«إن هؤلاء العرب الذين لا يستقرون هم أشبه بالماء منذ فجر التاريخ يخرجون بموجات بشرية متلاحقة بهجراتهم على الشعوب، فتصطدم كل موجة بصخرة، ولكنهم في كل مرة يبلون من هذه الصخور جزءاً! ربما جاء يوم، بعد أجيال تخرج هجرة عربية لا يقف أمامها سد، فتغمر أنحاء العالم الصخري، وتغطيه بالماء، أي بالعرب».
عرضنا في المقالة الماضية عن مجموعة الأنصار نشأتها، انتشارها، ثم نهايتها. وإلى قضية فرعونية مصر التي تصدوا لها. هنا سنشير باختصار لبعض القضايا التي ناقشوها.
عروبة أم صهينة
عن القضية الفلسطينية التي كانت تشهد صراعاً حاداً، كتبوا قائلين «إن الدنيا لتشهد في هذا العصر واحدة من المعارك الشديدة بين هذين الشعبين (العرب والصهاينة)، والعقليتين، والرسالتين للسيادة على أبواب بيت المقدس، وإن الأمم كلها لتقدر مدى الأثر الكبير الذي ستتركه نهاية هذا الصراع العنيف في مصير العالم. العرب جماعة فقيرة مستقيمة، واليهود (الصهاينة) جماعة موسورة ضالة، وثقافة كل منهما عامة في الأرض، فليست متكتلة في مكان واحد، ومعنى هذا أن مصير ثقافة الأمم في خيرها وشرها مرتبط بهذه النهاية (نهاية الصراع بينهما) التي يترقبها الجميع باهتمام وجزع، وهو اهتمام نجده عند العارفين بتاريخ العالم أكبر من الاهتمام بنتيجة الحرب الحالية (الحرب العالمية الثانية) ذلك أن مصير بيت المقدس، الذي هو الباب الخارجي الكبير لبيت الله في مكة، وأحد الموانئ الرئيسية على محيط وطن التوحيد في صحراء العرب، هو الذي سيحكم اتجاه العالم في تيار إحدى العقليتين المتنازعتين في خاتمة هذا الصراع، فيمضي العالم بعد الحرب (العالمية الثانية) إلى الهاوية والصهيونية، أو إلى العروبة والأمن». وها نحن بعد ثمانين عاماً من هزيمة العرب في بيت المقدس، نرى ما حل بالعالم، وهو لا يحتاج إلى وصف لأننا نعيش عالما تحكمه أو تتحكم به الصهيونية.

العروبة ودين الفطرة
كتبوا أن المرشد في حياة العرب هو فطرتهم الطبيعية. الفطرة هي سر العقل والرشد والبيان، والعرب الخلص الأصحاء هم الذين بقوا على فطرتهم كان الشاعر العربي يقول مفاخراً:
لسنا وإن أحسابنا كرمت يوماً على الآباء نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل كالذي فعلوا
فالعروبة هي عروبة العمل لا النسب. أما عرب الضرورة، أو عرب المكان والزمان فإنهم لا يعرفون ماذا يفعلون لأن حيز الشعور بالعروبة مشغول بغيره من الشعور بالعجمة! وإذا ما كان الكلام عربياً والشعور غير عربي، كان العمل غير عربي بلا جدال.
يميز الكاتب بين النظرة الإسلامية للإنسان وسواها، فالنظرة الإسلامية تعتقد أن الأصل في الإنسان هو الخير، ومثال ذلك قصة آدم، الذي كرمه الله فخلقه في أحسن تقويم «فلما اعترضته وساوس الحياة في صورة حواء مال إلى وسوستها، لكنه ما لبث أن عاد إلى ربه فهداه. وعلى هذه الصورة يحيا كل إنسان جديد. الأصل في المرء عند مولده أن يكون خيراً».
أما النظرة غير العربية وغير الإسلامية، فتنتهي إلى الاعتقاد أن الشر هو الأصل في بني الإنسان، لذلك لا تتصور صلاحاً للإنسان إلا بعنصر خارجي من الخير. فالانبعاث الداخلي للخير لا وجود له فيه. النظرة الإسلامية تقول إن «الإنسان خيّر» وغير الإسلامية تقول إن «الإنسان شرير»، هما نظرتان وإن تعارضتا، إلا أنهما تشتركان في تحقيق غرض واحد، هو تولد الدعوة من الجانب الإسلامي، وقبولها من الجانب الآخر. ومعنى ذلك أن الأمة العربية التي آمنت بالإسلام استجابة لفطرتها الحية وطبيعتها لم تكن لتتقدم خطوة واحدة في سبيل نشر الإسلام في غير البلاد العربية، وإقامة القسط بين رعاياها من المسلمين الجدد، وكفاية المساواة والأمن والحرية لهؤلاء الرعايا، لو أن العرب كانوا يؤمنون بأن الأصل في الإنسان هو الشر لا الخير. وكذلك لو لم يكن الأعاجم قد انتهوا بفكرتهم عن أصل الشر في الإنسان، إلى أن الخير يأتيهم من الخارج ما كان قد تهيأ لهم أن يؤمنوا بالعرب الأصحاء الفضلاء بعد أن تم اتصالهم بهم، وتحققت لهم مشاهدة العدل والصدق فيهم.
آفات الجاهلية
ويفندون التهم التي تلصق بالعرب قبل الإسلام مثل الخمر والميسر، يقولون إن الخمر لم تكن الخمر معروفة في غير القرى القليلة في الجزيرة العربية مثل مكة والطائف والمدينة، حيث كان يحيا بعض الشباب المترفين. وكانت القوافل المقبلة من الشام تحمل الخمر لمن يطلبها من هؤلاء حيث يحلون. «طبيعة الحياة العربية في كفاحها المرّ وفقرها الشديد، وكفايتها النفسية من الفرح بالطبيعة، والانشغال بترويضها، مما يصرف أكثر العرب عن غير الماء العذب القراح، الذي هو خمر سمائهم وواحاتهم، وأمنية الظامئ المتمني بينهم». فالحياة التي يعيشونها تتنافى مع تعاطي الخمر، الذي يتطلب حياة مترفة، لذلك فحتى باعة الخمر كانوا من غير أهل الجزيرة العربية. وحتى عندما كان يشرب العربي الخمر، فلم يكن كالناس الذين يشربونها فيموتون بها جسدياً وخلقياً. فالعرب كانوا يشربونها على أن لا تدنس لهم عرضاً، أو تسقط لهم همة ومكرمة، فإذا ما فعل رجل ذلك بتأثيرها أقسم عليها لا يشربها. وأما المصاب بالمرض فقد حالت دونه العافية بالجسم العربي، وانقطاع أسباب الإدمان على الخمر بحكم الرحلة المستمرة والتأهب الدائم للحروب، ولأعباء الحياة الشاقة، التي لا يقوم بها إلا الجلِد الكاظم الصبور. وحتى من كانوا يتعاطونها كانوا يأنفون منها. وقد انقسموا ثلاثة أقسام، القسم الأول يشربها على أن لا تباعد بينه وبين فضيلة، وفي ذلك يقول عنترة في معلقته:
وإذا شربت فإني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
«فالعرض الموفور إذا لم تنل منه الخمر لم تكن خمراً، وهكذا شرب عنترة الماء في صورة الخمر، فأهلك ماله للمرتزقين والدخلاء، وحفظ عرضه المنيع لقومه».
القسم الثاني الذين كانوا يتعاطون الخمر في الجزيرة فهم الذين جنت عليهم البطالة من أمثال امرؤ القيس وطرفة وغيرهما، فهؤلاء أملت الغواية لهم قليلاً، ولكن صدق الحياة في بيئتهم لم يكن ليملي لهم طويلاً. فهم على أجل من اعتزال قومهم لهم، او اعتزالهم الخمر بوازع منهم، عند وقوع ما يستثير الحمية، ويؤذن بعهد نضال سعيد. وهكذا كانت حياة امرئ القيس الذي أهدر أبوه دمه لغوايته بالخمر والقيان، فلما جد الجد بمقتل أبيه شرب آخر كؤوسه ليظل بعدها في جهاد مرير. يقول امرؤ القيس في تذكر أدواء البطالة وتمكنها منه:
كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال.
وأما القسم الثالث من متعاطي الخمر فهم الذين حرّموا الخمر على أنفسهم، بعد تجربة فعافتها أنفسهم. ومن أشهر هؤلاء في الجاهلية قيس بن عاصم المنقري الذي يقول:
وجدت الخمر جامحة وفيها خصال تفضح الرجل الكريما
فلا والله لا أشربها حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما
ولا أعطي بها ثمناً حياتي ولا أشقى بها أبداً سقيما
كما أن العرب لم يصنعوا الخمر فهي ترد لهم من البلدان المجاورة. لذلك انقطعوا عنها بسهولة في صدر الإسلام.
وأما الميسر فهو إعانة الشتاء عند العرب، فاستناداً لكتاب «الميسر والقداح» تأليف أبو محمد بن مسلم بن قتيبة من علماء القرن الثالث الهجري. يقول ابن قتيبه: «وأما نفع الميسر فإن العرب كانوا في الشتاء عند شدة البرد، وجدب الزمان، وتعذر الأقوات على أهل الضر والمسكنة، يتقامرون بالقداح على الإبل، ثم يجعلون لحومها لذوي الحاجة منهم والفقراء، فإذا فعلوا ذلك اعتدلت أحوال الناس وأخصبوا». قال الأعشى يمدح قوماً:
المطعم والضيف إذا ما شتوا
والجاعل والقوت على الياسر.
أي يجعلون أقوات الفقراء منهم على «الياسرين» بالقداح، وهم أهل الثروة، وذوو الجدة، والأجواد.
يقول المرقش:
إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم
فواحش ينعى ذكرها بالمصايف.
أي أن الميسر لم يكن ذريعة لغنم أو اقتناص لشهوة، وإنما هو مظهر من مظاهر الحدب الاجتماعي بين أغنياء العرب وفقرائهم. فهو نوع من اقتراع على من سيدفع مؤونة الشتاء للمحتاجين. والتحريم الذي قطع به القرآن في أمر الميسر لا يرجع إلى تحريم عملية الاقتراع ذاتها وإنما يرجع إلى الخطر في أن يكون قيام مثل هذا الغرض العظيم وهو إطعام الفقراء معلقاً على الاقتراع بين الأغنياء!
لا يكفي مقال صحافي قصير للإحاطة بفكر هذه الجماعة، التي حاولت خلق فلسفة كاملة جديدة للعروبة وعلاقتها بالإنسان وبالطبيعة والجغرافيا، بل تحتاج إلى عمل أكاديمي يقوم به المؤرخون لتتبع تاريخ الفكرة العربية الحديثة وتطورها وارتباطها بالظروف العامة المحيطة التي أنتجتها.
٭ كاتب سوري