عمان ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: أدلت الشاعرة اللبنانية جمانة حداد بـ’اعترافات مرأة عربية غاضبة.. هكذا قتلت شهرزاد’، في أمسيتها الإبداعية التي اقيمت مؤخرا في العاصمة الأردنية عمان، بتنظيم من المركز الثقافي العربي، في المركز الثقافي الملكي، لتكون أخر فعاليات ‘العربي’ في العام 2011، متضمنة أمسية شعرية تناوبت فيها الشاعرة حداد والفنانة الأردنية مكادي نحاس، على قراءة شعرية حوارية لعدد من نصوص دواوينها ‘عودة ليليت’، ‘مرايا العابرات’، وديوانها الجديد ‘كتاب الجيم’، فضلا عن حوار شائك أجراه مدير المركز العربي الروائي جمال ناجي مع الشاعرة، تناول تجربتها الشعرية، إضافة إلى تجربتها المثيرة للجدل في مجلة (جسد) التي أسستها العام 2008، وهي مجلة تعنى بثقافة الجسد وفلسفته وفكره وآدابه وفنونه وطقوسه وتجلياته الحسية والروحانية، فضلا عن كتابها حول المرأة العربية ‘هكذا قتلتُ شهرزاد، اعترافات امرأة عربية غاضبة’. وبسبب الأوضاع في الشقيقة سورية، لم تقم الشاعرة بتوقيع كتابها ‘هكذا قتلت شهرزاد’، فقد خال الأوضاع هناك حالت دون وصول نسخ الكتاب في الموعد المناسب، فيما وقعت بعضا من نسخ كتبها السابقة لمن كان حصل عليها ‘مسبقا’، في ختام أمسيتها التي فاض عدد حضورها عن سعة المسرح الدائري وهو الذي يتسع لزهاء مائتي شخص، جاءوا ليتعرفوا ويستمعوا عن قربـ لجمانة حداد الشاعرة، والكاتبة والمترجمة والصحافية التي تعمل مسؤولةً عن الصفحات الثقافية في جريدة ‘النهار’ اللبنانية, ورئيسة تحرير مجلة ‘جسد’ الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه، وكانت حازت جائزة الصحافة العربية في دبي عام 2006، وجائزة ‘شمال جنوب’ العالمية للشعر في ايطاليا عام 2009، وجائزة بلو ميتروبوليس للأدب العربي في مونتريال سنة 2010′ بمناسبة ‘بيروت عاصمة عالمية للكتاب للعام 2009’، كما اختيرت واحدة من الكتّاب العرب الأكثر موهبة ما دون التاسعة والثلاثين. من أعمالها ‘عودة ليليت’، ‘مرايا العابرات في المنام’, ‘صحبة لصوص النار’ و’النمرة المخبوءة عند مسقط الكتفين’. أما كتابها الأخير ‘هكذا قتلت شهرزاد” فقد صدر في اثنتي عشرة لغة حول العالم.
جمانة حداد وشمت ذراعها بـ ‘الحرية’ قبل أن تبدأ بالإجابة على أسئلة محاورها جمال ناجي، أظهرت جمانة وشما لكلمة ‘الحرية’ نقشته على ذراعها اليسرى، معترفة أنها نقشته مه اندلاع أولى شرارات الثورة العربية، كاشفة أنه’ وجهة نظرها في الثورات العربية التي تفخر بها أيما فخر’، وإن لم تخف قلقها إزاء ‘وضع المرأة في الدول التي نجحت ثوراتها حيث خفت صوت المرأة التي لم تمثل إلا في وزيرة في مصر، وأخرى في تونس، وهي التي صنعت الثورة مع الرجل وليس وحده’. وزادت حداد ‘لا يمكن لأحد أن يقنعني بأن كرامة المرأة وصيانتها ليس من أهم وجوه الديمقراطية، وهو مع شديد الأسف ما لا يلوح’ في الثورات العربية العربية’، موجهة دعوتها للمرأة العربية ‘لرمي عبارة أعطوني حقوقي، وأن يكون نهجها آخذها بيدي حقوقي’. وتلفت حداد ‘إن الحرية السياسية والاجتماعية واحدة وما من شك في مساس حاجة المجتمعات العربية إليهما، فالحرية حق منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي احتضنته غالبية الدول العربية ولا تطبق منه شيئا؛ لذا أنا امرأة عربية غاضبة، ونظرة سريعة إلى حال المرأة العربية تجعلنا ندرك أن ثمة تقدما كبيرا للرجل عليها، وكأنها دون السن القانوني من حيث التهميش، وهذا أمر معيب بحقنا’. وفي معرض ردها على سؤال لناجي قالت حداد: ‘أنا أهاجم النظام البطريركي ومصممة على سحقه، الذي هو تفكير قبل أن يكون نظاما، وهو ليس قائما على الرجل فحسب، فهناك نساء ينتمين إلى النظام البطريركي، والرجل لم يكن يوما عدوا لي، وكل رجل لا يرى في المرأة شريكا مساويا له فهو بطريركي، هناك فارق واحد بين الرجل والنظام البطريركي، فقد عرفت نساء يتمنين ولادة الذكر تفضيلا على الأنثى، ورأيت أخريات يقمن بتربية بناتهن على الانغلاق وتعظيم الذكورية البطريركية’.’أنتمي إلى الأدب الايروتيكي وأكتبه’واستذكرت حداد في معرض دفاعها عن مجلتها (جسد) أعمالا ايروتيكية عربية لافتة ومميزة كتبت منذ مئات الأعوام، معتبرة أن ‘هذا الإنكار للحقيقة من البعض دليل قطعي على حالة الانفصام ونفي أنفسنا عن أجسادنا، وأن نخجل من أجسادنا هو سلوك مدمر للذات، والمرأة عليها إلا أن تصدق أن حقها المشاركة والمساواة’، مطالبة ‘من لا يقتنع بها أن لا يحاصر حق الآخرين بالبحث في أمور هي الأكثر طلبا على محركات البحث في الإنترنت، وأن يكفوا عن القول إن: المجتمع العربي ليس جاهزا كباقي الشعوب للخوض في حريته’، معلنة: ‘نعم، أنا أنتمي إلى الأدب الايروتيكي وأكتبه ولا اعتبره تهمة، وإن كانت فلا أتبرأ منها، والمجلة ‘جسد’مقتنعة بذاتها وضرورة وجود منبر مثلها، وهي ليست مضطرة ـ المجلة ـ أن تطلب من أحد الاعتراف بها’.’كتبه الممنوعة أيقظت الكتابة في داخلي’وبعودة حداد إلى طفولتها الأولى، بينت أنها ابنة عائلة محافظة ومتدينة، درست أربعة عشر عاما في مدرسة راهبات، وسط أجواء خانقة في البيت والمدرسة، لم يخلصني من ‘الاختناق’ سوى القراءة التي أنقذت حياتي، عبر تسللي إلى مكتبة والدي الكبيرة، وتحديدا وصولي لرفوف المكتبة العالية حيث كتبه الممنوعة التي أتاحت لي الحرية صدمة صحيةـ أيقظت الكتابة في داخلي’. أنا الذي أبكاني فأحببته أكثرتداخلت قراءة جمانة حداد ومكادي نحاس ‘لأشعار’ إنتقيت بعناية، لامست الإخراج المسرحي، فأحيانا تنفرد الشاعرة بالقراءة، ، فيما نحاس تنفرد بمقاطع أخرى، أو تتناوبان نفس المقاطع الشعرية، يلي بعضها غناء قصير، أو تكرار سريع ومتزامن لجملة بعينها، وفق جدلية إغناء الفنون لبعضها ومنحها المزيد من الألق.
وكانت حداد قرأت في الأمسية التي أدارها الزميل القاص محمد جميل خضر، نصا بعنوان ‘جيولوجيا الأنا’ من كتابها ‘قتلت شهرزاد’ الذي صدر عن دار الساقي مؤخرا، بعد أن كانت قد أصدرته بالإنجليزية العام الماضي، ومنه: ‘أنا اليوم السادس من شهر كانون الأول/ديسمبر من سنة ألف وتسعمئة وسبعين أنا الساعة الأولى بعيد الظهر صرخات أمي تلدني وصرخاتها تلدها رحمها تقذفني لأخرج مني وعرقها يحقق احتمالي أنا صفعة الطبيب التي أحيتني كل صفعة لاحقة حاولت إحيائي قد أردتني.
وتابعت جمانة في امسيتها المحتشدة بجمهور ضم شعراء وكتابا من مختلف الأعمار/ ومن الجنسين:’أنا عيون العائلة علي حدقات الأب والجد والعمة والخالة الستائر تنزاح والستائر في الوراء والجدران في الوراء وأنا التي لا اسم ولا يد لكل ما هو وراء أنا التوقعات المرجوة مني. الأحلام المجهضة الفراغات المعلقة. تمائم حول عنقي وأنا المعطف الأحمر الضيق كلما ارتديته بكيت أنا كل ضيف لا يزال يبكيني.
أنا الثقب الحزين في جوارب معلمتي لا يزال يحدق إلي كعتاب هابيل في ضمائري أنا جدول الضرب ولم أتقنه حتى الساعة أنا الاثنان المجموعهما واحد دائما واحد. أنا كرهي للتاريخ للجبر والفيزياء. وأنا إيماني طفلة بأن الأرض تدور حول قلبي. وقلبي حول القمر. أنا كذبة بابا نويل. والى اليوم أصدقني. أنا رائدة الفضاء التي كنت أحلم بأن أصير.
وتجاعيد جدتي المنتحرة. جبيني متكئا على حضنها الناقص. أنا الصبي (هل كان اسمه جاك؟) الذي شدني من شعري ولاذ بالهرب. أنا الذي أبكاني فأحببته أكثر. أنا الابتزاز. فاتحة رذائلي. وأنا الحرب وجثة الرجل التي جرجرها المقاتلون أمامي ورجله المخلوعة تحاول اللحاق به. أنا الكتب التي لا تلائمني طفلة وقرأتها (والتي الآن أكتبها ولا تلائم)’. وكانت حداد استهلت قصيدتها ‘عودة ليليت’ بمقدمة قالت فيها ‘ليليت جاء ذكرُها في الميثولوجيات السومرية والبابلية والأشورية والكنعانية، كما في العهد القديم والتلمود. تروي الأسطورة أنها المرأة الأولى، التي خلقها الله من التراب على غرار آدم. لكن ليليت رفضت الخضوع الأعمى للرجل وسئمت الجنة، فتمردت وهربت ورفضت العودة. آنذاك نفاها الرب إلى ظلال الأرض المقفرة، ثم خلق من ضلع آدم المرأة الثانية، حواء’. ومنها: ‘أنا الأولى التي لم تكتفِ لأنها الوصال الكامل الفعل والتلقي المرأة التمردُ لا المرأة الـنعم. سئمتُ آدمَ الرجل وسئمتُ آدمَ الجنة. سئمتُ ورفضتُ وخرجتُ على الطاعة. عندما أرسل الله ملائكته لاستعادتي كنتُ ألهو. على شاطىء البحر الأحمر كنتُ ألهو. شاؤوني فلم أشأ. روّضوني لأتروّض فلم أتروّض. أنزلوني إلى المنفى لأكون وجع الشرود. جعلوني الرهينةَ للقفر من الأرض والفريسةَ للموحش من الظلال وطريدةَ الكاسر من الحيوان جعلوني. عندما عثروا عليَّ كنتُ ألهو. لم أستجب فشرّدوني وطردوني لأني خرجتُ على المكتوب. وعندما طردوني بقي آدمُ زوجي وحيداً. وحيداً ومستوحشاً وشاكياً ذهب إلى ربه فخلق له ربه امرأةً من ضلعه تُدعى حواء وسمّاها النموذج الثاني. لتطرد الموت عن قلبه خلقها وتضمن استمرار الخلق’. ووسط تناغم خلاق بين حداد ونحاس، وبطريقة إلقائية مؤثرة، وبصوتين مشبعبن بإدراك معرفي تناوبتا؛ الشاعرة والفنانة،’على قراءة آفاق النص ومكامنه ولا حدود انعتاقه:’التي صيّادةٌ وقتيلةٌ والجسـرُ بينَهماالتي قوانينها تسنّها وحيدة تنتهكها جماعاتالتي أرضها برتقالةٌ مسطّحة وتعلم أنّها تدور حولهاالتي لا تصدِّق لا تصدَّق’. تقول جمانة فترد مكادي:
من الترابِ في اليومِ السابعِ خلقها من فرطِ الحياةِ عند احتمالِها خلقها ليليتالتي كحبٍّ مؤجّلٍ عيناهاالتي الأسُودُ على هديلِ ثدييها تغفو التي كملكةٍ ورعيةالتي توثقُ رجالها وتبكي على صدورِهم التي مُذْنِبٌ ثوبُها من تلقائِه’. وهكذا الأمر دواليك في ظلال نص صعد وهبط تقلّب كما أحوال المرأة وعنفوان اشتعالاتها وعواطفها الجياشة، وصولاً إلى:
جمانة: ‘لا أنتظر شيئاً’، مكادي ‘لا أنتظر منكم شيئاً’. جمانة ‘تكفيني جثّتي تبتسم لي، عنقي يشفّ يشفّ، وفي طريقي إلى النسيان’. مكادي ‘نعم، جميلةٌ أناووحدها اظفاري الوسخة تفضحني’. وأخيراً جمانة: ‘هيّا، هيّا، ارقصوا الآن!’. وأختمت حداد الأمسية بقراءة واحد من نصوص مجموعتها الأخيرة ‘كتاب الجيم’.