جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في لبنان: دور إنساني عريق في الحرب والسلم

عبد معروف
حجم الخط
0

تأسست جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، في لبنان عام 1968 لتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينين في لبنان، وتتمركز مؤسسات الجمعية داخل أو بالقرب من هذه المخيمات، وتخدم المسجلين وغير المسجلين لدى الأمم المتحدة والمواطنين اللبنانيين المحتاجين، من خلال المستوصفات والعيادات ومراكز الصحة الأولية الموزعة داخل المخيمات الفلسطينية، كما تقدم الجمعية خدماتها الصحية من خلال مستشفياتها الخمس وهي:
مستشفى الهمشري: صيدا وهو من أبرز المستشفيات التابعة للهلال الأحمر العاملة في لبنان.
مستشفى الناصرة: بر الياس في البقاع شرق لبنان.
مستشفى بلسم: داخل مخيم الرشدية قرب مدينة صور جنوب لبنان.
مستشفى حيفا: مخيم برج البراجنة قرب بيروت.
مستشفى صفد: مخيم البداوي قرب مدينة طرابلس شمال لبنان. وهناك العديد من المراكز والعيادات والمستوصفات الطبية المنتشرة في المخيمات الفلسطينية في لبنان، ومنها: عيادة البارد في مخيم نهر البارد شمال لبنان، وعيادة الجليل في مخيم الجليل قرب مدينة بعلبك في البقاع شرق لبنان، وعيادة شاتيلا في مخيم شاتيلا قرب بيروت، وعيادة مار الياس في مخيم مار الياس قرب بيروت، وعيادة القاسمية في تجمع القاسمية شمال مدينة صور، وعيادة البص في مخيم البص قرب صور، وعيادة البرج الشمالي قرب صور.
وإلى جانب المستشفيات العاملة اليوم، فقد كانت الجمعية أنشأت خلال سنوات عملها الماضية، العديد من المستشفيات منها: مستشفى القدس في منطقة الحازمية في بيروت والذي أغلق ودمر عام 1975 بسبب الحرب الأهلية اللبنانية، ومستشفى عكا في بيروت وأغلق العديد من أقسامه وأصبح يتعرض لحالة من الشلل وعدم القدرة على تقديم الخدمات، ومستشفى غزة في منطقة صبرا قرب بيروت وأغلق بدوره بعد مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982.
وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني هي جمعية وطنية فلسطينية ذات شخصية اعتبارية مستقلة، وأقر المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السادسة المنعقدة في القاهرة عام 1969 بدورها الإنساني والاجتماعي والصحي في خدمة الشعب الفلسطيني، إلى جانب الهيئات الوطنية الفلسطينية، وتأكد دورها بموجب المرسوم الرئاسي رقم 46 لسنة 1993.
وبموجب الصلاحيات المخولة لها تمارس الجمعية نشاطها، كجمعية غوث تطوعية وحيدة لمساعدة المؤسسات الرسمية الميدانية العاملة في المجال الإنساني، وفي كافة الأوقات، وكذلك في البلاد العربية المضيفة للاجئين الفلسطينيين، بموجب تفاهمات مع الجمعيات الشقيقة، وذلك وفقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات المضافة، وبموجب القانون الدولي الإنساني ومبادئ الحركة الدولية لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر وهي: الإنسانية، عدم التحيز، الحياد، الاستقلال، التطوع، الوحدة، العالمية.
وتم الاعتراف بعضوية الجمعية الكاملة في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر بتاريخ 22/6/2006.
وتتمثل رسالة الجمعية في توفير المساعدات الإنسانية والخدمات الصحية والاجتماعية للشعب الفلسطيني حيثما تواجدت الحاجة وأينما كان. بمعنى أن تقوم الجمعية بدرء المعاناة الإنسانية والتخفيف منها أياً كان شكلها، وحماية حياة السكان المدنيين وصحتهم وكفالة احترام الإنسان، سواء في أوقات السلم أو أثناء النزاعات المسلحة وفي سائر أوضاع الطوارئ، والعمل على الوقاية من الأمراض والنهوض بالصحة وبالرعاية الاجتماعية، والترويج للعمل الطوعي.
ومن أهداف الجمعية التعريف بالقانون الدولي الإنساني وتعزيز واحترام مبادئه ونشره على نطاق واسع، زيادة وعي موظفي الجمعية ومتطوعيها بأحكام القانون الدولي الإنساني، وتعزيز احترام شارة الجمعية وحمايتها في صفوف موظفي الجمعية ومتطوعيها والبعثات الطبية والوزارات والمؤسسات ذات العلاقة، وتقدم الجمعية خدمات العناية الصحية.
وقد تمكنت الجمعية من تطوير خدماتها الطبية والاجتماعية، من ناحيتي الكم والنوع، إذ أنشأت عددا كبيرا من المستشفيات والمستوصفات والمراكز المتخصصة مثل مراكز رعاية الأمومة والطفولة، والطب الوقائي والعلاج الفيزيائي، والأطراف الاصطناعية والتأهيل المهني والاجتماعي، وغيرها، بالإضافة إلى مدارس تعليم التمريض، وأجهزة الاسعاف والطوارئ وبنوك الدم، والمستودعات الطبية والصيدليات، ومتابعة شؤون الأسرى والمعتقلين، كذلك الاهتمام بتطوير التراث الفلسطيني، والمحافظة عليه، ودعم صمود الأسرة الفلسطينية.
وهكذا تكون جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني قد قامت بأعباء وزارتي صحة وشؤون اجتماعية في الوقت ذاته، لأن الأعمال التي تقوم بها، والمهمات التي تتصدى لها، والمخططات التي تسعى لتنفيذها، أكبر من اختصاصات أي جمعية إنسانية مماثلة، خاصة وأنها تقدم خدماتها المتنوعة، لكل المحتاجين من أبناء الشعب الفلسطيني والمواطنين العرب، من غير تمييز أو مفاضلة، ونظرا لفعالية دور الجمعية، فقد اعترفت بها وزارة الصحة العالمية، ولجنة الصليب الأحمر الدولي، والرابطة الدولية. كما أقامت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، علاقات تعاون مع مختلف المنظمات الإنسانية في أوروبا وأفريقيا والأمريكيتين، وأستراليا وأنشأت فروعا لها في معظم دول العالم وخاصة الدول العربية المجاورة لفلسطين.
وكان طبيعيا أن تتركز خدمات الجمعية في إقليم لبنان أكثر من غيره، لعدة أسباب أهمها: تعرض الساحة اللبنانية للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي كانت تستهدف المخيمات الفلسطينية، والقرى اللبنانية، مما ينتج إصابات كثيرة في صفوف المواطنين، ينبغى معالجتها وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية لأصحابها من دون تأخير.
وأيضا، بسبب تواجد الغالبية من مقاتلي الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان، ما يستدعي تقديم الخدمات الطبية المناسبة لهم.
كذلك بسبب اندلاع الأحداث الدامية في لبنان وتعرض عدد من المخيمات الفلسطينية للآثار السلبية لهذه الأحداث مما ألقى على عاتق الجمعية أعباء إضافية، فكان أن ارتفعت إلى مستوى التحدي، وتمكنت حتى في غمرة الظروف القتالية والمعارك العسكرية الحرجة من إنشاء عدد من المستشفيات وأقسام الطوارئ في الأماكن الساخنة وكذلك مراكز الاخلاء والنقاهة.
إلى جانب كل هذه العوامل التي أدت إلى تمركز عمل الهلال الأحمر الفلسطيني في لبنان، فإن تدني مستوى الخدمات الطبية داخل المخيمات الفلسطينية، وإغلاق أبواب وزارة الصحة اللبنانية، في وجوه الفلسطينيين، كان سببا رئيسيا في اهتمام الهلال الأحمر الفلسطيني بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
إلا أن التحدي الأكبر الذي واجهته الجمعية كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف العام 1982 وحصار بيروت بشكل خاص، بالنظر إلى كثرة الضحايا التي نجمت عن الأعمال الحربية، وانتشار الأوبئة، وأمراض الحروب النفسية والجسدية بسبب انقطاع المياه وتلوث الهواء وتكاثر القاذورات وغيرها، ومع هذا فقد تمكنت الجمعية من افتتاح أكثر من 25 مستشفى ميدانيا في بيروت والضاحية الجنوبية، بحث أمنت كافة الاحتياجات الطبية والاجتماعية للمواطنين واللاجئين وبذلك يكون «الصمود الطبي» قد حقق جانبا هاما من معركة الصمود العسكري في وجه الاجتياح الإسرائيلي خلال فترة الحصار.
ولا شك في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كان له تأثير كبير على بنية الهلال الأحمر الفلسطيني، خصوصا في بيروت وجنوب لبنان، إذ أن كل المستشفيات والمراكز التابعة للجمعية، قد تعرضت للهدم أو النهب وكذلك الحال بالنسبة للعيادات والمراكز المختلفة، ناهيك عن اعتقال مئات العاملين في هذه المراكز من أطباء وطواقم طبية وإداريين وفنيين، واستشهاد بعضهم على يد الجيش الإسرائيلي والمتعاونين معه، خاصة خلال عمليات القتل البشعة في مجزرة صبرا وشاتيلا.
صحيح أن الخسارة كانت كبيرة وفادحة، في الأرواح والممتلكات، وفي الطاقات البشرية الفاعلة، إلا أنها لم تكن قاتلة، بدليل أن الجمعية عادت للعمل مباشرة بعد الانسحاب الإسرائيلي من بيروت، وعادت المستشفيات التابعة للهلال ومراكز العلاج الفيزيائي والأسنان ورعاية الأمومة والطفولة والشؤون الاجتماعية للعمل من جديد .
أما بعد ما اصطلح على تسميته بـ«حرب المخيمات» عام 1985 – 1988 والخسائر التي منيت بها مستشفيات ومراكز الجمعية، وتراجع الامكانيات، فقد اضطرت الجمعية على تركيز عملها ونشاطها الطبي داخل المخيمات الفلسطينية.
اليوم، يبدو أن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، تتعرض لحالة من الضعف والتهالك وتصاعد الخلافات والانقسامات، كغيرها من المؤسسات الفلسطينية، وقد تراجع دور الجمعية عما كان في عقود مضت، وبرزت ظواهر الاهمال والتسيب والدمار في العديد من مراكزها، بررها البعض بضعف الامكانيات والخلافات مع رئيس الجمعية في رام الله .
ورغم كل ما تتعرض له جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من أزمات وظروف صعبة إلا أن دورها الريادي يبقى أملا للاجئين الفلسطينيين داخل وخارج مخيماتهم، نظرا لحالة الانهيار المعيشي التي يتعرض لها لبنان، وتفاقم الأوضاع الإنسانية وتفشي الأمراض وسوء الأوضاع الصحية، ما يجعل دور الجمعية في الرعاية الصحية ضروريا مع تقليص وكالة «الأونروا» لخدماتها ومساعداتها الطبية والعلاجية للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية