» إذ وقع اختيار المماليك عليها لتكون مضمارا لسباقات الخيل، وفي النصف الأول من القرن الثامن الهجري بدأ ملوك مصر وأمراؤها بإنشاء المساجد والخوانق بهذه المنطقة والحقوا بها مدافن لهم.
ومثلت قرافة المماليك الواقعة ناحية الشرق بجوار طريق صلاح سالم، أول محاولة لإعمار الصحراء في العصر المملوكي، فقد حاول أمراء وسلاطين المماليك البحرية أن يقوموا بإعمار المنطقة عن طريق إنشاء مقابر لهم هناك، بالإضافة إلى المساجد الصغيرة، وقويت هذه المحاولات في العصر المملوكي الجركسي، خصوصا في عهد السلطان الناصر فرج بن برقوق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية