جماليات الخطاب في نصوص إلياس خوري الروائية

إن أي رواية تستقي شعريتَها من طبيعة العلاقات التي تَنسجها بين الحقيقي والمتخيل ومن طُرق تشبيكها لتلك العلاقات. وإذا كان إلياس خوري قد تكرسَ روائيا حداثيا مُبدعا في مَسار الإبداع الروائي اللبناني والعربي، فذلك يعود بالدرجة الأولى إلى خيالٍ مُبدع بَنى عالَماً روائياً عَكسَت جمالياتُ خطابه وعياً متقدماً، حَفَرَ خطاً جديداً في المَسار الزمني الجديد للرواية العربية، كان قد افتتحَهُ وبشّرَ به عددٌ من الروائيين والروائيات العرب، على تعدد أساليبهم وتقنياتهم الفنية، من بينهم المصريان صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني، والسوريان هاني الراهب وحيدر حيدر، واللبنانيان يوسف حبشي الأشقر وليلى بعلبكي، والفلسطينيان غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا، والمغربي محمد شكري، والجزائري الطاهر وطار، والسعودي عبد الرحمن منيف، إلخ.
ولا يزال هذا التيار الروائي الحداثي وما بعد الحداثي يشهد صعوده منذ ستينيات القَرن الماضي وسبعينياته إلى اليوم. ولعل هزيمة يونيو/حزيران، شكلت مفصلاً أساسياً في هذا المسار، لكونها لم تُسقِط الواقعية، على حد تعبير الناقد فيصل دراج، إنما أَسقطت التصورَ المجرد للواقعية، منتجةً وعياً جديداً يتعامل مع واقعية أكثر وضوحاً واتساقاً».
وإذا كان إلياس خوري قد شكل علامةً مميزة في الرواية اللبنانية والعربية بسياقاتها الجديدة، التي قطعت نهائياً مع صراع الخير والشر وحمولاته الواقعية الفجة، هو الذي تعدى عدد رواياته الاثنَتيْ عشرة رواية، وكأنها نص واحد مُحور عن رؤيتهِ لواقعٍ لبناني وفلسطيني وعربي، تجري أحداثه ووقائعه بعكس ما كان يجدر بها أن تجري، فذلك لأنه تعاملَ مع تفاصيل التاريخي واليومي واللحظوي للمرجع الخارجي، لكن من دون أن يقع في المباشرة، ولأنه اشتغل على الشكل الروائي الذي قرأ من خلاله تشابكات الواقع العربي الصعب، مُختبِراً أسئلته وأزمنته الشائكة والوجود البائس؛ إذ تتمثل خصوصيةُ الجنس الروائي، كما لخصها الكاتبُ والروائي الأمريكي روجر آلن، بأنه نوَع من الأدب الذي يتناول أساساً عملية التغيير، بحيث إن «الرواية معرضة للعملية نفسها التي تستهدف أن تغوص وتبحث فيها، أي أنها مُعرضة للتغير والتبدل المُستمر».

عالَمٌ روائي فُسيفسائي ناطقٌ بالمعاني

قاربَ إلياس خوري الواقعي من دون المطابقة بين نصه ومرجعيته الخارجية، وحملت بعضُ شخصياته الروائية سمات البطل الإيجابي الذي نظر له جورج لوكاتش بوصفه «الإنسان الأصيل» و»البطل الأصيل» المُكافح في سبيل المثل العليا التي يؤمن بها، أو البطل الإيجابي الذي عرفه الفن الاشتراكي كممثل طليعي للشعب، لكن بعيداً عن مفهوم البطولة الكلاسيكي سواء بنزوعه المثالي الطوباوي أو المادي الاشتراكي. وقاربَ بعض شخصياته البطلَ الإشكالي وشعورَ الغربة الذي يعتريه نتيجة تدني العالَم ونكوصه عن القيَم الأصلية، لكن من دون السقوط في أوهام الحقيقة، لكونه قد أيقن «أن اليقين لن يعود إليه أبداً». لكن سمات البطولة هذه، على أنواعها، لم تَستأثر بها شخصيةٌ واحدة من الشخصيات الروائية، ولاسيما أن خوري افترق كلياً عن المفهوم الرائج للبطولة، بقدر ما ابتعدَ عن الشخصيات النمطية، مُستعيضاً عنها بعالَمٍ من الشخصيات الهامشية المُقترِنِ توالُدُها بتوالُدِ الحكايات وتواليها، حيث لكل شخصيةٍ زمنُها الخاص وحيثيتُها الخاصة وحكاياتُها التي تَرفد الخطابَ الروائي، بالاستناد إلى أسلوبٍ سردي يُحاكي الأسلوبَ السردي العربي القديم، المتمثل بإدراج قصةٍ ما داخل قصة أخرى على غرار قصصِ وحكاياتِ «ألف ليلة وليلة» ونمطِها الحكائي، مُشتغلاً على تجاوُرِها أحياناً وتقاطُعِها أحياناً أُخر بطُرقٍ فنية مختلفة تُسوغُ هذا النمطَ الحكائي انطلاقاً من أن الحكاية تجر حكايةً وحكاياتٍ أُخرى وأن الكلامَ يجر الكلام: «كنتُ أريد أن أروي لـكَ الحكاية التي لا تعرفها، ولا أعرف كيف تغير الموضوع، يجب أن أركـز، لأن الكـلام يجـر الكلام» يقول الراوي في رواية «باب الشمس». ولعل أبرز ما أفضى إليه استلهامُ هذا التراث السردي، توزع مواقع السرد والشخصيات والحكايا لكنْ من دون أن يحتكرَ موقعُ السردِ هذا، المَعرفةَ أو يُصادرَ اليقينَ الكلي، ومن دون أن تتحول الشخصيةُ إلى شخصيةٍ نمطية ممثلةٍ لجماعةٍ معينة مُحددة اجتماعياً ونفسياً، ومن دون أن تقود الحكايةُ إلى الحقيقةِ حصراً؛ وبذلك احتلت شخصياتُ خوري البسيطة والعادية والمُستضعَفة المَتنَ الروائي، لتُشكل مُجتمعةً، بمعوقيها وفقرائها وعَجَزَتِها، من أبناء الأطراف والمهجرين واللاجئين الفلسطينيين والأقليات العرقية وغيرهم، كتلةً بشريةً تُسائل بوجودِها وبحكاياتِها زمنَنا ومعيشَنا اليومي وتاريخَنا ومُستقبلَنا. فمن الطبيعي لعالَمٍ روائي يَموج بكل هذه الشخصيات/ الناس أن نغدوَ أمامَ ألوانٍ مُختلفة من البشر تعود إليها البطولة، بالمعنى الفني للبطولة، لتَعكسَ ملامحَ من هنا تشي بكفاحِها في سبيل المُثل العليا، أو ملامِحَ من هناك تَشي بنزوعِها المثالي الطوباوي أو المادي، أو مَلامِحَ أخرى تَشي بغربتِها نتيجة تدني العالَم ونكوصه عن القيَم الأصلية. شخصياتٌ متعددة المَنابت والجنسيات والأعراق والملامِح الذاتية أدرجها إلياس خوري في عالَمِه الفسيفسائي، الأشبه بموزاييكٍ من الشخصيات والحكايا والأزمنة والأمكنة والرواة والمُستويات التعبيرية واللغوية والرموز الدينية وغير الدينية، بأشكالِها وألوانها المُتعددة والمُختلفة، لكن المولدة بتشابكاتِها هذه وحدةً ناطِقةً بالمعاني. ففي المحصلة التعارُض بين العلوم والآداب، كما شرحَ رولان بارت مُحقاً، «لا يقوم بالضرورة بين الواقع والخيال، بين الموضوعية والذاتية، بين الحقيقة والجمال. وإنما بين منابر مُتباينة للكلام. فالمعرفة حسب خطاب العِلم- أو حسب خطاب مُعين للعِلم- عبارة؛ أما حسب الكتابة الأدبية فهي تعبير».
مُتعددة هي المستويات الجمالية في أدب إلياس خوري الروائي إذن، ولعل أول ما تُشير إليه بنيةُ القص لديه هو المَيْلُ ليس إلى تقويضِ صورةِ البطل وسُلطتِه فحسب، وإنما إلى تقويضِ سلطة الراوي العارِف بكل شيء. فيُترَك الكلامُ للشخصيات المتعددة، والوثائق والمعلومات والوسائط الخَبرية كالخبر الصحافي والتقارير وغيرها لكي تَنطق بدلاً منه وتُدلي بمدلولاتِها. وغالباً ما يَندرج كل ذلك، ولاسيما منطوق الشخصيات الروائية، في سياق علاقاتِها أو معرفتِها بالشخصية أو بالحكاية المُروى عنها، بحيث يتساوى الراوي مع شخصياته من حيث كمية المعرفة المرتبطة بحيثيات هذه الشخصية أو تلك، أو بهذه الحكاية أو تلك؛ وإذ يتساوى مقدارُ معرفتِه بما تَعرفه الشخصياتُ الأخرى، يغدو الراوي راوياً غير عارف بالحقيقة. وحتى في حالات حضورِه كراوٍ وكشخصية روائية في آن، كما في رواية «مملكة الغرباء»، مثالاً لا حصراً، فإن الراوي لا يعدو كونَه شخصيةً هامشيةً إلى جانب الشخصيات الهامشية الأخرى، وذاتَ ذاكرةٍ مشوشة: «لم تكُن معي في رحلتي إلى الغور.. بلى كانت»( مملكة الغرباء)؛ «لا أذكر كثيراً. أنا لا أعرف أن أتذكر الأشياء، هي أخبرتني»( مملكة الغرباء)؛ «في تلك الليلة التي أذكرها لأنها روتها لي، أو رويتها لها، لا أعرف»( مملكة الغرباء) إلخ.
وحتى في إلغائه المسافة القائمة بين الكاتب والراوي، أي الراوي كأداةٍ فنية، بإفصاحه عن الهوية الواحدة لكليهما، كما في رواية «رحلة غاندي الصغير» مثلاً، حيث يُشير الراوي في أكثر من مكان إلى أنه هو الكاتب، كما جاءَ مثلاً في حواره مع «أليس» إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية:
«الرحلة كانت طويلة، قلتُ لها.
فسألتْني عن أية رحلة أحكي.
لا شيء قلتُ لها، الكتاب»
أو حين سألته «أليس» أيضاً عن مهنته فأجاب:
«أنا بكتب، بشتغل كاتب»، ثم سَألته عن جدوى الكتابة فأجاب: «تنألف كُتب ونخترع أبطال، وتقراها الناس وتتسلى». فذلك إنما يصب في عملية التورية الفنية التي يتوسلها خوري للإيحاء بضياع الحقيقة بين الكم من الحكايا التي تمتلئ بها نصوصُهُ الروائية كافة من دون استثناء، وصولاً إلى القول بغياب الحقيقة. فالحكايةُ، أي حكاية، تخون الحقيقة: «كانت مريم تَسخر دائماً مني، يقول الكاتب/ الراوي في «مملكة الغرباء» حين أُخبرها أنني أبحث عن الحقيقة. كانت تَعتقد أنني لا أبحث عن الحقيقة إلا من أجل كتابتها، وعندما نَكتبها نخونها ونحولها إلى حكاية. ومريم معها حق». لكن هناك حقيقةً واحدةً أكيدة، هي هامشيةُ الشخصيات وغربتُها وموتُها، التي يؤازِرُها استخدامُ إلياس خوري التناص بأشكاله كافة (الديني والأدبي والتاريخي والوثائقي). بهذه الديمقراطية الفنية، إذا صح التعبير، المُتمثلة بتقويضِ موقع الراوي/ الكاتب، وبتقويضِ كل معاني البطولة عَبْرَ المُساواة بين عالَم الشخصيات، ذهبَ إلياس خوري بعيداً بمبدأ الحوارية الباختيني القائم على تعدد الأصوات Polyphonie وتعدد اللغات Plurilinguisme، مؤكداً صحةَ نظرية باختين وديموتَها عَبْرَ الزمن، والقائلة إن الروايةَ جنسٌ أدبي غير مُنجَز أو غير نهائي بسبب ارتباطها باللغة، ولأن اللغة هي في تطورٍ دائم. وبالتالي لم تكُن تقنياتُه ووحداتُه الفنية سوى مجرد حيَلٍ فنية لتمويه موقع الكاتب/ الراوي، بوصفه المنظم الأساسي للسرد، للإيحاء بتفككِ عالَمِهِ السردي، ولإبرازِ حقيقة الغربةِ والموتِ وأصالتِهما الوجودية. لكنْ أي نوعٍ من الغربة وأي موتٍ يُحيل إليهما عالَمُ إلياس خوري الروائي؟

المُعادَلة الجمالية للغربة والموت

مِن معالِم الغربة الوجودية أن يكون الشخصُ، أو الأشخاصُ أو الجماعاتُ قد استوطنتهم غربةٌ، قد لا تكون غربةً عن وطنٍ أو ناسٍ فحسب، بل عن كل ما في الوجود، ولاسيما أن «الإنسان قد أشكلَ عليه الإنسان» كما عبر التوحيدي، وأن الغريبَ «مَنْ هو في غُربتِه غريب»، وأن أغربَ الغرباء «مَن صارَ غريباً في وطنِهِ»، تلك الغربة التي قد يُفضي الاستغراقُ في مناخاتِها فنياً وروائياً إلى خطابٍ عدمي. ولاسيما أنها، أي الغربة، تمثلت لدى خوري كأحدِ المُشكلات السردية ذات المؤثرات الفنية الجمالية، كسائر المشكلات السردية الأخرى، وذلك في سياقٍ فني تتمثل وظيفتُهُ في الإيهام بها لتوليدِ القول الروائي. ومن أبرز تلك المُشكلات التناص الديني الذي واكبَ كل روايات إلياس خوري من دون استثناء، وتجلى في «مملكة الغرباء»، عَبْرَ استحضار غربة السيد المسيح للإيهام بتأصُلِها في حياة البشر والأنبياء، أي كغربةٍ أصيلة ومتأصِلة: «غريب في مَملكة الغرباء التي حاول تأسيسَها..»( مملكة الغرباء). وإذ التقاهُ الراوي أمام نهر الأردن بدا له «في كل مكان. يقف وسط المياه الضحلة التي حولَ الإسرائيليون مجاريها، فصارَ النهرُ كمجرىً صغيرٍ موحل»( مملكة الغرباء)؛ وهناك يُتابِع الراوي: «في المجرى الصغير الموحل رأيته. السيد يقف وحده كغريب. وأنا أمامه». إنه هذا التناص الديني المسيحي الذي جعلَ منه خوري عنواناً لرواية «كأنها نائمة» (2007) المُستوحى من جملة السيد المسيح: «انْصرِفوا! فالصبيةُ لم تَمُتْ، وإنما هي نائمة» (إنجيل متى، الإصحاح التاسع، الآية 24)، مُحيلاً من خلال هذا التناص، على غُربة «ميليا»، الشخصية الرئيسية في الرواية، التي تتمارى فيها غربةُ سائر الشخصيات التي واكبت زمن الرواية المُمتد من القَرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين، أي وصولاً إلى زمن النكبة الفلسطينية. غير أن الاغترابَ عند إلياس خوري لم يكُن اغتراباً فردياً مُرتبطاً باغتراب الذات عن ذاتها فحسب، بل تمثل كاغترابٍ ذي جذورٍ وجودية تَعكسه مرايا الذات في تفاعُلاتِها المجتمعية والإنسانية، وفي تشظيها الكاشف عن لاعدالةِ الحياة في طبقاتِها وأوجُهِها المُختلفة.
أما عن الموت الذي جَعَلَ منه خوري الحقيقةَ الوجوديةَ الوحيدة التي تستحق الوقوف عندها مقابل أي ظواهر أو حقائق أخرى، ولاسيما مع هامشيةِ مواقع الشخصيات حيال الوجود، وتهافُتِها السهل والمُريع أمام الموت، وهو الأمر الذي قد يُحيل إلى العدمية، فسرعان ما يتبين أنه وُظفَ كمجازٍ عن الموت العربي، السياسي والأخلاقي والقيَمي والمُجتمعي. فقد توسلَهُ خوري كوحدةٍ فنية عليا، ائتلفت معها سائرُ الوحداتِ الفنيةِ التابعة لها، والمقصود الحكاية الأم التي تبدأ وتنتهي بمَوت بطلِها، ولا تكتمل إلا بموتِهِ وبموت رواةٍ كُثرٍ ممن حَكوا أو أسهموا في رفدْ حكايته بحكاياتِهم الجزئيةِ أو الكاملةِ عنه. فكان موتُ خليل مثلاً، الشخصية الرئيسية في «الوجوه البيضاء» (1981)، هو الحكاية الأم/ المحور الذي دارَ حولَهُ مدخلُ الرواية وكل فصلٍ من فصولها السبعة؛ وكان موت عبد الكريم بن حصن بن عبد الكريم الملقب بغاندي الصغير في رواية «غاندي الصغير» هو الحكاية الأم/ المحور الذي دارَت حوله الحكايات؛ وكان موتُ علي أبو طوق بدايةَ الحكاية في «مملكة الغرباء»، وموتُ إبراهيم نصار محورَ الحكاية في «مجمع الأسرار»؛ وجاء موت أم حسن كأول جملة إخبارية في رواية «باب الشمس» التي دارت حول حكاية يونس الغارق في موتٍ سريري؛ وكانت أحلام ميليا التي عاشت كأنها نائمة وماتت كأنها نائمة، هي محور رواية «كأنها نائمة» إلخ. فالسؤال «الذي يأتي في البَدْءِ هو الموت» يقول الراوي في «مجمع الأسرار»، وحكاية الإنسان لا تبدأ مع الولادة كما يقول منصور في كأنها نائمة، بل «تبدأ حين نموت أو حين نُقتل» في «كأنها نائمة.
لقد عكسَ إلياس خوري الآيةَ في جعْلِهِ الحكايات تبدأ من الموت، ولا تَكتمل إلا بموتِ أبطالها، موظفاً ذلك كخيارٍ فني يَرتِقُ به ثقوبَ الذاكرة اللبنانية الفلسطينية العربية المُثقَلَة بالموتِ والخَيباتِ والحروبِ والخيانات. مَلَأها بحكاياتٍ جَعلتْ من نصوصه نصاً واحداً يَختصرُ رحلةً مُضنيةً في زمنٍ عربي راهنٍ يتهاوى ويتلاشى كأنه هو الموت. فساءَلَهُ انطلاقاً من حكايات الناس العاديين والبسطاء، ومن اليومي واللحظوي. ساءَل هزائمَه منذ نكبة فلسطين وهزيمة يونيو، مروراً بحروب لبنان والاجتياح الإسرائيلي له وصولاً إلى الآن، أي إلى زمنِ موت الإنسان وانحساره. الزمن الما بعد حداثوي الذي يروضنا، على حد تعبير الناقد والفيلسوف الأمريكي كريستوفر نوريس على «نسيان أي جدلٍ حول مسائل «كالواقع» أو «الحقيقة»، عالَم «تتفشى فيه ألعاب اللغة، الدوال التي تَفتقد للمدلولات، والأوهام التي لا يُمكن تمييزها كأوهام».
في هذا الإطار باتَ الموتُ بُعداً جمالياً مُعبراً ليس عن أزمة الوجود والعَيش بالمُطلق، وإنما عن أزمة الوجود هذه ضمن إطارٍ يتميز بخصوصية انتمائنا إلى العالَم الثالث في زمنه العالَمي الما بعد حداثوي. لقد عقْلَنَ إلياس خوري الفن الروائي التخيلي عَبْرَ جماليات فنه الذي اكتسَت الحكايةُ فيه معناها من الحكايات الحقيقية والمتخيلة لشخصياتٍ حقيقية تارةً، ومتخيلة تارةً أخرى، فبدا وكأن لا معنىً للمتخيل إلا باستحضار الحقيقي، ولا معنىً للحقيقي إلا بالمُتخيل الذي صاغه خوري انطلاقاً من تقاطُعات الشخصيات وحكاياتِها وأزمنتِها وأمكنتِها، وتشابكاتِها وتناقضاتِها. الاغتراب والموت كمكونَيْن جمالييْن عززتهما عناصر تشكيلية عدة، يتمثل أبرزها، إلى جانب التناص، بعنصرَيْ الماء والبياض، المُحيلَيْن على طهارةٍ مفقودة وعلى روحانيةٍ تفتقر إليها الإنسانية، اللتيْن أَضفتا بُعداً جمالياً وروحانياً وإنسانياً على نصوص إلياس خوري. من ذلك مثلاً حضور البحر الميت وعنصر المياه الذي كَثُرَ استخدامُه في «مملكة الغرباء» (التقينا على شرفة معلقة فوق البحر/ مَضينا نتوغل من الشاطئ»…/ «وهي تركض والماء ينقط من طرف الثوب»/ «كان وجهها مغطىً بالماء») في سياقِ توليد فضاءات الغربة والاغتراب، وكذلك البياض كعنصرٍ سيميائي راح يحيل على سوداوية الحرب والموت المجاني المُقترِن بها تارةً كما في «الوجوه البيضاء» أو في «رحلة غاندي الصغير» حيث «استفاقت بيروت كأنها لم تَنم. وكان المِلح. كل الناس قالوا إن المِلح الأبيض كان مرشوشاً فوق الشارع. كأنها أمطرت مِلحاً…»، أو على غربة وداد الشركسية البيضاء في «مملكة الغرباء» أو غربة ميليا التي أرادتها أمها بيضاء في «كأنها نائمة»، أو غربة حنا السلمان أو «المالح» الذي عوقب بإطعامه كيلو ملح في «مجمع الاسرار « إلخ.

إلياس خوري وصَوْغ الذاكرة

في استخدامِه كل المؤثرات الفنية والتركيبية والأسلوبية في بناء عالَمٍ روائي متشظ وذاكراتٍ متشظية ومُصابة بالعجز والنسيان والتشرذُم، حاولَ إلياس خوري، بعكس ما توحي به بُنيات رواياته، لَمْلَمَةَ الذاكرة: سارَ بين حكاياتِ شخصياته الروائية وذاكراتِها وأقوالِها من دون أن يتبنى سرديةً واحدة. وأَشركَ المُتلقي في نفسياتِ شخوصهِ من دون أن يستغرقَ في التحليل النفسي، وأشركه في قراءةِ التاريخ الاجتماعي والسياسي للمنطقة، لكنْ من دون الاستغراق فيه، تاركاً له زاداً معرفياً وجمالياً وروحانياً، في إطار لعبة المرايا التي أتْقَنَها؛ حيث تَنعكس ظلالُ الأشياء لا الأشياء بذاتها، من ناسٍ وأمكنةٍ وأزمنة، وذلك في دورةٍ لامتناهية من الولادات والموت. بهذا كرس إلياس خوري هويتَه السردية القائمة، حسب بول ريكور، على الطابع الزمني للتجربة الإنسانية، واكتسب القَص دلالتَهُ لديه من قدرتِهِ على رسْمِ خطوط هذه «التجربة الزمنية»، متوسلاً الفنَ الروائي وحيَلَهُ لِلَمْلَمَةِ أشلاء الزمن اللبناني الفلسطيني العربي بغية إعادة صوْغِه من منظورٍ تاريخي غير أحادي، متعدد الأبعاد والمستويات والطبقات. ولعل أبرز تجليات هذه الصياغة أنها لم تتمثل في إعادة رتْقِ ثقوب الذاكرة فحسب، بل في تبيان عُمق الاختلال والأعطاب التي تعتريها، بأنواعِها الثلاثة التي نظر لها بول ريكور (ذاكرة معوقة Mémoire empêchée، ذاكرة مسيرةmanipulée Mémoire، ذاكرة إلزامية أو إجبارية obligée Mémoire)، وجسدها فنياً في مساراتها العربية، ولاسيما اللبنانية والفلسطينية.
الراوي، الطبيب خليل، في رواية «باب الشمس»، يُخاطب يونس المُستغرِق في غيبوبته في سريره في المستشفى قائلاً: «حين لا يعود الكلام جديداً وطازجاً، حين تتعفن الكلمات في الفَم، وتَخرج هامدةً وقديمةً وميتة، يموت كل شيء… ألَم تقلْ لي ذلك بعد سقوط بيروت عام 1982، قلتَ إن الكلامَ القديم مات، ونحن في حاجةٍ الآن إلى ثورة جديدة. اللغة القديمة ماتت، ونحن مهددون بالموت معها، لا نحارب ليس لأننا لا نملك السلاح، بل لأننا لا نَملك الكلام. يومها مات الكلام يا يونس». وكأننا بإلياس خوري الذي بنى لغةً روائيةً جديدة قد عرى أعطابَ الذاكرة العربية إبداعياً بتوليده قولاً روائياً ينهض على وعيٍ مُختلفٍ ومُناهضٍ بعنادٍ لمَوتِنا؛ ولعل ذلك هو جوهر الأدب، أي كونه غير واقعي، «لأنه يعتقد أن الرغبةَ في المستحيل أمرٌ معقول».

كاتبة وأكاديمية لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية