جنادرية العسكر: تدجين القبيلة والاسلام في السعودية

حجم الخط
0

جنادرية العسكر: تدجين القبيلة والاسلام في السعودية

د. مضاوي الرشيدجنادرية العسكر: تدجين القبيلة والاسلام في السعوديةترعي قيادة الحرس الوطني السعودي سنويا مهرجان الجنادرية ومن المستغرب ان تناط صياغة التراث والحفاظ عليه بمؤسسة عسكرية هدفها الاول والاخير حماية اعضاء الاسرة الحاكمة والمنشآت الحيوية. ولكن ما يبدو غريبا في بلدان اخري يصبح امرا طبيعيا في السعودية. احتضن الحرس الوطني منذ تأسيسه افواجا قبلية التركيب كانت قد شاركت في عملية انشاء الدولة المركزية ولم تنضم هذه الافواج الي الجيش المركزي بل فضلت القيادة ان تظل هذه الوحدات القبلية مستقلة تحت قيادة اميرية لاسباب معروفة ومنها الحفاظ علي التوازن بين اعضاء الاسرة الحاكمة ومنع محاولات انقلابية من داخل الجيش السعودي. وكان اول الافواج مؤلفة من فلول الاخوان ذلك الجيش القبلي الذي انضوي تحت لواء القيادة السعودية منذ فترة العشرينات وكان ساعدها الاول في احتلال مناطق متفرقة من المملكة. وبعد ان خمدت الحروب وسكتت المدافع تطورت هذه الافواج القبلية لتصبح ما يسمي اليوم بالحرس الوطني. وفي الثمانينات طرح موضوع المهرجان المسمي بالجنادرية ليؤصل للتراث الشعبي اولا للافواج المنخرطة بالحرس الوطني من القبائل ذوي الاصول البدوية ومن ثم تطور المهرجان ليصبح اكثر شمولية برصد تراث المناطق الحضرية والواحات مكرسا بذلك مفهوما معمما لما يسمي بالتراث السعودي.ورغم تشعب فعاليات المهرجان الا انه بقي محافظا علي امرين الاول تراث القبيلة من سباق هجن وبيوت شعر ودلال قهوة وفروسية وقصائد نبطية والثاني تراث اسلامي يربط الحاضر السعودي بالماضي البعيد. ومؤخرا تمت عملية جندرة لمهرجان الجنادرية وذلك باضافة العنصر الانثوي في استعراض الماضي ودخل تاريخ المرأة الفلاحة والمشاطة وناقشة الحناء والدلالة وغيرها من الادوار التي لعبتها المرأة الحضرية والبدوية. وبهذا تكتمل صورة التراث كما يتصوره عسكر الحرس الوطني.ما يهمنا من هذا العرض السنوي هو ارتباط استعراض التراث بمحاولة البحث عن شرعية ثقافية من قبل القيادة تؤصل للحاضر وليس للماضي. الكل يعلم ان القيادة السعودية هي قيادة حضرية مرتبطة بمفهوم تطور السلطة في بعض حواضر نجد وليس لها اي علاقة قريبة او بعيدة بتراث البدو، فلماذا اذن تستجدي القيادة السعودية وتبحث عن جذورها في مجموعات لم تكن لها بها اي علاقة ثقافية او سياسية؟ ولماذا تتقمص القيادة السعودية شخصية قبلية هي ابعد ما تكون عنها؟ الجواب علي هذين السؤالين يكمن في كون القيادة تبحث عن شرعية تربطها بالتراث الشعبي والذي هي خارجة عنه وليست من ضمنه. لذلك نري مهرجان الجنادرية يركز علي نبش مخزون القبائل في الجزيرة بحثا عن موروث تفتقده القيادة نفسها وبعملية بهلوانية استعراضية تتقمص هذه القيادة دور القبيلة وموروثها لتظهر نفسها وكأنها جزء متلاحم مع الموروث الشعبي للقبائل.ولكنها تمارس عملية انتقائية فهي تعلم انها بعيدة جدا عن موروث القبيلة ولذلك تحافظ فقط علي فولكلور القبيلة المادي من خيم ودلال ونياق ولكنها لا تستطيع ان تستعيد الثقافة القبلية ذاتها بمفهومها الشامل. لان ثقافة القبيلة ستتعارض بلا شك مع مفهوم الدولة فالاولي تكرس الولاء لمجموعات قيادية معروفة بينما الدولة تطلب من الجميع ان يكون ولاؤها للقيادة المركزية بعد تجاوز الولاءات القبلية الضيقة. وتستغل القيادة القدرات الشعرية القبلية وبعملية انتقائية تستعرض ملاحم بطولة علي السنة شعراء القبيلة الذين لا يمجدون قبيلتهم وماضيهم بل يمجدون القيادة الحالية نفسها. ويجند فولكلور القبيلة كما يجند شبابها في عملية تقديم السمع والطاعة للدولة المركزية. والهدف من المهرجان يصبح تدجين القبيلة ذاتها في خدمة المشروع المركزي عن طريق الاحتفاء بتراثها المادي وليس المعنوي. وتأتي القبيلة ليست ككتلة متراصة متجانسة بل ككتلة خانعة منصهرة في منظومة الولاء والطاعة. والكل يعلم انه ليس للقبيلة تمثيل سياسي كما هو الحال في بعض الدول العربية عن طريق مجلس شيوخ او اعيان في بلد كالسعودية وكل ما للقبيلة هو مهرجان، لن تشعر القبيلة الحاضرة بالمهرجان انها جزء من منظومة الدولة اذا استحضرت خيمتها ودلتها وانما تصبح ضمن المنظومة فقط عندما يكون لها تمثيل واضح وصريح في صنع القرار. وهذا ابعد ما يكون عن ثقافة الدولة الحالية والتي لم تأخذ من القبيلة سوي شبابها وشماغها وعرضتها الراقصة من اجل ايجاد بعد قبلي لقيادة ليست قبلية.التغني بالتراث القبلي الفلكلوري وسيلة مهرجانية لا اكثر ولا اقل وليس لها موقع الا في المتاحف والمؤسسات المعنية بالتراث بشكل عام.اما البعد الثاني لمهرجان الجنادرية فهو الاسلام والاحتفاء به وهنا يستحضر الاسلام وتتقمص القيادة الشخصية الاسلامية من اجل نفس الهدف المختبئ وراء استحضار القبيلة وهو اضفاء الشرعية الدينية علي القيادة وتأصيل جذورها الاسلامية. فيكثر التغني بالتراث الاسلامي والفكر الديني لانتزاع استمرارية تاريخية واستبعاد القطيعة مع الدين وتظهر القيادة نفسها علي انها الحامية لهذا التراث تصونه وتناقشه وتعيد امجاده. ولكن هناك الفرق الكبير بين استحضار الاسلام وتراثه في مهرجان او مؤتمر وبين الممارسة الواقعية علي الارض. فما اكثر المؤتمرات في الغرب وجامعاته التي تناقش الاسلام وتاريخه دون ان يتقمص المناقشون والحاضرون لهذه المؤتمرات الشخصية الاسلامية ولكن في السعودية هناك محاولات متكررة للربط بين تاريخ الاسلام وتراثه وبين القيادة الحالية من اجل ردم الهوة بين هذا الماضي والواقع المعاصر. الاعتماد علي هذا الربط لا يعتمد فقط علي مهرجان كمهرجان الجنادرية بل نراه يتبلور في الخطاب السياسي المتلفز واخبار المعونات للدول الاسلامية والبرامج الدعائية وحلقات حفظ القرآن وتمويل المساجد الي ما هنالك من منابر تذكر الجميع بالدور القيادي والجهود الجبارة في حفظ التاريخ الاسلامي من اجل تثبيت الحاضر المشكك في مدي استمراريته مع الماضي الغائب.ليس من المستغرب اذا ان يركز مهرجان الجنادرية علي عاملين رئيسيين القبيلة والاسلام. فالاولي تظل موضع الشك والريبة وبؤرة ربما قد تهدد الوحدة الوطنية تحت لواء القيادة السعودية المهيمنة. وكذلك الاسلام نفسه اذ ان ما تخشاه هذه القيادة انقلاب الجماعات الاسلامية عليها وهو ما هدد امنها في الماضي وما سيهدده في المستقبل. واكثر ما تخافه هذه القيادة هو انصهار القبيلة والاسلام في بوتقة واحدة اذ يدخل مستقبل هذه القيادة في مرحلة المجهول عندها.وتعلم القيادة السعودية هذه الحقيقة ليس لانها متمرسة في قراءة ابن خلدون ومقدمته الشهيرة ولكن لانها هي نفسها استغلت لحمة القبيلة والاسلام في السابق لتبني ملكا لم تهدده ايديولوجيات وافكار غريبة بل تهدده هذه اللحمة المتكررة ليس فقط في تاريخها الحديث بل في التاريخ الاسلامي بشكل عام وتاريخ المنطقة بشكل خاص.اذا يعبر مهرجان العسكر عن الخوف المتمركز في اللاوعي السعودي ولكنه آثر ان لا ينخرط في مشروع عميق يطرح دور القبيلة في بلورة وتثبيت الهيمنة السعودية او يبحث في مستقبل الكيانات القبلية او يطرح مسيرة تدجين القبيلة في المملكة واختصارها بفولكلور شعبي يستهلك اعلاميا وكذلك آثر ان لا ينخرط في بحث عميق عن الجذور الدينية للدولة السعودية اذ انه ان فعل ذلك سيصل الي نتيجة ربما لا تتفق مع طرح النظام لنفسه وكأنه مشروع ديني منذ بدايته بينما هو مشروع سياسي بحت وجد في الدين وتراثه ما يغطي ويطمس هذه الحقيقة.ستظل القبيلة والاسلام الشغل الشاغل لمهرجان الجنادرية وسيستدعي تراثهما في السنوات القادمة لان المعضلة الرئيسية للنظام السعودي ما زالت قائمة. هذه المعضلة نتجت عن عدم وجود اطار عام مؤسساتي تحتضن فيه ليس القبيلة فقط بل المجموعات القاطنة علي ارض الجزيرة وبانعدام تمثيل حقيقي لهذه المجموعات سيظل العسكر يذكرنا بفولكلور القبيلة ومدي تأصله في نفوسنا. ومن ناحية اخري سيظل المهرجان مستجديا للتراث الاسلامي من اجل تبرير الحاضر وكلما ابتعدت القيادة عن هذين العاملين اي الاسلام والقبيلة ستكثر المهرجانات الاعلامية المذكرة بهما. اذ ان الشعوب لا تتذكر ما تتمتع به بل هي بحاجة ماسة لاستحضار عناصر من ماضيها في غياب هذه العناصر عن الحاضر. وان كانت القيادة صادقة مع ذاتها عندما تستعرض تراث القبيلة فيجب عليها ان تطرح تمثيل القبائل في السلطة وصناعة القرار ولكنها طبعا لا تريد ذلك بل هي تحاول ان تتفادي مثل هذه المطالب وتسلط اقلام كتابها ليشنوا حربا قاسية علي القبلية وخاصة مستشرقي السلطة الذين لا يفوتون فرصة دون ان يحاولوا افهام قراءهم ان القبيلة رمز للتخلف والجاهلية والتحجر. فمن جهة نحتفل بماشية القبيلة ومن جهة اخري ندين القبيلة واستقلاليتها. هذه الازدواجية تساندها مقولات دينية تدين العصبية القبلية وتعتبرها جاهلية اولي.هذا التناقض الواضح والصريح هو نتاج عملية تراكمية لن يحل معضلتها مهرجان سنوي. لا يريد النظام السعودي من القبيلة سوي رضوخها وأي احتفال بها يأتي من باب التدجين وكذلك بالنسبة للاسلام فهو يريده في خدمة المشروع المركزي المتسلط وليس كتراث يحرر الفرد من العبودية ويحفزه علي رفض الظلم. وقد يسخره في حروبه القادمة ليس فقط مع الداخل السعودي بل ايضا مع القوي الخارجية وسيبقي يتغني به ويروج لنفسه كحاميه.ولكن الحقيقة واضحة للجميع ان هذا النظام سيبقي كظاهرة اعلامية وكل مهرجان والقبيلة والاسلام بخير.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية