ستبقى رواية، سيد الذباب الذائعة الصيت مرتبطة في الأذهان بغريزة الشر ونزعة التوحش في النفس البشرية، بالرغم من أن جميع شخصياتها هم من الأطفال الصغار.. فالمعتاد أن أطفالنا هم معدن البراءة وسر البهجة في الحياة، لكن، وليام غولدينغ لم يكن كاتبا يهتم بالمعتاد، فقد تصدى لاستكشاف جوهر هذه البراءة وحدودها وأبعادها، عبر أروع انفجار كوبرنيكي تمثل في تحطم طائرة كانت في رحلة عبر المحيط الباسفيكي، وموت جميع ركابها من البالغين ونجاة مجموعة من الأطفال الذين وجدوا أنفسهم وحيدين في جزيرة نائية معزولة، ومضطرين لتدبير أمورهم وشؤون حياتهم، لكن سرعان ما بدأت أعراض الشر والقسوة تظهر على مجتمعهم الناشئ الصغير.ما كان غولدينغ ليرى تجسيدا لجزيرته لو أن العمر امتد به، أقرب إلى خياله من التجسيد الذي يشكله اليوم ما يعرف بالعالم الافتراضي على الانترنت، حيث وجد صغار البشرـ هنا أيضا ـ أنفسهم وحيدين في هذا العالم الموازي، وأسيادا له، يملكون فيه أدوات التأثير البالغ، ويرسمون خيوطه على هواهم، وتبعا لأمزجتهم ونزواتهم، ينسفون ما لا يتفق مع أفكارهم الطرية البسيطة، ويرفضون ما لا تستسيغه عقولهم الصغيرة من الحوادث والحقائق، لديهم لكل شيء مقاييس خاصة واعتبارات شاذة، يُكذبون أي شيء ويُصدقون أي شيء، ينظرون إلى الوقائع وأحداث الحياة كما ينظرون إلى بالونات مزركشة جذابة فيتعاقبون عليها بالنفخ والشد حتى إذا انفجرت رموها وتجاوزوا إلى غيرها في عبثية تامة.لو أتيح لغولدينغ أن يدخل شبكات التواصل اليوم على الانترنت، لما افتقد أيا من الأشياء التي كانت موجودة في الجزيرة، سيرى البوق الذي أشعل حمى التنافس، وسيرى نظارة، بيجي التي توقد بها النار، تتقاذفها الأيدي، وسيسمع صوت، سيمون العقلاني الخافت يضيع وسط الهرج ويتلاشى.. سيرى صغار البشر يطلون وجوهم بالألوان الفاقعة، ويعتنقون الشر والوحشية جزعا وخوفا من وحش هم الذين تصوروه واختلقوه.. سيرى النار الموقدة التي لا تخبو بحثا وانتظارا لمنقذ أو مخلص لا يريد أن يظهر، ثم سيرى الغابة في نهاية المطاف ـ حتماـ وهي تحترق..إن جمهورية الذباب التي يديرها اليوم صغار البشر تمتلك قدرة تدميرية واسعة، فهي قادرة على تغيير أي شيء وإزالة أي شيئا تقريبا، لكنها مع ذلك لا تستطيع تقديم أي بدائل لأنها لا تملك القدرة على التحرك على بساط الواقع الملموس وأرضيته، فهي تفقد قوتها وتختنق خارج عالمها، يقتلها نور الواقع المتوهج وحرارته اللافحة، إنها كالسمكة لا تتنفس إلا في عالمها.لقد رأينا كيف كان دور شبكات التواصل الشبابية حاسما في التغييرات الهائلة التي شهدها العالم مؤخرا وخاصة في المنطقة العربية، ولكن لا أحد من المنتمين لهذه الشبكات تمكن من الخروج إلى نور الحياة الحقيقي ليملأ الفراغات القائمة، أو يعيد ترتيب الأمور بعدما جرى من فوضى، ظلوا قابعين مثل الآلهة المزيفة وراء أسماء عظيمة تهز طبلة الأذن، ولكن لا تراها حدقة العين.. تدعو إلى الهدم وتنسى البناء، وتطلب الإزاحة وتغفل عن الإحلال، وتوحي بالنسف ولا تهتم بالإعمار. أليس عجيبا أن زوابع إعلامية عديدة هزت أركان مؤسسات وأطاحت برؤوس ثم اتضح أن وراءها مراهقون لم يحصلوا بعد على الثانوية العامة، قاموا بغارتهم ثم نسوا الأمر، وتحولوا إلى شأن آخر، وقصف آخر، تاركين عد الخسائر وتقويم الدمار لغيرهم. لا تعكس الرؤى الطوباوية السائدة في جمهورية الذباب طهرانية صادقة أو تمترسا فعليا وراء مبادئ حقيقية بقدر ما تعكس مستوى العجز والهروب من مواجهة الاختلالات القائمة والإشكالات المطروحة بالحلول الناجعة الحاسمة، ففي خضم هذا الصخب والطنين الذي لا يهدأ، لم تبرز للعلن أي رؤية أو تصور جديد للخروج من المعضلات المزمنة المعروفة، وما يجري بالدوام هو لوك واجترار مستمر لآراء وتصورات سابقة استنفدت الأحداث والمتغيرات فعاليتها ومضاءها.وهنا تكمن أسوأ مفـــارقة، أن تكون الأدوات والوسائل بهذه الجدة والمضاء، بينما المضامين والمحتويات على هذا النحو من من الترهل والشحوب.إسماعيل محمد خيرات