جمال زحالقة رئيس التجمع الوطني الديمقراطي: إسرائيل تتجه لاستبدال إدارة الصراع مستفيدة من الانقسام الفلسطيني والعجز العربي والضعف الدولي

حاوره: وديع عواودة
حجم الخط
0

 تفيد نتائج الانتخابات العامة في إسرائيل أن الحزبين المتنافسين “الليكود” برئاسة نتنياهو فاز بـ 35 مقعدا أي بزيادة خمسة مقاعد عن انتخابات 2015 رغم كل فضائح الفساد وبذات العدد فاز “أزرق-أبيض” برئاسة بيني غانتس. لكن معسكر اليمين واليمين المتطرف استأثرا بأغلبية المقاعد مقابل انهزام اليسار الصهيوني التقليدي “العمل” و “ميرتس” وكذلك تراجعت قوة فلسطينيي الداخل في البرلمان بخسارتهم ثلاثة مقاعد مقارنة بعدد القائمة “المشتركة” التي تم فرط عقدها نتيجة خلافات حول المحاصصة بين مكوناتها الحزبية.

في ما يلي حوار مع رئيس التجمع الوطني الديمقراطي الدكتور جمال زحالقة الذي ينهي نيابته هذا الشهر بعد سنوات كثيرة في الكنيست، وفيه يقوم بقراءة نتائج انتخابات إسرائيل ويقدم توقعاته لتوجهاتها وانعكاسات سياساتها على الفلسطينيين في طرفي الخط الأخضر. ويقدم تحليلا لما يسميه “الجمهورية الإسرائيلية الثانية” وتوصية للفلسطينيين والعرب بتغيير الوضع الراهن ونزع بعض أوراق اللعبة من بين يدي نتنياهو، مبديا رأيه بالسؤال هل تقوم إسرائيل بتهجير جديد لفلسطينيي الداخل حفاظا على ذاتها كـ”دولة يهودية”؟

*كيف تقرأ نتائج انتخابات الكنيست الـ21؟

**اليمين المتطرف فاز بأغلبية ساحقة وهي أكثر من 65 نائبا سيشاركون في ائتلاف نتنياهو، إذ لابد من أن نأخذ في الحسبان نحو سبعة مقاعد خسرها اليمين لسقوط أحزاب يمينية وقفت على عتبة نسبة الحسم وكادت تفوز، أما الأغلبية اليمينية في صفوف اليهود فقط دون احتساب فلسطينيي الداخل (17 في المئة) فهي أعلى، مما يعني أن اليسار والوسط الصهيونيين يشكلان ما هو أقل من 40 في المئة. ربما لو سقطت قائمة يمينية أو قائمتان كان نتنياهو سيسقط وهذا مرتبط بحسابات انتخابية لا تغير الواقع بأن إسرائيل في أغلبيتها الساحقة اليوم يمينية جدا. الإمكانية الوحيدة التي كانت وما زالت ربما قائمة لإسقاط نتنياهو هي في دخوله السجن بعد محاكمته بتهم الفساد وعندئذ سيخلفه نائب آخر من “الليكود”.

*وهذا يعني بداية تغيير حقيقي في إسرائيل؟

**أولا اللافت هنا أن يسمح النظام القضائي الإسرائيلي لنتنياهو بارتكاب جرائم الحرب، فهو يلاحقه بلا هوادة حين يتعلق الأمر بالفساد. لقد توقّع الكثيرون ان تؤدي ملفات الفساد لإضعاف نتنياهو، لكن النتيجة كانت عكس ذلك، إذ حصل على قوة انتخابية تمكنه وتمكن تحالفه من حمايته من المحاكمة عبر سن ما يسمى بالقانون الفرنسي، الذي يمنع محاكمة رئيس وزراء خلال ولايته، أو عبر لجوء الأغلبية البرلمانية إلى منح نتنياهو غطاء الحصانة البرلمانية وعدم تقديمه للمحاكمة ما دام عضوًا في الكنيست. نتنياهو يشترط على الأحزاب المتحالفة معه أن تلتزم بعدم ترك الحكومة في حال قدمت ضده لائحة اتهام نهائية وحتى لو خضع للمحاكمة الفعلية، وكذلك الالتزام بدعم إجراءات وقوانين تمنع المحاكمة. في المقابل وعد نتنياهو بقبول مطالب لهذه الأحزاب، وفي مقدمتها مطلب الضم. لكن ولنفترض أنه سيسقط فإن إسرائيل لن تختلف كثيرا بدون نتنياهو فهو يمثل تيارا مركزيا في إسرائيل مدعوما من نخب اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية كثيرة عرف كيف يجتذبها.

*لماذا؟

**السبب الرئيسي يكمن في حقيقة أن إسرائيل لا تسدد ثمن سياساتها. في الماضي كان حزب “العمل” يقول للإسرائيليين إن علينا الذهاب لحل سياسي لأن البديل هو عقوبات ومشاكل كبيرة وانهيار اقتصادي لكن نتنياهو ومنذ عاد للحكم نجح في أن يبرهن لهم العكس بسبب العجز العربي والفلسطيني وضعف الحراك الدولي. رغم التوجهات العدوانية لإسرائيل بقيادة نتنياهو فهي تزدهر اقتصاديا ودبلوماسيا وتحظى بدعم غير مسبوق من قبل الولايات المتحدة وتتمتع بصداقة أجزاء من العالم العربي. وفي الناحية الاجتماعية هناك ازدياد في قوة الأحزاب الدينية وفي النخب الجديدة كالشرقيين والمهاجرين الروس علاوة على تغييرات ديموغرافية وفي المقابل تراجعت جدا النخب الاشكنازية التقليدية الداعمة لـ “العمل”. على خلفية ذلك نجح نتنياهو في السيطرة على مفاصل الدولة العميقة ويعمل على استكمالها تماما.

*وكيف تقرأ صعود “أزرق-أبيض”؟

**يعبر حزب “أزرق-أبيض” عن محاولة تمرد طبقة العسكر وخريجي المؤسسة الأمنية على نتنياهو فهم يمثلّون إسرائيل القديمة ويرون في إسرائيل الجديدة بقيادة نتنياهو خطرا على وجودها ويخشون مغامرة عسكرية. هم يريدون علاقات طيبة مع السلطة الفلسطينية حفاظا على التنسيق الأمني وليس بالضرورة هم يؤيدون فكرة دولة فلسطينية بل يبحثون عن تثبيت الاستقرار.

*مؤسسات بحثية إسرائيلية أيضا ترى أن تبوؤ نتنياهو حكومة خامسة يعني تصفية ما تبقى من احتمالات لتسوية الصراع مع الفلسطينيين فماذا تقول؟

**هذه النتيجة هي مؤشّر واضح على طغيان قوى اليمين الشعبوي المتطرف في المجتمع الإسرائيلي، ورسالة بأنّ المجتمع السياسي الإسرائيلي، والمجتمع الإسرائيلي عمومًا، ليس ناضجًا لتسوية سياسية من أي نوع، وعاجز عن الوصول من داخل ذاته إلى مثل هذا النضوج. لسنا هنا في صدد تلخيص الانتخابات الإسرائيلية، بل لتسليط الضوء على قضية في غاية الخطورة تشير إلى أن المجتمع السياسي الإسرائيلي لم يكتف بإغلاق الباب تماما امام إمكانية التوصل إلى حل سياسي، ولا يتوقف عند إدارة الصراع، بل يتجه نحو حسم الصراع بأدوات مغايرة واتخاذ خطوات عملية تبعًا لذلك وفي مقدمتها ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها إلى إسرائيل كما فعلت مع الجولان السوري المحتل وبمباركة الولايات المتحدة. ويكرر نتنياهو مقولته بأنه نجح في إقناع ترامب بـ “الحرب الدفاعية” وهي ليست سوى خطوة هجومية عدوانية طبعا لفرض الهيمنة الإسرائيلية.

*وهل من خيارات أخرى للضغط على إسرائيل وإجبارها على التراجع؟

**ينبغي الكفّ عن الأوهام وعن انتظار أي تغيير جوّاني في إسرائيل، فهو لن يحدث إلّا عبر حركة في اتجاهين ضغط فلسطيني عبر تفعيل نضال جدّي ضد الاحتلال وضغط عربي ودولي عبر حشد يستثمر السطوة الأخلاقية للقضية الفلسطينية كقضية تحرّر وحريّة وقضية آخر احتلال في العالم. وبموازاة ذلك يجب العمل الجدّي على انهاء الانقسام، خاصة وان نتنياهو يعتبر المحافظة على الانقسام وترسيخه حجر الزاوية في سعيه لتهميش قضية فلسطين وتهشيم الحركة الوطنية الفلسطينية بكافة تياراتها. قيادات الليكود أفصحت مرارًا وتكرارًا عن سعادتها باستمرار الانقسام، وهذا في حد ذاته يجب أن يكون محفّزًا لإنهائه بسرعة.

*لكن فوز نتنياهو مجددا سيعمق التطبيع مع دول عربية؟

**التطبيع مع دول عربية داعمة لنتنياهو مستمر وهذا أمر غير معقول فيما يولي ترامب دعما شخصيا كبيرا لنتنياهو تجلى بسلة هدايا ثمينة له من منطلق “سلف ودين” فالمصلحة المشتركة كبيرة وترامب يتوقع دعم نتنياهو ورد الجميل له في الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. هناك دول عربية داعمة لنتنياهو شخصيا لأنها تثق فيه في الملف الإيراني وتخشى أن يأتي من يخلفه ويغير موقف إسرائيل تجاه طهران، مثلما أنها ترى أن الطريق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب وهذا يفسّر رد الفعل العربي الفاتر حيال ضم الجولان السوري المحتل.

*ما الذي سيردع نتنياهو عن الإقدام على ضم الضفة الغربية المحتلة؟

**لقد فاجأ نتنياهو بإعلانه، أيام معدودة قبل الانتخابات، أن موضوع ضم الكتل الاستيطانية قيد البحث، وصرّح بعدها بأنه ينوي تقديم قانون ضم المستوطنات الى إسرائيل، مضيفًا أنه لن يكون هناك إخلاء لأي مستوطنة في أي حال أو ترتيبات سياسية مستقبلية. أفشل نتنياهو في السنوات الأخيرة مبادرات لضم منطقة “ج” ومنع طرح قانون ضم مستوطنة “معاليه ادوميم” على طريق القدس أريحا، وسد الطريق على محاولات ضم مناطق أخرى في الضفة الغربية، متذرعا بأن ضم منطقة معينة قد يمنع ضم مستقبلي لمناطق أخرى وبأنه يجب عدم استباق صفقة القرن، التي ستطرحها الإدارة الأمريكية. رغم موقفه هذا، سارع نتنياهو إلى الإعلان عن نيته، بعد الانتخابات، ضم المستوطنات إلى إسرائيل، متباهيًا بأنه اقنع ترامب بمبدأ جديد في العلاقات الدولية، وهو جواز ضم مناطق احتلت في حرب دفاعية، وعلى أساسه قرر ترامب الاعتراف بالجولان السوري المحتل، جزءًا من إسرائيل. يبدو ان نتنياهو على قناعة بأن الظروف السياسية الداخلية والدولية مواتية للقيام بضم مناطق من الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، الأمر الذي امتنعت عنه حكومات إسرائيل المتتالية منذ عام 1967. وندرج هذا التوجه الجديد ضمن انتقال اليمين الإسرائيلي من سياسة إدارة الصراع وكسب النقاط في إطارها إلى استراتيجية حسم الصراع من جانب واحد عبر سلسلة من الإجراءات لتغيير الواقع الديموغرافي والقانوني والسياسي للضفة الغربية. على خلفية ما ذكر من تغيرات ورغبة في حسم الصراع بدلا من إدارته ورغبته في استرضاء شركائه في اليمين فإن نتنياهو سيمضي فعلا في اتجاه الضم. في ظل غياب أي أفق لحل سياسي، وتحطيم حل الدولتين، وشيطنة القيادة الفلسطينية باعتبارها عائقًا أمام السلام، لم يعد الإسرائيليون يؤمنون بإمكانية التوصل الى تسوية سياسية، ولم تعد مسألة الضم مرفوضة كما كان سابقًا، بل ان الضم تحوّل إلى مطلب مركزي لأوساط واسعة في اليمين الشعبوي المتطرف الحاكم، والذي سيحكم. وهكذا أصبح الظرف الإسرائيلي الداخلي مؤاتيا للشروع في ضم مناطق واسعة في الضفة الغربية دفعة واحدة او على دفعات. سيرتدع نتنياهو عن الضم إذا شعر فقط أن هذا سيدخله في أزمة مع دول عربية كالسعودية. في مقدور العرب منع الضم في حال وضعوا خطا أحمر.

*وهذا خيار واقعي؟

**الحل يجب أن يكون مصالحة عربية – إيرانية فهذه ستحاصر نتنياهو وإسرائيل وهذه مهمة حلفاء إيران العرب وبمشاركة تركيا. مثل هذه المصالحة ستغير الموازنات الإقليمية وتحد من هيمنة الولايات المتحدة فيها وتفتح الباب أمام حل أزمات داخلية في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن وفي فلسطين أيضا. مثل هذا الحل الإقليمي يضرب سياسات نتنياهو ويفشلها ويحد من نفوذ وقوة إسرائيل في العالم حتى عند دول مهمة كالهند التي اقتربت منها بعدما تغير العرب. وهنا يحضرني قول وزير دولة أوروبية بارزة طالبته قبل ثلاثة شهور بالضغط على إسرائيل، فقال كيف نقوم بذلك ونتنياهو يشكو أننا نبدي موقفا أكثر نقدا من دول عربية؟

*على خلفية ما ذكرته من تغيرات عميقة في إسرائيل فإنه ليس في مقدور فلسطينيي الداخل التأثير على سياساتها من خلال الكنيست حتى لو زاد عدد نوابهم؟

**لو فزنا بـ 13 أو 14 مقعدا لن تتغير نتيجة الانتخابات للكنيست لكن هذا سيزيد فلسطينيي الداخل قوة ناهيك عن أن الوحدة هي قيمة في حد ذاتها. في 2015 أسسنا القائمة المشتركة وصدرنا للعالم العربي ولشعبنا الفلسطيني الوحدة أما في 2019 فقد استوردنا الانقسام. خسارة الوحدة أهم بكثير من خسارة عدد من المقاعد، فقد شاهدنا كيف غيرت إسرائيل تعاملها معنا وكذلك العالم، كما لاحظنا يوم زرنا الكونغرس والاتحاد الأوروبي.

*وماذا عن مستقبل علاقاتهم بإسرائيل؟

**سيحاول نتنياهو صرف الأنظار عن أزمته من خلال افتعال أزمات مع فلسطينيي الداخل أو بمغامرة عسكرية لا سيما أنه قد اكتشف أن ذلك مربح انتخابيا وشعبويا وتمثل ذلك في قانون القومية وهو عنوان بارز لسياساته المتشددة. نتنياهو يبشر بجمهورية إسرائيل الثانية. الأولى أقامها اليسار الصهيوني وتستند على “وثيقة الاستقلال” وكانت ترتدي قناع الديمقراطية والقيم الإنسانية. جاء نتنياهو ونزع هذا القناع لأنه يرى فيه عائقا أمام عدة أمور هامة ومن أجل السيطرة على الدولة العميقة كالقضاء والجيش والإعلام والنيابة العامة. بالنسبة لنا يريد اليمين نزع الهوية الوطنية والبعد القومي لنا كجماعة ولذا شن حملة شعواء على فكرتنا (دولة كل مواطنيها).

*وهل هذا يعني أن الترحيل ما زال خيارا ممكنا؟

**هناك أوساط عربية فلسطينية تصدر عنها مثل هذه التحذيرات في محاولة ماكرة لخفض سقف نضالنا من خلال رسالة مبطنة مفادها أنتم في خطر فالتزموا الهدوء. لا أعتقد أن خيار الترحيل واقعي اليوم إلا إذا تغير النظام الدولي بالكامل. إسرائيل ليست في حاجة للترحيل لأننا لا نشكل خطرا وجوديا حقيقيا عليها وفي مقدورها السيطرة على موضوعنا بأدوات أخرى وحماية ذاتها من التحول لدولة ثنائية القومية بوسائل عدا الترحيل. النضال حيوي ومفيد وعلينا الذهاب للعالم فهذا نوع من التحصين والحماية لنا أيضا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية