عند الحديث عن فيلم 1917 لابد من الحديث عن اللقطة الطويلة، تلك التي كانت السبب في ظهور مصطلح «اللقطة الواحدة». وسنمر سريعًا على بعض من برع بها لغرض توضيحها للقارئ /المشاهد، ويمكن للمهتمين بهذا الخصوص أكثر، البحث والتقصي فهناك معلومات وافرة .
كانت أولى محاولات الاشتغال على هذه التقنية تعود إلى عام 1948 على يد المخرج الشهير ألفريد هيتشكوك، ونتيجةً لعدم توافر آلات تصوير مناسبة بإمكانها التصوير لوقت طويل، لجأ هتشكوك إلى حيلة منطقية، تتلاءم مع الإمكانات السينمائية في ذلك الوقت. وكانت الطريقة تتم من خلال إنهاء لقطة طويلة في مكان مظلم، أو عند قطعة أثاث، أو عند ظهر الممثل بحسب الحيلة، حيث تتوقف متابعة المشاهد. ويتم في ما بعد إكمال اللقطة التالية من تلك النهاية، فتظهر للمشاهد وكأنها لقطة واحدة وهو ما قدمه هيتشكوك في فيلم (الحبل) .
أولى العديد من المخرجين اهتمامًا بهذه التقنية، وكان من بينهم المخرج الإيطالي مايكل أنجيلو أنطونيوني واحد من الذين برعوا في الاشتغال على هذه التقنية، عرف أنطونيوني عبر ثلاثيته المتداولة بقوة في قوائم أفضل أفلام السينما، «المغامرة» 1960، «الليل» 1961، «الكسوف» 1962. ومن ثم فيلمه الشهير «تكبير الصورة» 1966، وفيلمه «المنهزمون» .وفي عام 2000 وبعد ظهور الكاميرات الديجيتال أصبح التصوير لفترات طويلة ممكنًا، وظهرت هناك بعض التجارب التي استخدمت هذه التقنية، وتعرضت للانتقاد مثل فيلم time code ثم ظهر الفيلم البارز Russian Ark من إخراج الكساندر سوكورف، وكان الفيلم مؤلفًا من لقطة واحدة مدتها 96 دقيقة صدر عام 2002 بوجود طاقم تمثيلي بلغ عدده 2000 ممثل.
ثم هناك الفيلم الكوري old boy الصادر عام 2003 ، الذي بدوره ضمّ مشهدا تم تصويره وفق هذه التقنية، بفترة زمنية حوالي 3 دقائق ونصف الدقيقة، من القتال وعدّها النقاد والمشاهدين من اللقطات الناجحة. إخراج وسيناريو بارك تشان ووك .
وكان فيلم bird man من الأفلام المهمة في هذا المجال، حيث تم الاشتغال عليه بالآلية نفسها وحاز الأوسكار عام 2014 عن أفضل إخراج وتصوير وفيلم. وكان من إخراج أليخاندرو غونزاليس أيناريتو .وهناك أفلام دائما ما تذكر عند الحديث عن اللقطة الطويلة أو اللقطة الواحدة مثل فيلم victoria وهو فيلم روائي ألماني من إخراج سباستيان شيبر، وتم تصويره من خلال هذه التقنية سنة 2015. وصولا إلى فيلم 1917 وهو محور حديثنا، واحد من أبرز أفلام عام 2019، وهو فيلم مأخوذ عن قصة حقيقية حكاها الجد الفريد منديز إلى حفيده سام منديز مخرج هذا الفيلم حين كان صغيرا .
تدور أحداث الفيلم حول رسالة مهمة يتكفل بإيصالها جنديان، هما بلايك وسكوت، في مهمة هي أقرب للمستحيل، غايتها إنقاذ 1600 جندي مقبلين على فخ، إذ كان انسحاب الألمان إلى الخلف مجرد كمين للإغراء بالهجوم .منذ اللحظات الأولى لبدء التصوير كانت الكاميرا حاضرة بقوة، أو كما جرى توصيفها بأنها كانت البطل في الفيلم، إذ اعتمد الفيلم تقنية one shot أوsignal shot بشكل إبداعي لافت، الأمر الذي من جمالياته أنه يظهر العلامات البشرية ونشاطاتها على الممثل بشكل حقيقي، خصوصا التنفس السريع الذي يدل على الحركة المستمرة للشخصيات طوال فترة تصوير المشهد، خصوصا إذا كان في حالة حركة، الذي ينعكس بدوره على واقعية الحدث. والإجهاد الواضح على الممثل، ذلك أن التمثيل هنا أبعد ما يكون عن التصنع والافتعال، فتظهر المشاعر الإنسانية والأحاسيس أقرب إلى كونها مشاعر أصيلة، وهي من خلال ذلك تترك تأثيرًا عميقًا في المتلقي، فلا يكون المشاهد مجرد منفعل مع الحدث عن بعد، بل إنه يعيش شيئًا من تلك الواقعية، كما لو أنه يركض ويمشي ويخاف ويعاني ما تعانيه الشخصية.
على الرغم من أن الفيلم يتكون من لقطات طويلة متعددة، جرت معالجتها من خلال خدع واشتغالات سينمائية، إلا أنها من خلال المشاهدة، تظهر على شكل لقطة واحدة. بعد ساعة تقريبا من بداية التصوير سيلاحَظ سقوط الجندي سكوت من أعلى سلم إلى مكان مظلم، ثم تبدأ اللقطة الثانية أو النصف الثاني من الفيلم، إذ أن المشاهد حتى مع انتباهه الكامل ومعرفته بكيفية عمل اللقطة الواحدة، فهو لن يلحظ سوى وجود لقطتين طويلتين تقسمان الفيلم إلى نصفين، الأولى تنتهي عند سقوط الجندي في مكان مظلم، والثانية تبدأ من تلك النهاية. أما بقية التمفصلات التي تم من خلالها ربط اللقطات الطويلة، فهي لم تكن بارزة على الإطلاق وقد عولجت بمهارة .
على الرغم من أن الفيلم يتكون من لقطات طويلة متعددة، جرت معالجتها من خلال خدع واشتغالات سينمائية، إلا أنها من خلال المشاهدة، تظهر على شكل لقطة واحدة.
كان اهتمام الكاميرا في هذا الفيلم منصبًا على الشخصيات وحركتها، أكثر من بقية الأحداث الجارية، حيث يرى المشاهد انعكاسات ومؤثرات الأحداث كنتائج، بدون تسليط الضوء على مصادرها، مثل إطلاق الرصاص والنيران وبقية الأصوات المتعلقة بالأسلحة وأنواعها المرافقة لانتقال الشخصية من مكان إلى آخر. ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى الهدف من هذا الفيلم وغايته في تسليط الضوء قدر الإمكان على المناحي الإنسانية، وليس كما جرت العادة في أفلام الحروب الدموية. هذا التوجه يذكّر بأفلام الحب في زمن الحرب، والدور النسوي الإنساني في التمريض، ويذكّر بالفيلم الرائع hacksaw ridge قصة الجندي الذي يرفض حمل السلاح وينقذ العشرات من الجنود الجرحى في إحدى المعارك. على عكس الأفلام التي تُدهش المشاهد عبر الدموية واستعراض الأصوات المتنوعة للأسلحة والرصاص والانفجارات، مثالا عن ذلك فيلم «إنقاذ الجندي رايان» .
العمل على مثل هذه الأفلام ذات اللقطات الطويلة، يحتاج خريطة مصممة بدقة لا مثيل لها، حيث يكون هناك نوع من الاتفاق والتساوق بين تحركات الشخصية، وإمكانية تحرك الكاميرا بالشكل الملائم، الذي يسمح بجعلها في زاوية صحيحة تغطي الحوار والمشهد، وتمنحه حافزا وإشارات خفيفة تنقله من وإلى الخطوة التي بعدها. فلا مجال للخطأ والتلكؤ. وهذا الثقل حقيقة موزع بالتساوي بين الممثلين وكادر التصوير والإخراج، وهو أيضا اختبار لمقدرات الممثل وموهبته على الاستمرار بالتمثيل لوقت طويل .وعلى حد قول المخرج سام مينديز في أحد لقاءاته، كان استخدام تقنية اللقطة الواحدة لأجل جذب انتباه المشاهد، ونقل المشاعر والمعاناة التي عاشها الجنود في الحروب. بعد أن وفرت التكنولوجيا أنواع الكاميرات وبمواصفات ومزايا مذهلة قادرة على التصوير المستمر، وأثبت الكثير من الممثلين قدرتهم على المطاولة حتى النهاية في اللقطات الطويلة، بقي التحدي الأكبر لمن يريد الاشتغال عبر هذه التقنية، مرهونًا بقدرة المخرج والكادر على ترسيم حركة الكاميرا، لذلك يمكننا القول إن المكان/ موقع التصوير يلعب دورًا حاسمًا في تسهيل أو تصعيب هذه المهمة، ولنا في فيلم Russian Ark مثالا على المكان الذي يسهّل عملية الـ one shot، لسهولة تحريك الكاميرا داخل المتحف، بين الغرف والممرات، كما أن السيناريو جعل العملية أسهل بالتركيز على شخصية محورية واحدة تنتقل من غرفة إلى أخرى، ومن ممر إلى آخر. فيما يحدثه شخص آخر لا يظهر سوى صوته وعينيه وحركته المتمثلة من خلال الكاميرا، وبذلك تلعب الكاميرا دورين، الأول في التصوير، والثانية صوت لشخصية ثانية .وهذا من جماليات هذه التقنية، فإنها غالبًا ما تجعل الكاميرا ممثلةً عينيّ المشاهد، حتى كأنه هو من يحرّك عينيه ورقبته من جهة إلى أخرى لا الكاميرا، حيث تبدو المشاهدة وكأنها من وجهة نظر المشاهد، وهي تشبه في ذلك نوعا من أنواع اللقطات السينمائية، المستخدمة في جعل الكاميرا تمثّل وجهة نظر الشخصية. كما إنها تمنح المشاهد شعور الحضور داخل الفيلم، والقرب من شخصياته، مثلما لو أنه شخصٌ خفي بينهم، يراقبهم ويسمعهم ويهتك جوانياتهم. هذه التلقائية ذات الحراك المنساب بدون توقفات أو قطع حاد للمشاهد، هي ما يصنع تلك الواقعية الملموسة ذات التأثير العميق، إذ يجعل الصورة مرنة وطيعة غير حادة على المشاهد .وبما أن هذا النوع من القصص الحربية مستهلك في أغلبه، ومرّ عليه ما مرّ من الاشتغالات، فإن التركيز ظل منصبًا على آليات إنتاج هذا العمل الفني السينمائي بطريقته المغايرة. وكان للمصور البارع روجر ديكنز دور مهم في تحقيق هذه الرؤية. حاز الفيلم جائزة أفضل فيلم درامي وأفضل إخراج في الغولدن غلوب، وحاز أوسكار أفضل تصوير وأفضل مؤثرات مرئية. إنتاج بريطاني .
٭ كاتب عراقي