يقودني اهتمامي بأدب الرحلات الى مناطق مجهولة وإلى معارف ما كنت سأعلمها لولا قراءتي لكتب الرحلات،والسفر معها ومع أبطالها وكتّابها في الأجواء التي يدخلونها وإلى الأماكن التي يرتادونها. ومن تلك الكتب التي قرأتها مؤخرا كتاب (مقاصد الأسفار) للكاتب والروائي جمال الغيطاني، وقد صدر الكتاب عن دار نهضة مصر في يناير 2011، وكتب مقدمته الشاعر والناقد اليمني عبد العزيز المقالح الذي يقول ‘تختلف الرحلة في ذهن الروائي عنها في أذهان الآخرين، فالروائي العاشق للترحال يتوق إلى اكتشاف عوالم الواقع وأبطاله الواقعيين توقه إلى اكتشاف العوالم المتخيلة في كتاباته الروائية، وهو يتعامل مع المدن التي يزورها، أو يمر بها، تعامله مع أبطال رواياته بحنان حينا وبقسوة أحيانا، وتكاد القاهرة ـ بالنسبة إلى جمال الغيطاني- تكون هي بطلته الأولى في عالم رحلاته المكانية وتأملاته، ففيها نشأ وتعلم وأحب، بعد أن أمضى في القرية سنوات طفولته الأولى والرحلة بالنسبة إليه نافذة يطل منها على كل جديد وكل قديم أيضا’. يتحدث الغيطاني الذي أسس صحيفة أخبار الأدب عام 1993 وأشرف على تحريرها، عن أسفاره إلى الولايات المتحدة عام 2003، والى المانيا عام 2006، والى سلوفاكيا عام 2007، والى الصين عام 2008، والى المغرب عام 2008، في هذا الكتاب قد يتعرف القارئ على جمال الغيطاني الفنان التشكيلي سواء من حيث ثقافته الواسعة في الفن التشكيلي ومعرفته بالمدارس الفنية وروادها بل وباسلوبهم الفني، أو من توظيفه للأوان في النص، وكأن القارئ لا يقرأ فحسب بل يرى ويتحسس الأمكان والأجواء التي أبدعها الغيطاني بمحبرته تارة وبكلماته تارة أخرى، وأقول ربما لا يستغرب القارئ الذي يعرف مسيرة الغيطاني تمكنه من الفن التشكيلي، حيث عمل الغيطاني رساما في المؤسسة المصرية العامة للتعاون الانتاجي في العام 1963 واستمر في عمله إلى العام 1965، قبل أن يعتقل لاسباب سياسية، ثم أفرج عنه عام 1967، ولكن ما فاجأني هو عشق الخيطاني للموسيقى وخاصة الموسيقى التقليدية للشعوب، وتمكنه من معرفة الموسيقى الروحية ذات الطابع الصوفي، وفي أكثر من مرة يتحدث الغيطاني عن الموسيقى قائلا ‘ خلال السنوات الأخيرة أحاول الاصغاء قدر استطاعتي، كأنني راغب في التزود بالأنغام المتطابقة مع مكنوني، تلك التي رجوت عندها، أن ألحق ما فاتني، الموسيقى موجودة في الكون، وما نقوم به أننا نكشف عنها فقط، نتعرف إليها، لهذا حديث يطول’، ولا يبدو أن جمال الغيطاني مستمع فقط بل متعمق في الموسيقى التقليدية، ويكشف في حديث مع مسافرين أخرين معرفته بل وصداقته مع بعض الموسيقيين، قائلا ‘ مع تحرك القطار، مفارقته الرصيف ، كل شيء مرتب الكتاب، الاسطوانات ، الجهاز، أخرج القرص المعدني، أبدأ بموسيقى صوفية، عازف الناي وقائد الفرقة عرفته من خلال موسيقاه قبل أن ألتقي به في المؤتمر المقام بضاحية باريسية، قدسي أرجونار، مع بدء الموسيقى أقترب من النافذة’، ثم يتابع حديثه لأحد المسافرين معه في القطار’ أمسك بالأسطوانة، أريه غلافها، يهز رأسه، يقول إنه رآها عندما جلست، يشير إلى زوجته، تومئ برأسها، تتطلع إلى الاسطوانة، تقول بحماس : قدسي أرجونار، أقول إنني أسمع الموسيقى التركية الكلاسيكية منذ حوالي أربعين سنة، عرفتها من المذياع، رحت أكتشفها بنفسي، ذكرت الموسيقيين والمطربين والمطربات، دادا أفندي، سعد الدين كينان، أمل حايين، مديحة حايين، موزان سونار’. ويبدو أن الغيطاني ليس معجبا فحسب بل يقدر الموسيقى ويحترم الفن وهذا ما يقوله في زيارته إلى مدينة براتسلافا السلوفاكية ‘ اعتدت بعد تناول العشاء أن أصغي إلى عازفين متلازمين دائما، … أحدهما عازف الكمان والآخر عازف على البيانو، … استمعت إليهما في المطعم ، لفت نظري قدرتهما على العزف، لا أحب الاستماع إلى الموسيقيين أثناء تناول الطعام والدردشة، أجد ذلك نوعا من إهانة الفن والفنانين، أبديت لهما الود، وطلبت الاستماع إلى متتالية هنغارية لبرامز، وكان ذلك مدخلا لتفاهم انساني وعلاقة عابرة تركت عندي أثرا في هذا المكان النائي الذي يلتمس فيه الانسان الشفاء من خلال الماء والطين’. يتضح للقارئ من خلال هيام الغيطاني بالموسيقى أيا كان منبعها أنه عاشق حقيقي للنغم للالحان سواء كانت موسيقى غربية أم شرقية، ولهذا نجده يتحدث عن الموسيقى الصينية بقوله ‘ كان اكتشافي للموسيقى الصينية التقليدية حدثا هاما بالنسبة لي، إنها موسيقى نابعة عن أصوات الطبيعة، وتعبر عن حالة انسجام مدهش بين الانسان والكون ومصيره، ويقول أيضا الموسيقى الصينية التقليدية تحاكي الطبيعة، خرير الماء، وأصوات الطيور، وهسيس الرياح، كل ما يصدر عن الثقافة الصينية له خصوصية وتفرد’. يتحدث جمال الغيطاني عن الحضرة الصوفية في المغرب بهيام روحي قائلا’ بدأ الجوق (الفرقة) المغربي بقيادة الاستاذ الحاج محمد عزالدين، وهو صديق عزيز، من حماة الموسيقى الاندلسية، مقامه ومكانه في ضريح سيدي أبو العباس السبتي حيث الحضرة التي تسبق صلاة الجمعة والتي جئت من أجلها المغرب، بدأت الموسيقى الأندلسية بوصلة طويلة مطلعها بعد الموسيقى شعر من نظم سيدي أبو مدين الغوث (صلاتك ربي والسلام على النبي، صلاة بها نرجو الزيادة والحسنى، فيا حادي العشاق قم واحدُ قائما، وزمزم لنا باسم الحبيب وروحنا). ثم يصف الغيطاني عازفات ايرانيات في فرقة موسيقية متخصصات في إنشاد أشعار جلال الدين الرومي، جئن للمشاركة في مناسبة موسيقية فيقول ‘أرى أولا النحيلة عازفة الطار والتنبك، والتنبك طبلة ايرانية ذات ايقاع مهيب، أعرف شخصيا أساتذة العزف عليها ومنهم جمشيد الأب والابن، التقيت بهما في مهرجان الموسيقى الدولي السنوي برويامو بفرنسا’، ويسترسل الغيطاني في وصف العازفات، ‘تبدأ الموسيقى مقدمة سريعة تبدؤها السيدة النحيلة، تمسك بالطار، ترفعه إلى أعلى، تبدأ وإذا بهذه الرهيفة تشعل في الوجود حريقا من نغم’. ويتحدث الغيطاني عن واقعة حدثت له قبل سفره لاجراء جراحة في القلب عام 1996، حيث مر بما اسماه اعداد النفس وتقبل لكل ما يأتي بكل رضا، وقبل سفره اهداه صديقه عزت القمحاوي شريطا غنائيا بعنوان مسافر لمطربة ايرانية اسمها هايدي، يقول الغيطاني سمعته مرارا واصطحبته معي، كنت أسمعه وأدمع بغير دمع ولا أعرف لفظا مما أصغي إليه، كانت تعبر عن صميم حالي، عما لا أقدر على التعبير عنه لاحبابي باللفظ، بعد أن قدر الله عودتي الى موطني، زارني المرحوم الدكتور ابراهيم الدسوقي شتا، طلبت أن يترجم لي أغنية (سافر) لأعرف ما بها، عاد إليّ بعد اسبوع بالترجمة،فوجئت، المعاني التي قرأتها هي عينها التي شعرت بها’. من خلال تعلق الكاتب والروائي جمال الغيطاني بالموسيقى والفنون الجميلة، نجد أن تلك الملكات الثقافية العاشقة لكل ما هو انساني ، ماهي إلا شروط أساسية للتعبير عن الهم الانساني، وكتابة ابداع ادبي يلامس جوانيات الانسان ويحاكي آلامه وافراحه، لكي يتوقف الانسان عن إيذاء أخيه الانسان، ويحاول أن يسعده ما استطاع إلى ذلك سبيلا.