كمال خلف بات من المؤكد انتصار قوات المجلس الانتقالي في النزاع الدائر بينهم وبين كتائب العقيد القذافي بعد احكام السيطرة على مدينة بني وليد جنوب شرق طرابلس واقتراب الحسم بشكل مؤكد في مدينة سرت شرقا. ومع زوال غبار المعارك سيكون المجلس لانتقالي والليبيون جميعا امام مرحلة لا تقل صعوبة وخطورة عن مرحلة النزاع المسلح.. سيكون فيها امام السياسيين الليبيين تحقيق اهداف وطموحات الشعب الليبي الذي ثار على النظام السياسي السابق لبناء نظام بديل قائم على العدالة والانصاف والمؤسسات والشفافية والديمقراطية وحقوق الانسان.. وكل هذه القيم والمعاني التي حرمت منها الشعوب العربية كافة من المحيط الى الخليج عبر عقود مضت.- وسيكون الحكام الجدد في ليبيا امام سؤال كبير وجدلي وهو (ما هي الآولويات ومن اين نبدأ)؟.
نخشى ونعتقد بنفس الوقت ان المجلس قد يترك التفكير بهذه القضايا الى قوى دولية واقليمية يعتبر المجلس انها صاحبة الفضل عليه سواء من ناحية وجوده على الساحة السياسية او من حيث شرعنته دوليا في وقت كانت هذه القوى تسحب الشرعية من سلطة القذافي. وهذه الخطوة (اي ترك عملية التخطيط وتحديد الأولويات لقوى خارجية سيكون الخطأ الذي سوف يضع ليبيا بكاملها على طريق الانقسام والتناحر وصراع الاجندات.- الوضع الأمني الحالي في ليبيا هش للغاية وهناك مؤشرات على ذلك فما جرى قبل ايام قليلة في حي ابو سليم جنوب العاصمة من اشتباكات بين عناصر موالية للقذافي وقوات المجلس وما نقلته تقارير صحفية غربية عن حالة تململ من ممارسات الثوار داخل المدن المسيطر عليها وخاصة المناطق التي عرفت بولائها للقذافي.. بالاضافة الى غابة السلاح الموجوة حاليا في طرابلس ومناطق اخرى وتضخم الحالة الثورية لدى جماعات مسلحة تشعر بنشوة الانتصار.
كل هذا سوف يطرح الملف الأمني كواحد من ابرز التحديات التي تواجه العملية السياسية واي سلطة قادمة.
وسيكون من المهام الصعبة تأطير الحالة الثورية وتنظيم فوضى السلاح ودمج الجماعات المسلحة واستبدال الشرعية الثورية بشرعية دستورية.
ايضا وفي الوقت الحالي بدات تبرز حالة عدم رضى عن بعض الشخصيات داخل المجلس الانتقالي الليبي التي يصفها الثوار بانها كانت مرتبطة بسيف الاسلام القذافي وبعض الشخصيات الاخرى الفاسدة واصبح هناك نقد علني لأداء بعض اعضاء المجلس الذين يتحركون الآن بمواكب امنية ضخمة داخل العاصمة.
هذه الممارسات سوف يكون لها اثر محبط على الثوار وعلى المتحمسين للثورة والحالمين بانجازاتها وهذا بالتاكيد سيكون له تداعياته على الارض.- وفي الحديث عن مرحلة ما بعد استكمال السيطرة أي العملية السياسية المنتظرة فان التجربة السابقة للمجلس الانتقالي في محاولة تشكيل حكومة مؤقتة اعطت مؤشرا سلبيا عن كيفية تعاطي الشخصيات السياسية في الحكم الجديد مع هذا الملف فطفى على السطح مباشرة مبدأ المحاصصةعلى اساس المناطق الجغرافية.. والقبلية والولاء….. ومن قدم تضحيات اكثر وحملات متبادلة عنيفة بين تيار وصف بالعلماني وآخر بالاسلامي. لا نعتقد ان لغة مغايرة سوف تسود عند تكرار التجربة والشروع الفعلي بتشكيل حكومة انتقالية بل العكس سيكون هناك نزاع يشتد ويهدأ حسب قدرة الدولة الداعمة لهذا الطرف او ذلك في ضبط قواعد اللعب ضمن اللعبة السياسية. عدا عن احتمال ان يستعيد الشارع الليبي زمام المبادرة ولايقبل بتسليم ثورته لأي كان ومحاولته التاثير والضغط على السياسيين لانجاز آماله وأهدافه التي خرج من اجلها.
ومع وجود ملفات مستقبلية تنتظر مثل ضبط الهجر غير الشرعية ومراقبة الحدود وتحقيق الاستقرار في اسوق النفط ومكافحة الارهاب والتطرف تبرز على المحك قضية القرار الليبي الوطني المستقل والذي حسب تتبعنا لأداء الانتقالي فإن مثل هذا الشعار لا مكان له على الاقل في المستقل القريب.
فحتى هذه اللحظة لا نعرف ما هو المقابل السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني الذي سوف يقبضه الناتو جراء خدماته التي قلبت المعادلة العسكرية في ليبيا واوصلت المجلس الانتقالي الى السلطة في ليبيا.
الاعلان الدستوري الذي اصدره المجلس الانتقالي في آب اغسطس والذي كان بمثابة خارطة طريق لليبيا والذي تضمن فقرات ان طبقت كما وردت بشكلها النظري فسوف تكون ليبيا بمصاف الدول الديمقراطية سيكون هذا الاعلان تحد جديد للمجلس الانتقالي يختبر مدى قدرته على الالتزام بما جاء في به وتطبيقه بعيدا عن المصالح الشخصية وشهوة الوصول الى السلطة باي ثمن. تركه هائلة تركها القذافي لمن يأتي من بعده بسبب خصوصية وتركيبة النظام السياسي البائس الذي حكم به هذا الرجل ليبيا. يحتاج الحكام الجدد لليبيا الكثير من الوقت والجهد لبناء نظام سياسي بديل ولكن بمراكمة الاخطاء وفتح البلاد لمن كل من هب ودب وباجنداتهم المختلفة والمتناقضة احيانا… وفتح الآذان لكل صاحب الحان فهذا سيجعل من الوقت يطول على الليبيين وسنكون امام اما (ليبستان) او جماهيرية موز.’ كاتب فلسطيني