جغرافية المقدس في الرحلات الحجّية المغربية
د. عبد النبي ذاكرجغرافية المقدس في الرحلات الحجّية المغربيةلا يوجد في تاريخ الإنسانية موقع جغرافي حج إليه ملايين البشر في كل جيل مثل الجزيرة العربية. ولا يوجد موطن استقطب خُمُس الإنسانية في طموحاتها الفكرية وتطلعاتها الروحية مثل الحجاز، الوطن الروحي الأول لكل مؤمن”العلاّمة عبد العزيز بنعبد اللهاحتفاء بالذكري المئوية السادسة لرحيل رحّالة المشرق والمغرب العلاّمة عبد الرحمن بن خلدون، نظم “المركز المغربي للتوثيق والبحث في أدب الرحلة”، بتعاون مع فرع أَكَادير لاتحاد كتاب المغرب و كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكَادير، سلسة من المحاضرات المتعلقة بـ”جغرافية المقدس في المدونة الرحلية الحجية المغربية”، تعاقب عليها خلال شهر دجنبر بعض الباحثين المتخصصين في هذا الجنس الأدبي الشامل الذي بَرّز فيه المغاربة لقرون عِدَّة. وسنُخصِّص هذه الورقة لمحاضرتين قيِّمتين ألقيتا في هذا النشاط الثقافي المحتفي بقيم التسامح والحوار ولقاء الثقافات: الأولي بعنوان: (تجليات فضاء المقدس في رحلات السوسيين) ألقاها د. محمد الحاتمي برحاب الكلية يوم الأربعاء 13 دجنبر2006، والثانية بعنوان: (فضاءات المقدس في رحلة ماء الموائد لأبي سالم العياشي)، ألقاها د. سليمان القرشي يوم الأربعاء 20 دجنبر 2006 برحاب الكلية نفسها. قبل رصد تجليات فضاء المقدس في الرحلة السوسية، بسط الأستاذ الحاتمي ملاحظتين هامتين لهما انعكاس قوي علي توصيف الفضاء المقدس: أولاهما أن القرن العاشر وما بعده عرف مرحلة التقليد والجمود والنقل من الرحالين السابقين. وثانيهما كون الرحالين السوسيين كانوا فقهاء، ونَدرَ الأديب من بينهم، فانعكس هذا علي كتاباتهم التي احتفت بالمعرفي والبراني(الإفادة) علي حساب الأدبي والجواني(الإمتاع). كما أن خاصية الذات الرحلية باعتبارها ذاتا مسلمة، ظلت المقياس الجوهري للتمييز بين الأفضية، خاصة أفضية دار الإسلام وأفضية دار الكُفر. وعموما ـ يشير الباحث محمد الحاتمي ـ إلي أن الكيفية التي تم بها تقديم الفضاء في الرحلة السوسية تُوزَّع إلي: أ ـ صورة موضوعية، يتم فيها تقديم معلومات تقريرية حول المكان (طبيعته، مساحته، وضعه، إلخ) أو حول فعل الذات داخل المكان (من طواف وسعي ووقوف، إلخ)، وتطبعها الرؤية البرّاية نظرا لتغليب هؤلاء الرحالين (العلماء الفقهاء) مطلب الإفادة. ب ـ صور ذاتية، تتمحور حول الذات وهي تتحرك في هذا الفضاء، بمشاعرها وانفعالاتها وأشواقها، وهي قليلة في المتن الرحلي السوسي، وإن كان لها بعض الحضور في ما كتبه الحاج علي الدرقاوي وعبد الحميد الصوفي والحضيكَي. أما الأستاذ سليمان القرشي ففصَّل القول في استقصاء فضاءات المقدس في الرحلة العياشية التي حققها ونشرها رفقة الباحث سعيد الفاضلي رحمه الله سنة 2006 في 1348 صفحة من القطع الكبير. وقد بيَّن القرشي كيف أن مسار المقدس رسم المعالم العامة لهذه الرحلة الموسوعية الضخمة الغنية الرائدة التي ألَّفت بين جغرافيا الأرض والفكر، وزاوجت بين متطلبات الروح والعقل، فهي رحلة حجّ وحاجة إلي الإجازات والاستجازات، فكانت خير سجل للعلاقات الفكرية والاجتماعية والروحية بين المغرب والمشرق. حين تزاوِج الرحلة بين فعل السفر والكتابة ينطلق فيض الأحاسيس راصدا مسار المقدس، ماسكا بخيوط زمن الرحلة الذي يستمد ألوانه من صبغة القداسة، حتي يغدو فضاء الرحلة فضاء مقدسا بامتياز. بل إن فعل السفر في حد ذاته يصبح مقدسا لانوجاده ضمن دائرة المقدس، فيصطبغ هذا الفعل بنوع من التطهير الذاتي الذي يعد بمثابة التذكرة الروحية للسفر نحو فضاءات المقدس ولطائفِه، تجنبا لفضاءات المدنس وأوحاله. وفي هذا السياق، استنتج الباحث أن ملامسة الفضاء المقدس في الرحلة العياشية لا يبعث لدي الرحالة نزوعا نحو التطهير والتسامي فقط، ولكنه يثير عنده ـ بالإضافة إلي ذلك ـ الرغبة في التخلص من كل القيود، بما فيها الانتماء إلي فضاء جغرافي محدد. ولهذا، فإن المكان المقدس والالتحام به يصبح حافزا علي الرغبة في التماهي مع المسلكيات الخَيِّرة والولادة الجديدة. ولا شك أن طبيعة العلاقة مع المكان الطاهر تسمح بانسياب الأحاسيس الجيّاشة، كما تؤثر في خطية الزمن الفيزيائي، “لفضيلة الوقت والمكان”، علي حد تعبير الشيخ أبي سالم العياشي. لقد غاب الزمن الفيزيائي الذي لازم الرحالة في مساره ليصبح في مرحلة أولي زمنا شعائريا، قبل أن يختلط الواقع بالخيال، والحلم بالحقيقة، والعبارة بالإشارة. وخَلُص الباحث إلي أن الاقتراب من فضاء المقدس في الرحلة، يعتبر محاولة ضمن محاولات عدة ممكنة للَملمة أرخبيلات المتخيل والواقعي، الحقيقة والرمز، الأنا والآخر، في الرحلة التي تعتبر منجما غنيا بمعلوماتها وإفادتها وموضوعاتها علي الدوام.مدير المركز المغربي للتوثيق والبحث في أدب الرحلة0