‘جلابيب قاتمة’ رواية العنوسة والنُبل الإنساني

حجم الخط
0

رشاد أبوشاور

هذه هي الرواية الثانية للكاتبة رشا سلامة، بعد روايتها ‘تماثيل بلاستيكيّة’، وهي بروايتها الجديدة هذه تؤكد أنها كاتبة جّادة، وأنها لا تبحث عن (الإثارة) والشهرة السريعة، فثمّة أسئلة تؤرقها فنيّا وإنسانيا، وهي تقدّم (شخصياتها) النسائية كما هنّ: بسيطات، طيبات، رقيقات، محزونات، يعانين من ظلم (الحياة) وقسوتها في المخيّم، ومن الغربة بعيدا عن البيت ـ الوطن، وهنّ لا يفرغن غضبا مفتعلاً على (الرجل) الذي يعاني مثلهن من الغربة، وقسوة الحياة.

تذكرنا شخصيات هذه الرواية بشخصيات مسرحيات (تشيخوف)، فالحزن ثقيل، والنبل ودفء الروح وشفافية حليمة وعطاف ورقتهن تنعش القلب، وتتسرب إلى روح المتلقي الذي يتعاطف مع معانتيهما في الغربة بعيدا عن الوطن، ومكابدة العيش في مجتمع مظلوم وظالم، قاس وضحيّة في آن، فالحب يعمر قلبيهما بلا حدود، والتعاطف مع الآخرين يأتي تلقائيا، وتقديم العون للآخرين بفيض إنساني كريم وسخي لا ينضب، رغم أنهما حرمتا من الحب، والزواج، والتمتع بالإنجاب، والعيش في كنف الأسرة المستقرة، والحرمان من البيت في قرية (أبوديس) القريبة من القدس العريقة. لم يجف نسغ الخصب في قلبي الشقيقتين الوحيدتين الراغبتين دوما في التفريج عن الآخرين، أقرباء، أو معارف طارئين يتلمسن حاجتهم لطرق أبوابهم، وإشعارهم بالألفة، وتعويضهم بعض الحنان والتعاطف الإنساني عن شقاء وبؤس حياتهم.

شخوص هذه الرواية لن تنسى: حليمة، عطاف، جميل، الدكتورة زينة، سهيل.. وهي كلها تعيش في الغربة، والعزلة، في لندن تحديدا التي تزورها الفتاتان بدعوة من شقيقهما المغترب البائس الحياة، وحاجتها ماسة للتواصل الإنساني، والخروج من شرنقة العزلة الخانقة غير الاختيارية.

هذه الروائية الشابة الجادة لا (تتاجر) بقضية المرأة، وجسدها، ولكنها (تقدّم) المرأة إنسانة لها احتياجاتها التي تحرم منها في شروط حياتية واجتماعية قاهرة، والروائية تدخل في عمق نفسي (بطلتي) روايتها لتعود لنا بما لا نعرف عن معاناة المرأة التي تفتقد كل شيء، بدءا من (الوطن) ـ هما فلسطينيتان تعيشان في العاصمة الأردنية عمّان بعد هزيمة حزيران ـ وانتهاء بالأسرة التي تفككت وانهارت في الشتات.

بعد موت الأب والأم، يرسل الأخ لشقيقتيه بطاقتي سفر، لتحضرا لزيارته وأسرته في لندن التي يعمل فيها سائقا، لتتعرفا بزوجته التي هي أكبر منه، وبأطفاله الذين يصعب التواصل معهم، وهكذا تزداد غربتهما، وحزنهما على شقيقهما الذي يعيش حياة شقيّة لا تسر نفسيهما.

بعد زيارتهما غير المفرحة إلى لندن تعودان إلى حزن المخيم، ويرسل لهما أقاربهما في الضفة الفلسطينية تصريح زيارة، فتدخلان إلى (وطنهما) زائرتين، وهكذا تلتقيان بذويهما وبيتهما المهجور في قرية (أبوديس)، حيث تعيشان لحظات من الانتفاضة، ونرى بعينيهما خراب البيوت المهجورة، ومنها بيت أسرتهما، ونلمس صلابة الناس الصامدين في الوطن.

هذه الرواية تقول فيما تقول بأن الإنسان كرامة، والكرامة حريّة.. ولا حرية بدون بيت في الوطن.. فالمخيّم ليس وطنا. عنوسة، وغربة، وعزلة.. وعيش في المخيم البائس.. أية حياة هذه؟! أحسب أن هذه الروائية البارعة الجادة قادمة، فهي لا تكتب كالأخريات.. سعيا للإثارة، وبحثا عن الشهرة المفتعلة.* صدرت ‘جلابيب قاتمة’ نهاية العام 2011 في عمّان عن دار ورد الأردنية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية