جمهوريات الفول وممالك الزيت

حجم الخط
0

عيد اسطفانوس في البدء كان الفقر يعم الجميع شرق الاحمر وغربه، لكن المصريين كان لديهم نهر يفيض ويطمي ضفافا ممتده على جانبيه، ثم ينحسر الفيضان ويبدأ موسم ازدهار مؤقت، حيث تنشط أعمال الزرع والحصاد، بينما ترفع صلوات الاستسقاء في كل أرجاء شبه الجزيرة لينمو بعض الكلأ، الذي لم يكن يغني ولا يسمن، إلى أن بدأت بشائره في الظهور منتصف القرن، فكان (الزيت) الذي (خيم) على سطح المنطقة، وتغيرت تضاريس كثيرة وتحولت قبائل (قحطان) من حال إلى حال، من الفقر المدقع الى الثراء الفاحش، ولم تكن هناك مرحلة انتقالية لتهيئة البشر للولوج لمرحلة انفجار الثروة، تلك الحالة الجديدة والغريبة على ثقافتهم وبيئتهم، وعندما نقول جديدة وغريبة فنحن نعني أناسا يقول التاريخ ان ثقافة الوفرة لم تدخل بيئتهم على الاطلاق، فتلك بواد جدباء ومناخ وعر وبشر ذوو خصائص خشنة تتناسب مع بيئتهم، عاشوا قرونا من الصراعات بين القبائل المتناحرة على السلطة والماء والكلأ، ولم ترشح أبدا تلك البوادي لأي نهضة، فلم تكن هناك مقومات ولا ظواهر من أي نوع لا على الارض ولا تحت الارض، فلا زرع ولاضرع ولا ثروات ولا بشر مؤهلون، لكن اندفاع نوافير النفط فجأه قلب الموازين في السياسة والاقتصاد والاجتماع وحتى في الدين، وتحولت تلك البؤر المهملة إلى محط أنظار الجميع ودخلت قسرا ضمن خرائط التحالفات، وزاد الامر احتقانا بعد انقلاب الضباط الاحرار على الملك فاروق في تموز/يوليو، وبدء ظهور ملامح التوجهات الليبرالية للضباط الشباب، وتحولهم من (حركة مباركة) إلى (ثورة)، تواكبت في نفس الوقت مع دعوات ميشيل عفلق ورفاقه في الشام، وهم طليعة البعثيين الذين أظهروا العداء مبكرا لتلك الإمارات الدينية التي يتناقض نظامها مع دعواتهم لنظم علمانية صريحة، كما أقلقت دعوة القومية العربية آل سعود وظنوا أنها تعني مشاركتهم في الثروة الصاعدة من تحت الارض، وخشوا من تكرار سيناريو الباشا الكبير محمد علي، الذي غزاهم وترك لديهم بذرة عداء مستتر تحت السطح منذ قرنين، تنمو كلما سقيت بين الحين والحين، وخشي الرجل أيضا على توقف شلال الدولار الذي انهمر على خزائنه، كما أقلقت مستغلي الآبار البكر التي باتت شريان الحياة للآلة الجبارة التي دارت هادرة في الغرب كله، ولم يعد في مقدور أحد إيقافها، واتحدت رغبة الكثيرين في التحالف على المصريين بغرض كسر شوكتهم مبكرا قبل تفاقم الأمور وخروجها عن السيطرة، وعلى الأخص مع تنامي سطوع نجم جمال عبد الناصر.

وفي اول اعراض الكبرياء والأنفة بعد تبدل الاحوال، تم ايقاف طلعات المحمل التي كانت تخرج بكسوة الكعبة الشريفة، ومعها تموين التكايا التي أنشأها محمد علي لإعالة فقراء الجوار النبوي وحجاجه، وبدأت فصول من التحولات في العلاقة بين جمهورية (الفول) الفقيرة ومملكة (الزيت) الغنية، وظهرت بوادرها عندما ذهب المصريون للعمل لدى (أبناء عمومتهم)، وظنوا أنه يشفع لهم تمسكهم باسماء قبائلهم العربية واسماء محلاتهم الجغرافية في وديان نجد والحجاز لتأكيد انتمائهم إلى شبه الجزيرة، لكن ما حدث صدمهم عندما سلموهم للكافلين الذين ساموهم انواع العبودية وفضلوا عليهم البشتون والبنغال، ومع تضخم الثروات وتمددها بدأ شعور التماهي يتضخم ويتمدد، وقابله المصريون بشعور التعالي والنظرة الفوقية، استنادا الى رصيد حضاري عادوا للتمسح فيه بعد فشل مناورة الانتساب الى (قحطان أو عدنان) لأسباب سياسية، وبدأت مراحل من العداء المستتر تعلو تارة وتنخفض أخرى، وتتراوح بين معيرة المصريين بأكلتهم الشعبية مرورا بملاهي شارع الهرم وحتى انتسابهم لعبدة الاصنام الفراعنة، والأخيرة توغر صدر المصريين أكثر لمضمونها المستتر، حيث تعني انفصام عرى أي رابطة عرقية قد يلمح إليها مستقبلا، ولا أعرف لماذا يُعيّر المصريون من (أشقائهم) بفقرهم، ويبرز هذا التعيير بصورة حادة في الازمات، وأذكر أننا كنا في طبرق الليبية إبان حرب تشرين الاول/أكتوبر، عندما نشب الخلاف بين السادات والقذافي، كان الصغار يهتفون خلف الحافلة التي تحمل أرقاما مصرية بما معناه أننا باعة الفول وزارعوه وآكلوه، وأنا أحب الفول ككثير من المصريين وكنت أشعر بالغضب حيث لا أجد مبررا لتعيير شعب بأكلته المفضلة، واستغرب وأنا في طريق العودة للقاعدة التي كنا نعسكر فيها، حيث قرى من الصفيح الصدئ لأناس صدورهم مهترئة من التدرن في أكبر جمهوريات (الزيت)، ولا أحد يدري أين ذهبت مليارات المليارات مدخول الزيت والغاز في كل بلاد العرب من نصف قرن، لكن ربما يمكن الاستدلال على طرق انفاقها من أمثلة عديدة، كشراء جبال الجليد من ايسلندا أو استيراد التربة من هولندا لزراعة القمح في الربع الخراب أو اختراع العجلة أو تمويل الجيش الجمهوري الايرلندي أو تعويضات لوكربي، بالإضافة بالطبع للبند السري المقدس الذي لا يجرؤ أحد على الاعتراض عليه أو طلب استبيان تفاصيله، وهو ما أنفق (في سبيل الله) وخصوصا في مصر والسودان والصومال، وقد بدأت الأخيرة في جني ثمار هذا التمويل السخي، والثانية على وشك والأولى في الطريق وغيرها كثير، هذا هو حال الامم التي تنفجر فيها الثروات بلا عمل كالورثة السفهاء، وما عدا إمارة أو اثنتين استشرفت المستقبل بعد نضوب الخزين، يعيش الباقون ثقافة استهلاك ساذجة يستغلها المنتجون الاذكياء في الغرب لامتصاص الفوائض أولا بأول، تارة في سلاح تأكله رمال الصحراء وأخرى في أوهام نقل التكنولوجيا وثالثة في شوارع لندن وباريس، حيث بطاقات (الفيزا) تفتح نهر التحويلات على مدار الساعة، ونسي الجميع أن لديهم جارا لصيقا شاء القدر أن يحرمة من هذه المنحة القدرية، جمهورية أخرى لكن ليست جمهورية فول كمصر لكنها جمهورية القات نسوا أن يأخذوا بيدها (ومن المؤكد أنهم أبناء عدنان وقحطان ايضا) ونبذوها كمريض البرص، وسيدفعون الثمن غاليا فقد تحول اليمن (السعيد) إلى بؤرة حقد وفقر وبؤس وتطرف ومأوى لكل الراغبين في الانتقام وتدمير المعبد على رؤوس الجميع ولو تم تأهيل وتنمية اليمن بنصف في المئة من دخل مجلس التعاون لكان الان عضوا على قدم المساواة بدلا من تركه نهبا للصراع بين القاعدة والحوثيين والامريكيين، وسوف يدفع الجميع الثمن، ولم يكن من باب السذاجة أن يتضافر الاوروبيون لمعاونة رومانيا وبلغاريا وبولندا وتأهليها للالتحاق بأقرانها، أما الارتكان على بناء أسوار وجدران للعزل بين جمهوريات الفقر أو (الفول) وبين ممالك الثروة أو (الزيت) فهو وهم كبير ولده وهم أكبر.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية