جلسة تعذيب عظمي بالفضائية الليبية!

حجم الخط
0

حكم البابا

لا أظن أن الفضائية الليبية تتبع إدارياً وبرامجياً لهيئة إعلامية مثل وزارة الإعلام الكبري أو مديرية التلفزيون العظمي في الجماهيرية الليبية الاشتراكية العظمي، وأكاد أكون علي يقين بأن الهيئة المشرفة عليها، وتضع خطتها البرامجية هي إدارة المخابرات اللامحدودة أو مديرية السجون اللامتناهية، وأن المؤهلات المطلوبة للمشرفين الفنيين علي البرامج ليست دبلوما في الإعلام، أو ماجستير في الدراما، بل دورات متقدمة في فنون التعذيب، وشهادات خبرة في اللسع بالكهرباء أو نزع الأظافر، وأن البرامج التي تقدم علي شاشة الفضائية الليبية تسمي في كواليس القناة وبين صانعيها جلسات تعذيب، وأن المشاهد لبرامجها يتداول اسمه علي ألسنتهم باعتباره متهماً أو مشبوهاً أو موقوفاً، في حين يسمي في قواميس منظمات مناهضة التعذيب وحقوق الانسان ضحيةً، ولذلك كلّه فالكتابة عن الفضائية الليبية أو أي من برامجها يجب أن تأخذ صيغة الشكوي لا صيغة المقال، وتقدم إلي منظمات هيومان رايتس أو العفو أو العدل الدولية، لا إلي جريدة أو مجلة، ومن حق كل مشاهد قاده حظه العاثر، أو سوء تقديره وتصرفه، أو غضب والديه عليه وعلي ذريته للضغط علي رقم الفضائية الليبية في جهاز التحكم بين يديه، أن يحصل علي تعويض عن الضرر الذي تعرض له أسوةً بضحايا طائرة لوكربي أو مقهي لابيل!

أظن أن التعذيب الذي ألحقته بي ساعتا المشاهدة للعمل نصف الوثائقي وربع الدرامي وثلث التاريخي وخمس الفنتازي رحلة 4000 يوم من العمل السري الذي يروي قصة التحضير للثورة الليبية، أضني بكثير من العذاب الذي تعرض له قائد هذه الثورة في الأربعة آلاف يوم التي ناضل فيها بمفرده ـ كما يظهر ويؤكد الفيلم ـ لدحر الاستعمار الايطالي، والانقلاب علي الملك السنوسي، مما ذكرني بالممثل السوري أيمن زيدان في المسلسلات التي تناولت فترة الانتداب الفرنسي لسورية، والتي قتل فيها بمفرده من الجنود الفرنسيين أكثر من عدد سكان فرنسا كلها، ولفرط بطولته علي شاشات التلفزيون توهم بعض تلامذة المدارس السوريين أن أيمن زيدان أهم الثوار السوريين ضد الانتداب الفرنسي، مما جعلهم يرسبون في امتحانات التاريخ حين ذكروا اسمه جواباً علي سؤال عن أشهر ثوار سورية، ويبدو أن صناع فيلم رحلة 4000 يوم من العمل السري وجدوا أن ثورية أيمن زيدان أقرب إلي ثورتهم وقائدها من أرنستو تشي غيفارا وسيمون دي بوليفار وروبسبير مجتمعين، فاستلهموها لتصوير تجربة قائد ثورتهم، الذي رغم أنه قطع الفيافي واجتمع برجال القبائل وصيادي الأسماك، لم يكن يسانده في التحضير للثورة سوي سيارة الفوكس فاغن القديمة موديل السلحفاة، والتي لولا وجودها ـ كما يظهر من دورها الفاعل في الثورة بشهادة الفيلم ـ ماكانت لتقوم هذه الثورة أساساً، باعتبارها تحملت العبء الأكبر من أعباء الثورة في صبرها علي سائقها كل فترة الثورة والفيلم، ولو أن أدولف هتلر لم يأمر باختراعها لكان تاريخ الفاتح من سبتمبر لن يعني لأحد أكثر من كونه يوم استلام الراتب بالنسبة للموظفين لا أكثر، ولكثرة ظهورها في الفيلم شعرت بأنني أشاهد فيلماً دعائياً عن ميزات سيارة الفوكس فاغن وقوة تحملها لا عن التخطيط لثورة، وبصراحة فإن ما جعلني أتحمل الأذي والتعذيب بمشاهدة الفضائية الليبية هو وجود سيارة الفوكس فاغن في الفيلم لأنها ذكرتني بشقيقتها التي رافقتني لأكثر من ثلاثة سنوات، ولو كنت أعلم حينها بأن الفوكس فاغن هي أحد العناصر الرئيسية التي قامت بالتحضير والتخطيط والتنفيذ للثورة الليبية، لما فوت علي نفسي الفرصة بأن أصبح قائد ثورة!

وباستثناء قصة سيارة الفوكس فاغن لم أستطع أن أفهم من شبه التعليق الذي رافق الفيلم وبعض الحوار المبتور الذي مرّ فيه، إلا اسم قائد الثورة وهو يتكرر إلي الدرجة التي شعرت فيها بأن الفضائية الليبية ستفرض علي مشاهديها في نهاية الفيلم الاجابة علي سؤال إجباري عن عدد المرات التي ذكر فيها اسم قائد الثورة، وهو من الصعوبة بحيث يصبح وقوف المشاهد أمام المرآة لاحصاء عدد شعر رأسه أسهل من السهل، لسببين: الأول أنه سيعثر في ما يعرفه من أرقام علي عدد محدد لشعر الرأس، وثانياً لأنه لن يحتاج إلي عمره كلّه لعد شعر رأسه، بينما سيدخل منطقة مجهولة بالنسبة إليه في حقول الأرقام، ولن يكفيه عمره كله لمعرفة العدد الحقيقي لاسم قائد الثورة الذي تردد في الفيلم، والذي باستثنائه يبدو التعليق والحوار في الفيلم غامضاً ومزعجاً ولايمكن تفسيره، لأنه أقرب إلي صوت مكيف هواء من قطعة واحدة بعد عشر سنوات من الاستعمال اليومي في بلد يقع علي خط الاستواء!

أما أقسي وأمرّ وسائل التعذيب التي مارستها الفضائية الليبية علي مشاهدها في فيلمها رحلة 4000 يوم من العمل السري، فهي محاولة الربط بين حركة الضباط الأحرار في مصر، وثورة الضابط الحر في ليبيا، باعتبار الثانية ثورة مستنسخة عن رحم الأولي بطريقة طفل الأنابيب، وباعتبار أنهما مصنوعتان من نفس المواد الأولية، من دون ملاحظة الفارق الهام بينهما، وهو نفس الفارق بين فيلم ناصر 56 وفيلم رحلة 4000 يوم من العمل السري حيث يبدو أن الأول هو مرجعية الثاني، رغم أن ما يجمعهما فقط هو استخدام اللونين الأبيض والأسود لاأكثر.

وإذا كانت هناك من نصيحة أقدمها للقارئ بعد أن خرجت من جلسة التعذيب بالفضائية الليبية بأقل الخسائر فهي قراءة ما يتوفر من كتب في الأسواق حول أهوال عذاب القبر، ثم تحضير نفسه لما هو أمر مما قرأه فيما لو فكر بمشاهدة الفضائية الليبية!! مذيعون وبرامج نقطة نظام لحسن معوض في قناة العربية أقرب إلي اختبار جهد عضلة القلب في المشافي منه إلي البرنامج التلفزيوني، فالضيف والمشاهد يشعران خلاله بأنهما يمشيان علي جهاز المشي في سرعته القصوي، ولايسمعان شيئاً أعلي من صوت لهاثهما ودقات قلبيهما! مارسيل غانم في برنامجه كلام الناس علي شاشة الـ LBCI مقدم البرامج الوحيد ربما في قناة عربية الذي يستخدم تعابير وجهه وابتسامته وفترات الصمت باعتبارهما من أدوات الحوار مثلهما مثل السؤال! حمدي قنديل في قلم رصاص علي دبي الفضائية يشبه مغنواتي يدوزن عوده استعداداً للغناء، وتنتهي حلقة برنامجه مع قرب انتهاء دوزنة عوده، وينتظر المشاهد غناءه في الحلقة التالية فيفاجأ بأنه يبدأ الدوزنة من جديد، وهكذا مرّ عمره وبرنامجه وعمرنا وهو لايزال يدوزن عوده استعداداً للغناء! كاتب زاوية الرأي في أية جريدة لايستطيع أن يكون مقدم برامج محايداً حتي وإن حاول أداء مثل هذا الدور، هذا مايؤكده علي حمادة في برنامجه الاستحقاق علي شاشة المستقبل! أهمية أي برنامج تأتي من افتقاد الجمهور لغيابه، وهذا ما لن يشعر به أي مشاهد في حال غابت فقرتي ضيف المنتصف و ما وراء الخبر مع أطقمهما من المذيعين والمذيعات في الجزيرة الفضائية! كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية