جماعة الإخوان.. الطريق إلى المصالحة.. من هنا نبدأ

أزعم أن جماعة الإخوان المسلمين لم تمر في تاريخها منذ عام 1928 بأسوأ مما تمر به في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ مصر، لماذا؟ لأنها المرة الأولي التي تؤيد فيها جموع عريضة من الشعب المصري بمختلف فئاته تحركات المؤسسات الأمنية في ملاحقاتها لقيادات الجماعة وتقديمهم للنيابة العامة، تمهيدا لمحاكمتهم، كما جرى مؤخرا، حيث أمر النائب العام بإحالة الرئيس المعزول و14 متهما آخرين من الجماعة إلى محكمة جنايات القاهرة بتهمة قتل والشروع في قتل متظاهري أحداث قصر الاتحادية، التي وقعت في الخامس من كانون الاول/ديسمبر 2012، وأسفرت عن سقوط قتلى ومصابين.
تاريخ الجماعة يقول انها لم تعش في سلام إلا لقرابة عشر سنوات.. فهي منذ أسست جهازها السري، الذي قام باغتيال شخصيات من وزن أحمد ماهر والخازندار والنقراشي، تحولت إلى مصدر رعب للمجتمع ومعول هدم لنظم الدولة.
على امتداد العهد الملكي والعهد الجمهوري وحتى نهاية سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، كانت أجهزة الدولة الأمنية هي التي تدير الصراع مع هذه الجماعة، بسبب موقفها المعادي للدول المدنية ومؤسساتها، بينما شرائح المجتمع المصري تقف في صفوف المتفرجين أحياناً والمتعاطفين معها، لأسباب عدة.
أما في الفترة الراهنة فالتحول الملحوظ هو أن الغالبية العظمى من أبناء الشعب أصبحت اليوم تقف إلى جانب مؤسسات الدولة الأمنية، في موقفها المتشدد والمُلاحق لكوادر الجماعة وقياداتها، بعد أن بان للجميع في الداخل والخارج عنفها تجاه المواطنين وعدوانها الإرهابي لمؤسسات الدولة، واتضح ضربها عرض الحائط بأمن المجتمع وأمان الوطن. اذا ما الذي تسبب في هذا التحول؟ أعتقد أن ذلك يرجع إلى أن الجماعة لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تتعلم من الدروس التي مرت بها، ولم يكن لديها استعداد ولا قدرة على إدارة شؤون البلاد والعباد.
والأهم من ذلك أن كوادرها منذ ركوبهم لموجة ثورة يناير 2011 تعمدوا أن يتصادموا مع جميع القوى السياسية في المجتمع، ومع مؤسسات الدولة ومع المجتمع المدني، وحتى مع بعض الذين تحالفوا معهم من مكونات التيار السياسي الإسلامي.
يؤكد هذا الاستنتاج أن الكثير من قيادات الجماعة التي مازالت طليقة، وربما غير مُلاحقة أمنياً، بمن فيهم كوادر حزب الحرية والعدالة، تعيش في وهم القدرة على استنهاض قوى الشعب، لإعادة الرئيس المعزول إلى قصر الاتحادية، تحت ادعاء أن ما جرى يوم 30 حزيران/يونيو و3 تموز/يوليو، إنقلاب عسكري يجب أن يحاسب من قاموا به.. بل إن الكثير من المبادرات التي تقدم بها من يصطفون إلى جانبهم من غير أن يكونوا أعضاء في الجماعة، ركزت على مطلب هذه العودة كنقطة بداية ‘لإعادة الشرعية’، ويتناسون أنها فقدت وجودها القانوني والاستحقاقي والشعبي.
ولا زالوا يرددون عبر وسائل الإعلام أن فض اعتصامي رابعة والنهضة غير أخلاقي وغير قانوني، ويتهمون قوات الجيش والشرطة بأنها أسالت دماء الأبرياء بغير حق، بل أن بعضهم هدد بإقامة دعوى قضائية ضد الحكومة المصرية أمام المحكمة الجنائية الدولية، حتى بعد أن اقتنعت العواصم الأوروبية والكثير من المنظمات الحقوقية الدولية، بأن ما شهدته مراحل هذه العملية ـ اي فض الاعتصامين ـ من تجاوزات ‘جاء في حدود إنجاز المهمة بأقل قدر من الخسائر’.
ولا زالوا يرفضون الاعتراف بأن اعتصام رابعة تجاوز كافة مسميات السلمية، وتعدى الاشتراطات والمستويات التي وضعتها الدول الأوروبية، التي كانوا يتوقعون منها المساندة والتأييد، متناسين أن مواصلتهم التدمير والعدوان ضد السكان المدنيين أثار عليهم غضب قطاعات كبيرة من الشعب المصري، التي رفضت كافة أساليبهم في التعبير عن استيائهم مما وقع للرئيس محمد مرسي، من إبعاد بموجب المطلب الشعبي غير المسبوق الذي أيدته القوات المسلحة.
هم إذن لم يتعلموا لا درس الخمسينات ولا درس الستينات.. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ان الجماعة لا تناضل في سبيل الوصول إلى سدة الحكم من أجل فرض الشريعة، أو تثبيت ركائز الإسلام النقية، أو الدعوة للعودة إلى الدين بالقدوة الصالحة، ولكنها كانت تناضل طوال اكثر من ثمانين عاما من أجل احتلال الكرسي وتصدر المشهد والهيمنة على مفاصل الدولة الأساسية: القضاء والاعلام والمؤسسات الأمنية والقوات المسلحة، بهدف أخونتها، ومن ثم فرض هيمنتهم على إدارة شؤون مصر كجزء من ‘دولة الخلافة الإسلامية’.
فماذا كانت النتيجة؟
بدأت قطاعات كبيرة من الشعب المصري تختلف مع الجماعة في رؤيتها هذه،
جلبت الجماعة لنفسها عداء الكثيرين، حتى هؤلاء الذين نادوا بإعطائهم فرصة للحكم. ومن هنا تناقص رصيدهم الشعبي ولم يَعد في مقدورهم حشد المليونيات..
لقد خسروا شباب الثورة في اعقاب فوزهم بالأغلبية في مجلس الشعب عندما فرقوا بين ميدان التحرير والمجلس النيابي. وخسروا عوائل الشهداء والمصابين عندما تكاسلوا عن أن يقننوا لهم حقوقهم المادية والمعنوية. وخسروا الملايين من أبناء الشعب عندما لم يلتفتوا لمشاكلهم الحياتية واليومية، وخسروا أولياء الأمور عندما سعوا بغير واقعية لتغيير مناهج التعليم ما قبل الجامعي.. وخسروا صفوة المجتمع عندما زينوا للرئيس المعزول أن يعتدي على قرار المحكمة الدستورية العليا بإلغاء مجلس الشعب. وخسروا القطاع الأكبر من أبناء الوطن عندما اختص الرئيس المعزول نفسه وعشيرته باحتفالات نصر اكتوبر وحرم منها الشعب المصري صانع النصر الحقيقي. وعندما اقنعوا المفترض انه رئيس كل المصريين، أن يحصن قرارته بنص غير دستوري اصدره في اواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، ضد كل قوانين الدولة. وزادت المصيبة وتفاقمت عندما سكت الرئيس المعزول عن تمدد العنف والإرهاب في سيناء، وساوى بين الخاطفين الإرهابيين والمخطوفين من أبناء القوات الشرطة الأوفياء. وعندما خطب في جموع التيار السياسي الإسلامي، وفتح من خلالهم باب الجهاد في سورية بعد ان قطع علاقته معها. وفوق كل ذلك خسروا المؤسسات القضائية، عندما أوحوا للمناصرين لهم أن يحاصروها ويمنعوا القضاة من القيام بواجباتهم. وخسروا الإعلام، وخسروا القوات المسلحة، وخسروا المواطن البسيط عندما فكروا في التفريط في إقليم قناة السويس وتهاونوا في ما يتعلق بحدود مصر الدولية، وعرضوا أمنها القومي للخطر.
لم تدرك الجماعة ولا حزبها السياسي أن ارتباطاتهم مع جماعات التطرف الديني قد أخرجتهم من ميادين الإسلام السياسي المستنير الواعي، ووضعتهم جنبا إلى جنب مع فصائل العنف والإرهاب، وهنا بدأ التململ المجتمعي في طول البلاد وعرضها، اعترضاً على وضع شديد الغرابة يجمع بين رئاسة الدولة وجماعات معادية لروح شعبها وفلسفته.. ولم يقدروا ان هتافاتهم وراء مثل هذه القيادات وترديدهم لدعوات الكره والعنصرية، التي قسمت المجتمع المصري إلى فسطاطين أحدهما مسلم قتلاه في الجنة والآخر كافر قتلاه في النار، كانت حداً فاصلاً جرف في طريقه الكثير مما بقي لهم من تعاطف مع بعض قطاعات الشعب المصري الضاربة شخصيته في تاريخ السلم الاجتماعي والتسامح الديني.
حتى صفقاتهم المشبوهة مع أركان النظام السابق، الذي اندلعت ثورة يناير 2011 للخلاص منه، التي كشف عنها طرحهم لمجموعة مشاريع قوانين للتصالح مع الذين نهبوا ثروات الشعب من رموز الحزب الوطني، لم تمر على غالبية البسطاء من أبناء الشعب مرور الكرام، حيث قاسوها بمقياس توزيع الغنائم.
وبعد اندلاع ثورة تمرد يوم 30 يونيو التي خرجت فيها الملايين من أبناء الشعب المصري تطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة وأيدتها القوات االمسلحة، راهنت الجماعة وقياداتها على وقوع أمرين لم يتحققا.. الأول أن يحدث انشقاق بين صفوف المجلس الأعلى للقوات المسلحة يؤدي إلى اقتتال في ما بينها يجر إليه الشعب بكل فئاته، ويحسم في نهاية الامر لصالحها. والثاني تدخل أمريكي أوروبي يعيد الرئيس المعزول إلى كرس السلطة غصبا عن الإرادة الشعبية. البعض يطالب بالقضاء على الجماعة وعلى حزبها السياسي.. وهذا أمر أراه مخالفاً لطبيعة الأمور ولغير صالح الوطن والمجتمع. والبديل في رأيي هو ضرورة البحث عن صيغة توافقية تجمع بين معاقبة كل من ارتكب جريمة أو حرض عليها او ساعد في وقوعها، من قادة الجماعة وكوادرها امام محاكم مدنية، وبين فتح الطريق أمام القيادات الأخرى والبسطاء من أعضائها والمنضمين إليها، الذين لم تتلوث أيديهم بدماء الأبرياء، لكي يندمجوا في المجتمع ويتعايشوا معه وفق المنظومة المجتمعية المصرية، لأنه ليس من مصلحة مصر ولا مجتمعها ولا إطار نظام حكمها، الذي تتشكل ملامحه هذه الأيام، أن نخسر هؤلاء الأبناء وأن نحولهم إلى أعداء للوطن وللمجتمع.. أعداء قد يضطرون للعمل ضد المجتمع والدولة من تحت الأرض، خاصة أن الكثير منهم من المغرر بهم.

‘ إستشاري إعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية