‘جمالي في الصور’ لميسون صقر .. أينما حللت تكن شبحا

حجم الخط
0

تامر عفيفيإنها الكتابات التي تراهن على الصعب دائما، حتى وإن قادها هذا الصعب إلى الموت المحقق، عندما استهلت الشاعرة ميسون صقر ‘ديوانها’ جمالي في الصور ‘الصادر عن دار العين للنشر بمخاطرة وجسارة ترتقي لكل هذه الأهوال التي ترصدها برفق وتأن دونما ارتجاف، إنه القسم الأول من الديوان ، من بين ستة أقسام ارتضت أن يحتوي ديوانها عليها، لتضع قارئها في مسارات واضحة وحاسمة، لا تدع مجالا للشك أوالتلويح بالفوضى، إنه الترويض المنمق للقصائد، إنها السياقات التي تضمن بها ولو على استحياء تهذيب كل انفعالات شاعريتها الزائدة، فيصير شعرا بلا ذيول مزعجة، أو تصورات فائضة عن الحد الذي تئن منه صراخا وموتا، يكفيها إذن ما تستطيع أن ترسمه، وتخشى إذن من كل ما يلح عليها وتؤنبه على الإلحاح وتنصرف في كبرياء، ست محاولات تحوي كل واحدة منها تفاصيل مثيرة، قصائد قصيرة منتظرة لمصيرها، عناوين متلهفة للكمال والتخييل، ليذهب القارئ ويجيئ في دوائر حقيقية توقفه على البعد المناسب للحوار والجدل. الموت، هذه الكلمة التي كتب عليها أن تظل معلقة في السماء، نتحاور معها ونحن لا نعرفها، نخشاها ونحن لا ندرك السبب، نذهب إليها ونحن لا نريد، تأخذنا معها ونحن لا نقرر، لتجعلنا نتحدث كثيرا عن ‘الأهوال التي تمر’، هي بالفعل ‘ستبدأ ولن تنتهي’، وهو بالفعل ‘منوال البدايات الصعبة’ ولهذا كان القرار الشعري الصعب على ميسون صقر حينما واجهت فكرة الموت في القسم الأول من ديوانها، تحت عنوان ‘عيون تتبعني في المنام’، هو هذا الإطار الذي يحتوي على الموت، إنه الموت الذي يدفعنا للفخر عندما نتحدث عن شهيد هنا وهناك، عن مناضل، هكذا كانت السياقات تحتوي على الألم واليقين بالموت المحقق، خاصة عندما تختلط ‘كان’ بالوصف القاسي، ‘كان التصفيق يجذب الصراخ، كان الصراخ يجذب رجال الشرطة، كان رجال الشرطة يضربون المتظاهرين، كان المتظاهرون يجذبون نغماتهم إلى الميدان، كانت النغمات مصدرا لجذب الرصاص، كان الرصاص جزءا من أشياء أخر، وكان موتي’، هي لا تنزعج في الحقيقة من كل هذا، هي قانعة بالفخر وبركوب المعاني، هي نافذة إلى الموت، وخصوصا عندما تعترف بكل قوة وصمود، في قصيدة ‘قبلي وبعدي’ أنها ‘أيضا ميتة معهم، ميتة مثلهم’، أو عندما تردد ‘الموتى، درجة للطلوع ‘وتصفهم’ نصعد وهم في جيوبنا، كسرات خبز في الطريق’، ولكنها في كل الأحوال تتخذ من هذا الموت وسيلة للعبور إلى هذه الحياة الأخرى عندما تسمي قصيدتها ‘الحرية’ التي ‘تهدي العابرين إلى حياة جديدة ‘وتردد’ سننتظر متلهفين، غدا ستأتي’، كل الذين ماتوا أصبحوا بالفعل عيونا تتبع شاعرتنا في المنام . ومن تلك العيون التي تتبع ‘ميسون’ في المنام، تتحول إلى هؤلاء الذين عبروا إلى الرؤية في القسم الثاني من ديوانها، إنها محاولة لرؤية حقيقية للمعاني ،محاولة لاستكشاف الكون و’شكل العالم’، لاستكشاف كل ماهو ‘خلف هذه الأبواب’، فهي في الحقيقة تحدد جديا ما الذي تراه في قصيدة ‘إني رأيت’، تريد أن تؤكد لنا أن هناك من يعبرون إلى الرؤية الحكيمة، ‘رأيت / كأني مررت على الساحة / كأن الساحة رأتني / كأننا مررنا / ورأينا مرورنا هناك / إني سمعت / كأني أنصت للحديث / كأن الحديث سمعني / كأننا أنصتنا / وسمعنا حديثنا الصامت هناك’، إنها ترتقي وتصعد على ‘سلم الوعي’ تارة، وتحاول تارة أخرى أن تصف قلبها وهو يتناثر في طريق العابرين، ولكنها تعود لتسأل في مواجهة حقيقية لكل ما يحيط بها ‘كيف أصف؟’، كيف تحاول الشاعرة وصف ما يحدث وهي لا تصدق هذا الوصف، أو لأنها تهرول إلى القاع فلا تقدر على الوصف، ‘كيف نصف ونحن في الوصف المباشر أشد؟ / كيف نقفز من الجسر فجأة لنتحول إلى بقايا ذكرى تتناثر في الهواء؟’. ولن تدعك ‘ميسون’ أبدا تمسك بحدودها الشاسعة، ولن تعطيك الفرصة للوصول للنهاية، خاصة في القسم الثالث من الديوان وهي تتحدث عن ‘الغياب’، غياب الإنسان في تفاصيله، احتماءه تحت المظلات من المطر، تبحث عن ‘ما وقع منها’، وتلك الرموز التي تأتي فجأة وتفر، في هذا القسم ستقول لنا الشاعرة شيئا وستعبر في سلام، لا تريد يقينا ما، ولا تريد حقيقة ما، وإنما تريد فقط أن تعبر النهر في سلام، فهي تقرر ‘الخارج الطري لا يبقي ما بالداخل من يقين ينهار’، وتقرر أيضا ‘سيظل بصيص الرؤية بلا معنى، وهي لا تخرج من مشهد المطر الذي يزخ في الداخل إلا بعبارة ‘صباح الخير’، كل هذه الاحتمالات التي لاتدفعنا إلا إلى اللا يقين هي بالفعل ما دفعت شاعرتنا إلى أن تحدث أباها في رجاء ‘هذه أرواحنا خذها معك’. ‘لا حب إلا باتساق الجملة / ودخول المعنى مرادفا للغة’ وهكذا كان القرار عندما أحست الشاعرة أن الجملة في ديوانها قد اتسقت فقررت في جزئه الرابع أن تضع شيئا لهذا الحبيب الذي تقول له بكل بساطة وسلام: ‘لا مرارة بيننا’، بالرغم من حالات الفرب والبعد التي تنتابها، ‘ألمح يدك تسيل على الورق / أسير مخالفة / لمسار القرب والبعد’، وهي تطلب منه قبل الوداع أن يترك قبلته على الخد تربو، وتؤكد ‘لا وداع دون قبل’، وعندما تكتشف هذه التناقضات في علاقات الحب تعود إلى ‘لحظة الولادة والغياب’، هكذا تلاحق شاعرتنا الرجل، هكذا تلح عليه وتتبعه، وتوضح له هذا دون خجل ‘إني تبعتك حين أتيت / وحين جلست على العشب / وضعت رأسك بين يديك’، هي في كل الأحوال تؤمن بوجوده، حتى لو كان هذا الوجود عبارة عن انتظار يغري، فهي لاشك لن تنتظر أحدا غيره. اقتربت الشاعرة من الوصول إذن لحكمة ناتجة من التحديق والكتابة، وهي إذ تقترب تحاول أن تكون خفيفة الظل حلوة الروح، فتعلق نفسها على الرف الأخير من حلاوة الروح، في القسم قبل الأخير من ديوانها، وهي إذ تعلق نفسها تعلق معها كل جملها العميقة والعابرة بحنو على القارئ، فترى أن ‘الطبيعة صدى صوت لي’، وترى أيضا أن ‘نيتك تتصفى حين تضيف السكر والقهوة معا وتذوب’، وترى أحيانا أنها تهرول مشلولة الحركة وأنها يجب عليها أن تعيد تأصيل يومها في الحياة، وهي لا تنسى وهي معلقة على هذه الخفة أن يتراءى لها هذا الآخر الودود، لأنه دوما نظرته تخترق عمرها، ولأانها تقف عبر المدى ويظل هو قابع في ذاكرتها. كان من الطبيعي جدا أن تقودنا ‘ميسون صقر’ بعد كل هذا إلى هذا الجمال، جمال الطفولة في صورتها التي تركتها على غلاف ديوانها ومضت، وجمال صورتها الشعرية التي عرجت عليها في كل أقسام ديوانها لتنتهي بنا إلى القسم الأخير بهذا العنوان ‘جمالي في الصور’، كان من الطبيعي بعد كل هذه المنحنيات الصعبة أن تركن القصيدة إلى نوع من الجمال لتستريح إليه، فلا مانع من أن ‘نتعرى من ورق التوت / ونأكل التوت من سدرة المنتهى’، مادمنا في كل الأحوال سنأكل التوت، ولا مانع من أن يكون ليلك للظلام وليلي للنجوى، ولا يوجد أيضا أي ضجيج في أن ‘تمر اليمامة ولا تشبهني / تمر النعامة وتشبهني / تمر حيرتي فيما أقول / لا شبه بيننا، ارتكنت شاعرتنا إلى الجمال إذن، وتركتنا معه عبر ديوانها المليء بالوثوق والرقي، وهي تطلب منك في حنو أن تعيدها إلى جمالها في الصور ‘ألقني في حضنك دون مرارة / بلا موعد محدد / بلاغيوم على الوجنتين / أرجعني لجمالي في الصور’ هل أثبتت شاعرتنا في الحقيقة أنها ملكة نفسها ؟ هل أثبتت حقا أن شعبها جسد؟ هل أيقن القارئ إذن أنها الأبد ؟ وأن الكون طفلها المدلل؟ هي تسألنا في النهاية ‘هل تفهمونني أم أشرح لكم ؟’، إنها في كل الأحوال تركتنا مع سؤالها الأخير، كيف نغير الصوت في الكلام ونصدق أن الكلام جديد ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية