جمال موسيالا… سليل العلماء الذي صنعته الشدة!

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: جمال موسيالا، جوهرة طبيعية تسر الناظرين، كموهبة كروية يفوح منها سحر وأناقة أساطير الزمن الجميل، متسلحا بإمكاناته الهائلة في التحكم والسيطرة على الكرة، وبالعامية المصرية يمكنه «المرور من خرم إبرة»، لما في جعبته من حيل متنوعة في مختلف فنون المراوغة وبعثرة المدافعين، اكتسبها وتعلمها على مدار ساعات لا تُحصى في سنوات الطفولة والمراهقة، وهو يُقلد حيل ولمسات أبطال البراءة رونالدينيو وتييري هنري وزين الدين زيدان وليونيل ميسي، ليجني ثمار صبره ومثابرته وإصراره على تحقيق أحلامه، بذاك التحول السريع إلى مشروع ميغا ستار ومنافس محتمل لخلفاء كريستيانو رونالدو وليو البرغوث على الجوائز الفردية المرموقة في المستقبل المتوسط.

عبقري بالوراثة

أطلق الشاب العشريني صرخته الأولى على هذا الكوكب يوم 26 فبراير / شباط عام 2003، لأسرة ميسورة الحال هناك في موطن فخر الصناعة الألمانية مرسيدس بنز، مدينة شالكه، مكونة من 5 أفراد. الوالد النيجيري الجذور / البريطاني الهوية دانيال ريتشارد، والوالدة الألمانية / البولندية الدكتورة كارلون موسيالا، بالإضافة إلى شقيقته الصغرى لاتيشا موسيالا، والشقيق الأصغر جبريل موسيالا، وقبل أن يحتفل بعيد ميلاده الثاني، اضطرت الأسرة إلى قطع حوالي 255 كيلومترا، بإقامة مؤقتة في مدينة فولدا في وسط ألمانيا، حتى تتمكن أم جمال من تحقيق أحلامها التعليمية، لكن المفاجأة السارة، كانت في اكتشاف الوالدين لحجم الموهبة التي يتمتع بها صغيرهم، وحدث ذلك عندما أتم عامه السابع، وبدأ يتذوق طعم كرة القدم في أكاديمية تي إس بي ليهنيرز، تلك المدرسة التي كانت تبعد عن المنزل حوالي 10 دقائق بالسيارة الألمانية الاقتصادية، وكانت شاهدة على شرارة البداية، تحت إشراف مكتشفه الأول المدرب هوفمان، المسؤول السابق عن أكاديمية ليهنيرز، الذي قال في مقابلة متلفزة، إنه لم ولن ينس أول لقاء جمعه بموسيالا، وما زال يتذكر جرأته في التمارين وأناقته في المراوغة وحدته في الاحتفاظ بالكرة، والأهم، الرقم القياسي المسجل حتى وقت كتابة هذه الكلمات باسمه، بتسجيل أكثر من 100 هدف في موسمه الأول في الأكاديمية للأطفال الأقل من 7 سنوات.

عام المتغيرات

بينما كان الصغير يشق طريقه بالتنافس في فئات عمرية أكبر منه سنا في فريق مدينة فولدا، أخذت حياته منحنى مختلفا، بانتقال الأسرة للمرة الثانية، وهذه المرة بتغيير الوطن واللغة والثقافة، برحلة طويلة إلى المملكة المتحدة، وتحديدا إلى مدينة ساوثهامبتون، وأيضا في مهمة تعليمية خاصة للوالدة، للحصول على شهادة الدكتوراة من جامعة ساوثهامبتون، تمهيدا للحصول على الماجستير في جامعة غوتة في فرانكفورت، تأثرا بعائلتها العامرة بالعلماء والعباقرة، لكن من حُسن حظ جمال، فان والده كان وما زال عاشقا لكرة القدم، ويُدرك قيمة الموهبة الفذة في عالم الاحتراف، ولهذا قرر البدء في إنكلترا من حيث انتهى في ألمانيا، بالاستثمار في جوهرته الثمينة في إحدى مدارس لندن الشهيرة آرسنال أو توتنهام أو تشلسي، لكن سرعان ما أدرك صعوبة المهمة، والأكثر إحباطا وسبب له صدمة، إخفاقه في إرسال نجله لنادي المدينة الساحلية الجنوبية، إلى أن جمعته الصدفة بشخص غريب يدعى جاز بهاتي، وذلك في أكتوبر / تشرين الأول عام 2010، داخل مكتب مؤسسة ساوثهامبتون. وكانت نصيحة هذا الشخص، أن يوافق الأب على ذهاب جمال إلى مدرسته الكروية «سيتي سينترال»، التي كان يُشرف عليها المكتشف الثاني لموسيالا، روش بهاتي (الشقيق الأصغر لصاحب المدرسة)، وبعد رؤية ريتشارد للأكاديمية على أرض الواقع، وتأكده من العلاقة الوثيقة التي تربط عائلة بهاتي بكاشفة القديسين وعلى رأسهم ديك هانز، لم يتردد في ضم جمال إلى الأكاديمية، لتنقلب حياة العائلة من النقيض إلى النقيض في غضون 4 أشهر، بدأت بحصول الوالد على موعد مع كبير كشافين ساوثهامبتون، بعدما عجز عن مقابلته في بداية رحلة البحث عن تسويق الابن، ثم بالصراع اللندني الكبير على الصغير بين آرسنال وتشلسي، والذي انتهى بفوز تشلسي بالصفقة عام 2011، وذلك في غضون عام من وصول الأسرة إلى إنكلترا.

تعدد المواهب

بمجرد انضمامه إلى تشلسي، عرض عليه النادي اللندني منحة دراسية، إلى جانب السماح له بحضور مباريات الفريق من قلب «ستامفورد بريدج»، ضمن الأطفال الذين يجلسون خلف مقاعد المحترفين في مباريات البريميرليغ، ما ساهم في تطور تكوينه وتعزيز ثقته بنفسه، بالحصول على فرصة التحدث ومصافحة أساطير النادي في تلك الحقبة أمثال ديدييه دروغبا وفرانك لامبارد وجون تيري وأوبي ميكيل والبقية، بينما في الصباح، كان يستكمل دراسته وينمي مهاراته المتنوعة في مدرسة «وايتجيفت»، وبعدها بفترة انتقل إلى مدرسة «كوربوس كريستي» الكاثوليكية الابتدائية، الواقعة في حي نيو مولدن في جنوب غربي العاصمة، وهناك التحق بفريق الشطرنج، وأيضا تدرب على فنون لعبة هابكيدو، وهي فن قتالي كوري هجين يعلم الدفاع عن النفس، إلى جانب ممارسة لعبة الجودو، وذلك في الوقت الذي لم يكن فيه يمارس لعبته المفضلة كرة القدم أو يقرأ كتبه المدرسية، وهذا يفسر سر ذكاء جمال وحُسن تصرفه بالكرة داخل المستطيل الأخضر.
وذات مرة، أرسله مدرس الرياضة المتفاني توني ميسوروني، إلى فريق المدرسة الكاثوليكية للمشاركة في نهائيات بطولة الدوري الممتاز، التي شارك فيها أكثر من 1000 مدرسة من مختلف أنحاء البلاد، وحسنا فعل بقيادة زملائه الأطفال للفوز بالبطولة 3 مرات، منها مرتان كأفضل لاعب وهداف، تحت إشراف ومتابعة أسماء بحجم ديريك كاوت لاعب ليفربول السابق، وغاريث ساوثغيت، الذي تحول في ما بعد إلى تدريب المنتخب الإنكليزي، ومنافسا لجمال على المستوى الدولي، الأمر الذي ساعده على تثبيت أقدامه في مقر تدريبات كوبهام، إلى أن جاءت اللحظة الفارقة، التي شعر خلالها بأنه خارج حسابات أسود غرب لندن، بالأحرى بعد استبعاده من خطط المدرب فرانك لامبارد في بداية عمله، الأمر الذي جعله يتمرد على النادي في مفاوضات تمديد عقده، وذلك في الوقت الذي كان يضغط فيه بايرن ميونيخ على بيئة اللاعب، لإبقاء الوضع كما هو عليه، لنقله إلى «آليانز آرينا» بثمن بخس قبل عام من نهاية عقده في «ستامفورد بريدج»، وهو ما حدث في ميركاتو 2019، في خطوة جريئة للشاب البريطاني آنذاك، بالسير على خطى زملائه في منتخب إنكلترا للشباب الذين تألقوا بشكل لافت في ملاعب البوندسليغا، أمثال جادون سانشو وجود بيلينغهام.

الانفجار السريع

بعد أشهر قليلة من انضمامه إلى فريق البايرن للشباب تحت 17 عاما، حصل على أول استدعاء للمشاركة في الحصة التدريبية لفريق الكبار، بتوجيه من المدرب السابق هانزي فليك، وكان ذلك بعد استئناف النشاط الكروي في ألمانيا عقب جائحة كورونا في يونيو / حزيران عام 2020، وسرعان ما اكتشف النادي البافاري أن لديهم ماسة طبيعية لا تقدر بثمن في زمن تضخم أسعار أنصاف اللاعبين والمواهب، بعد الاستمتاع بأولى أهدافه مع الكبار، والذي سجله في ليلة الاستعراض على شالكه بثمانية أهداف بلا هوادة في سبتمبر / أيلول 2020، أي بعد عام من وصوله من عاصمة الضباب، محطما الرقم القياسي المسجل باسم روكي سانتا كروز، الذي كان أصغر من سجل بالقميص البافاري بعمر 18 عاما و12 يوماً، قبل أن يسبقه جمال بالتسجيل بعمر 17 عاما و115 يوما، وكان ذلك تزامنا مع عودة العائلة إلى ألمانيا مرة أخرى، ضمن المتضررين من قرار انفصال المملكة المتحدة عن أوروبا، وأيضا مع انخراطه مع رفاقه الألمان الجدد ليروي ساني وكيميتش ومولر والبقية، الذين ساهموا في التأثير على قراره، الذي كسر قلب ساوثغيت، باختيار تمثيل الناسيونال مانشافت على المستوى الدولي قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الثامن عشر، قائلا جملته الشهيرة: «لم يكن قرارا سهلا. لدي قلب لألمانيا وقلب آخر لإنكلترا، كلا القلبين سوف يستمران في النبض إلى الأبد لكلا البلدين، ومشاعري تخبرني أنني اتخذت القرار الصحيح»، فهل سيواصل المضي قدما بنفس الطريقة ويكون بايرن ميونيخ ومنتخب ألمانيا بوابته لتحقيق تطلعاته وأحلامه الكبيرة في عالم المركولة المجنونة بالفوز بدوري الأبطال وكأس العالم واليورو من أجل منافسة كيليان مبابي وإيرلنغ براوت هالاند وجود بيلينغهام على جائزتي «الكرة الذهبية» و«ذا بيست» في ما تبقى من العقد الحالي؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية