جمود اتحاد المغرب العربي يقلق اوروبا
عابد شارفجمود اتحاد المغرب العربي يقلق اوروباتحول فشل المحاولات لبناء المغرب العرب الي مشكلة أوروبية، مما دفع بلدان الضفة الشمالية للبحر المتوسط، وخاصة منها اسبانيا، الي اطلاق سلسلة من المبادرات لتحريك الوضع، بعد أن اقتنعت أن البلدان المغاربية تكتفي بالخطاب والشعارات دون القيام بأية مبادرة يمكن أن تتجاوز الجمود الحالي. ويوحي هذا الوضع الغريب أن اوروبا تفكر في بناء المغرب العربي أكثر من البلدان المغاربية، وذلك أن اوروبا تتوفر علي الهياكل والأدوات اللازمة للتفكير في المستقبل، عكس بلدان الضفة الجنوبية التي تكتفي بالتسيير اليومي لمشاكلها دون التخطيط للمستقبل البعيد.فبلدان المغرب العربي تتكلم عن بناء فضاء مشترك منذ زمن طويل، وقد حاولت التنسيق لعملها منذ عهد الاستعمار لما كانت النخب تلتقي في مراكز نضال مشتركة مثل باريس والقاهرة والزيتونة في تونس. وتم لقاء مشترك في طنجة بالمغرب أثناء حرب التحرير الجزائرية سنة 1958، وكان آنذاك حيث التحرير الجزائري موجود بقوة في تونس والمغرب قرب الحدود، كما تمكن من اقامة أكبر قاعدة لجهاز المخابرات بليبيا.لكن مباشرة بعد الاستقلال، اندلعت حرب الرمال بين الجزائر والمغرب سنة 1963، ورهنت لمدة طويلة فكرة بناء المغرب العربي. ولما بدأ الطرفان يتجاوزان هذه العقدة، نشبت أزمة الصحراء الغربية، حيث قررت الجزائر أن تساند جبهة البوليزاريو التي تطالب باستقلال الصحراء، بينما اعتبرها المغرب جزءا من ترابه.وتمكنت بلدان المغرب العربي أن تتجنب حربا جديدة، ثم انطلق العمل من جديد بعد اللقاء الذي جمع في زرالدة بالجزائر سنة 1988 كلا من ملك المغرب الحسن الثاني والزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس التونسي زين العابدين بن علي والجزائري الشاذلي بن جديد. وعلي اثر هذا اللقاء، تم انشاء اتحاد المغرب العربي، وفتحت الحدود.لكن سرعان ما عادت الأزمة وغلق الحدود الجزائرية المغربية سنة 1994، وبقي الوضع علي حاله لحد الساعة، مما دفع الوزير الأول الجزائري الأسبق مولود حمروش الي وصفه أنه اهانة . وعاد كل طرف الي تقاليده، فبينما يكتفي المغرب بمحاولة فرض الأمر الواقع في الصحراء الغربية، تكتفي الجزائر بالمحافظة علي نظامها الحالي، بينما اختارت تونس أن تغازل الغرب. أما الزعيم الليبي معمر القذافي، فانه يهتم بافريقيا حيث شرع في مبادرة جديدة لخلق فضاء موحد لقبائل الطوارق، أهالي الصحراء، بعد فشله في محاولة للوحدة مع تونس والجزائر ومصر وغيرها.واذا كان هذا الوضع لا يقلق ظاهريا بلدان المغرب العربي، فانه يقلق اوروبا لأسباب موضوعية. وقد عبر عن هذا التذمر وزير الخارجية الاسباني ميغيل أنخيل موراتينوس الأسبوع الماضي خلال ندوة في مدريد حيث قال صراحة ان بلدان المغرب العربي لا تأخذ التعامل مع اوروبا بجدية. وأكثر من عشر سنوات عن لقاء برشلونة الذي يعتبر الخطوة الأولي في التعاون بين ضفتي المتوسط، لاحظ الوزير الاسباني أن المبادرات الأوروبية لا تلقي صدي يذكر.وقد نظمت اسبانيا سلسلة من اللقاءات والمبادرات لدفع البلدان المغاربية الي الأمام، ودعت لذلك خبراء ومحللين وسياسيين من مختلف البلدان، وأجمع هؤلاء علي أن كل الأطراف ستستفيد من بناء المغرب العربي. وقال الوزير التونسي السابق مصطفي نابلي الذي يشتغل حاليا في البنك العالمي أن بلدان المغرب العربي تحرم نفسها من سلسلة من النشاطات الاقتصادية التي لا يمكن أن تكون مربحة علي مستوي بلد واحد لكنها تجد سوقا كافيا علي مستوي المغرب العربي.وقال الجزائري نور الدين أوعبدالسلام، وهو خبير في الطيران، أن غلق الحدود بين الجزائر والمغرب يكفي وحده كرمز لأغلاق الآفاق لشعوب المغرب العربي في عصر اختفت فيه الحدود. ولاحظ أن عدم التعاون في ميدان الطيران لوحده يحرم بلدان المغرب العربي من تطوير قطاعات عديدة مثل السياحة والصناعة التي يمكن تطويرها بفضل القرب من السوق الأوروبي.وقال يسعد ربراب، وهو من كبار رجال الاعمال في الجزائر (رقم أعمال شركاته مليار دولار سنويا) انه يعمل علي مشروع في ميدان الزجاج سيكون حجم انتاجه أوسع بكثير من طلب السوق الجزائرية، ولا بد له من دخول الأسواق المغاربية الأخري التي تبقي مغلقة. ولاحظ محافظ بنك الجزائر الأسبق عبد الرحمن حاج ناصر أن المبالغ التي تخرج سنويا من الجزائر والمغرب وتونس تفوق بسبعة مليارات دولار الأموال التي تدخل نفس المنطقة، مما يؤكد أن الأموال متوفرة بكثرة اذا أضفنا له فائض الجزائر وليبيا من العملة الصعبة، لكن هذا كله لا يعود بالرفاهية علي شعوب المنطقة. ولاحظ أن غلق الحدود وغلق الذهنيات يمنع الجميع من التفكير بعقلانية في مصير مشترك ومتضامن.ويشكل ميدان الطاقة رمزا للفشل في التعاون المغاربي. فبينما يكفي تمديد أنبوب من الجزائر أو ليبيا لباقي البلدان من أجل تزويدها بالبترول والغاز، أدي عدم التشاور والتوتر في العلاقات الثنائية بالمغرب مثلا الي شراء المحروقات في السوق الدولية مع ما يترتب عنه من تكاليف اضافية. وقال أحج الخبراء أن المغرب يفكر في بناء مركب لاعادة تحويل الغاز من سائل الي غاز بعد استيراده بواسطة البواخر الكبري، وهي عملية شاقة ومكلفة يمكن تجنبها بواسطة انبوب عبر الحدود الجزائرية.وقبل ذلك، تأسف الكثير علي طريقة البلدان المغاربية في التفاوض مع اوروبا، حيث أبرم كل بلد اتفاقا شراكة مع الاتحاد الأوروبي دون التشاور علي المستوي المغاربي. واذا كان اتفاق الشراكة بين الجزائر والمجموعة الأوروبية الذي تم التوقيع عليه منذ سنة يشكل نموذجا للفشل في التفاوض، حيث يعطي المنتوجات الأوروبية كل الامتيازات ويحصل علي القليل من المكافآت، فان الاتفاقات التي أبرمتها كل من تونس والمغرب ليست خالية من العيوب، لأنها تضع مؤسسات هذه البلدان في مجال ضيق لن يسمح لها أبدا أن تخرج من نشاطها الثانوي.ورفض وزير الخارجية الاسبانية موراتينوس اعتبار أزمة الصحراء الغربية كعائق لا يمكن تخطيه لبناء المغرب العربي. وقال ان بلاده تعرف خلافا مع بريطانيا حول جبل طارق، لكنها لما لاحظت أن الوضع ليس ملائما لحل الخلاف، اختارت أن تضع الخلاف في زجاجة في انتظار الوقت الملائم.وأصبحت اسبانيا تضغط من أجل خطوات جديدة في بناء المغرب العربي لأنها البلد الأوروبي الأكثر تضررا من الوضع الحالي. ولعل أكثر عامل يقلقها هو الهجرة غير الشرعية من افريقيا نحو اسبانيا مرورا بجنوب المغرب أو موريتانيا والسنغال مرورا بجزر الكناري، حيث سجل وصول أكثر من سبعمئة مهاجر في يوم واحد في نهاية ايار (مايو).وبصفة أشمل، فان اوروبا تعتبر أن مغربا عربيا موحدا سيسمح بنمو المنطقة بطريقة غير معهودة، حيث يمكن أن تتجاوز نسبة النمو 10 بالمئة سنويا مثلما هو الحال في الصين حاليا، بينما يبقي مستوي النمو حاليا بين 5 و6 بالمئة ان كانت الأرقام صادقة. وبمثل هذا النمو، يمكن أن تنشأ منطقة مزدهرة ستجذب نحوها الهجرة الافريقية التقليدية نحو اوروبا، وتسمح لاوروبا أن تتخلص من الهجرة غير الشرعية، أو أن تختار الهجرة التي تحتاج مثلما يقول وزير الداخلية الفرنسي فرانسوا صاركوزي الذي فرض في فرنسا قانونا في الميدان.ويشكل مغرب عربي مزدهر سوقا كبري للمؤسسات الأوروبية، خاصة منها الفرنسية والاسبانية والايطالية التي تربطها علاقات تقليدية قوية بشمال افريقيا. وبدأت الشركات الأوروبية تخشي المنافسة الأمريكية، لكن المنافس الحقيقي هو المنافس الصيني والآسيوي بصفة عامة. وقد بدأت الشركات الصينية تحصل علي صفقات كبري في ميدان الأشغال العمومية في الجزائر مثلا، بينما أصبحت السيارات التي تخرج من مصانع الكوري هيونداي تحتل المرتبة الأولي للمبيعات في الجزائر، متقدمة شركتي رونو وبيجو اللتين احتكرتا السوق المغاربية منذ أكثر من نصف قرن.ومن جهة أخري، فقد احتار السياسيون والخبراء الأوروبيون أمام هذا الجمود في بناء المغرب العربي. وحاول الأمين العالم لاتحاد المغرب العربي حبيب بن يحيي خلال لقاء في مدريد نهاية الشهر الماضي أن يغطي الفشل بالتركيز علي العمل المشترك في كل الميادين، وقال ان اتحاد المغرب العربي نظم خلال سنة الماضية 114 اجتماعا علي مختلف المستويات، فأجابه خبير اسباني بالقول انه اذا أريد لمشكل ألا يجد حلا فيكفي أن ننظم اجتماع وننشئ لجنة.وبدأت تتبلور فكرة جديدة في الأوساط المختصة حول هذا الفشل متعلقة بالأنظمة السياسية. ويعتبر أصحاب هذا الطرح أن الأنظمة الحالية في بلدان المغرب العربي لا تكتفي أن تكون العائق الأكبر لبناء فضاء مشترك ومتكامل، بل أنها أصبحت واعية أن بناء المغرب العربي يشكل تهديدا واضحا لوجودها. وقال سياسي جزائري معارض ان البلدان التي تمكنت من تشكيل مجموعات جهوية في كل العالم هي البلدان الديمقراطية. وأكد أن اسبانيا والبرتغال وبلدان اوروبا الشرقية سابقا لم تدخل الفضاء الأوروبي الا بعد أن تحولت الي ديمقراطيات. وفي نفس الوقت، فان اندماجها في اوروبا ساعدها علي تخطي المرحلة الانتقالية دون مشاكل تذكر.ويقال هذا المعارض أن رفض الديمقراطية يكون بهذا المنظور هو العائق الأساسي أمام بناء مغرب متكامل، بل ويصبح رفض الديمقراطية النقطة الأساسية التي تجمع كل أنظمة المغــرب العربي.9