«جنازة المومياء» لحسام الرشيد: قصصٌ شخصيّاتُها مِنَ الشُيوخِ وَالعَجَزَة

■ بعد أعماله القصصية «رأس كليب» و«وليمة الجاحظ « و«ذبابة على أنف هولاكو»، وأعماله الروائية «الملائكة لا تمشي على الأرض» و«طريد الرحم» و«التميمة السوداء»، وديوانه «القمر في الدوْرق»، ومقالاته الساخرة «الصعاليك الجدد»، تصدر للأديب حسام الرشيد مجموعة قصص جديدة بعنوان «جنازة المومياء» ـ وزارة الثقافة، عمان، 2019.
واللافت في هذه القصص خلُوُّها مما ينشر عادة على أنه قصص قصيرة جدا. وهي من التقاليع التي طلع علينا بها كتاب لا يستطيعون كتابة القصة، فتحايلوا علينا بهذه التسمية ليملأوا الساحات بومضات قصصية واسكتشات تذكرنا بطرائف الأعراب، وأكاذيبهم، وبنكات العامة. وهي على أي حال كتابات نترك للتاريخ الأدبي القول الفصل في شأنها، ولنظرية الأدب أن تجيبنا عما إذا كانت قصصا، أو شبيهة بالقصص، أو أنها لغوٌ، لا أكثر ولا أقل. فمن يقرأ «موتى بلا قبور»، وهي أولى القصص، يحسده – بلا ريب- على هذه الروح المتأنية التي تسرد في صفحات قليلة، حكاية متماسكة عن قرار المجلس البلدي القاضي بتجريف جزء كبير من مقبرة البلدة، لإقامة مشروع إنشائي فيه، وما يثيرة هذا القرار- بالطبع – من ردود فعل سلبية لدى عامة الناس في البلدة أولا، ولدى المختار بصفته الممثل الوحيد للسلطة المدنية ثانيا، وإمام الجامع بصفته الممثل الوحيد للسلطة الدينية ثالثا. وقد باءت بالفشل الذريع محاولات كلٍّ من العامة، والمختار، وإمام المسجد في إقناع المجلس البلدي بالعدول عن قراره، الذي يمثلُ، في رأي الجميع، انتهاكًا لحرمة القبور من جهة، وازدراء بأرواح الموتى، الذين هم السابقون و «نحن اللاحقون» من جهة أخرى. وعلى الرغم من الطابع السلس، والانسيابي، للحدث، إلا أن القارئ الحصيف يتوقَّع انقلابًا في المتن الحكائي يقود لنتائج عكسية. فما إن وصلت الآليات التي أنيطت بها عملية التنفيذ، وما إن غرزت الحفارة العملاقة مخالبها في بقعة صخرية من المقبرة، حتى تغير الموقف رأسًا على عقب. فقد أخرجت الحفارة من باطن الأرض، ومن بين الصخور الصلدة، ما يشي بوجود دفائن ثمينة، أو كنوز، في المقبرة. فتغير الموقف تغيرًا جذريًا، فالمختار والإمام، وحتى عامة الأهالي ـ ممن كادوا يبكون حزنًا وأسفًا على قبور موتاهم – هُرعوا إلى فؤوسهم، واستعدوا ليحفروا بأنفسهم بين القبور، لعلهم يعثرون على ما بدا وكأنه بريقٌ خلب.
في القصّة المذكورة يروي لنا الكاتبُ حكاية الموتى بلا قبور، وهو عنوان لعمل مسرحي لا علاقة له بهذه القصة من بعيد أو قريب. إنما ثمة شيءٌ مشترك ، فمسرحية سارتر «موتى بلا قبور»، يتحدث فيها عن المقاومة في فرنسا إبان الاحتلال النازي، فالمعتقلون في السجون هم الموتى، والزنازينُ ليست قبورًا. ولكنّ العنوان ينطوي على تشبيه السجون بالمقابر. أما في قصة حسام الرشيد، فقد جاء العنوان من عبارة الراوي الأخيرة «تدحرجت عظام الموتى على الأرض. وغدت قبورُهم أثرًا بعد عيْن». فالشيء المشترك إذن في العملين هو رفض الكاتبين للاستخفاف، والاستهتار، بالإنسان حيًا وميتًا. فالشّرَهُ الذي دبَّ في القوم، وتكالبُهم على الوصول لما ظنوه كنزًا، جعلهم يستخفون بالموتى، وينتهكون حرمة القبور، ويُزْرون بذكرى الآباءِ، والأجْداد. وذلك ما كانوا قد احتجّوا عليه ورفضوه. والآن، وقد لاح لهم بريق المال من بعيد، ولمعان الفضة والذهب، تراجع حرصهم على موتاهم، ولم يعد مرأى الجماجم المبعثرة، والرفاة المتناثرة، على الأرض، يؤلم هؤلاء الذين حوَّل بريق الذهب الكاذب والطمعُ، قلوبهم الرقيقة إلى قلوب جامدة كالحجارة، أو أشد قسوة.

تبدأ قصة «جنازة المومياء» بعبارة «المرأة العجوز التي سكنت تلك الغرفة»، وتبدأ قصة «الديناصور يتلو آخر اعترافاته» بقول الراوي في المطلع: «تململ العجوز في جلسته أمام زوجته وأبنائه».

وفي عنوان إحدى قصص «جنازة المومياء» تناقضٌ لافتٌ للنظر، وهو «الصبار الحلو» فالمعروف أن الصبار مرٌّ لا حلوا. لكن القصة تدور حول امرأة شريرة سليطة اللسان. لا يسلم أحدٌ في الحي من شرها، ومن شرّ لسانها البذيء. وقد استطاعت في خاتمة المطاف الانتقام من شيخ الحارة الذي بلغها تهديده، ووعيده، بأن يخلِّص الحارة من شرها، ومن شر لسانها السليط. فبعد أن نجحت بتعازيمها السحرية، وشعوذتها الشيطانية، في القضاء على ثلاثةٍ ممن حاولوا النَيْل منها، قررت الاحتيال على شيخ الحارة. فتقربت من إحدى زوجاته السبع – على ذمة الراوي- وأقنعتها بأن لديها عقارًا فيه شِفاءُ من يشكو الضعف الجنسي بسبب الشيخوخة، وهذا العقار يعيد الشيخ إلى صباه. ولا تحتاج إلا لموافقة الزوجة على تنفيذ الخطة، والأخذ بالوصفة. ولم تكن الوصفة تتعدى منقوعًا من الصبّار بالخلّ، وأنْ يضاف لطعام الشيخ ليعود بُعيْد أيام معدودات بقوة شابٍّ في العشرين، لكن زوْجة شيخ الحارة تتردَّد، فالرجل لن يتحمل طعم أو مذاق الصبار المر، فترد عليها ذات اللسان السليط قائلة:
ـ لا عليكِ، فهذا الصبارُ حلوٌ.
وما هي إلا أيامٌ معدودة حتى أصبح شيخ الحارة أضحوكةً في فم الكبار، والصغار. وشرع يطلِّق زوجاته واحدة تلو الأخرى. ولم يعد قادرًا على الكلام بسبب الآلام الموجعة التي سبَّبَها له الصبار المرّ. ولا ريب في أنَّ مثل هذه القصة قصةٌ عاديةٌ تشبه إلى حدٍّ كبير تلك الحكايات الشعبية التي تتداولها العامة، وهي أقرب ما تكون إلى طرائف الشيوخ، ونوادر الأئمة، وما يُنْسب إليهم، وإلى أزواجهم، في العادة من مقالب. ومما يسترعي النظرَ حرصُ الكاتب في هذه القصص على اختيار شخصياتهِ من الشيوخِ، والعَجَزة. فالحاج مَرْضي في «الكمين»، هو أحد عجائز هذه القصة. والمرأة الشريرة في قصة الصبار الحلو هي الأخرى من عجائز القصص إلى جانب شيخ الحارة، الذي تريد زوجته إعادته إلى صباه. وفي «الوليمة الحمراء» نقرأ هذا المطلع «قرر العجوز أن يفعلها»، علاوة على أنَّ معظم رجال هذه القصة من الشيوخ، والعَجَزة، الذين يسعون لقتل الذئب الذي يغيرُ، من حين لآخر، على حظائر المواشي. وبدلا من أن يحققوا هدفهم قتلوا كبشا من الأكباش بدلا من الذئب بسبب النعاس الذي داهمهم وهم ينتظرون قدومه. ومما يدل على هذه النتيجة قول الراوي في نهاية القصّة «تاركين غنيمتهم تثغو الثغاء الأخير». وبطلُ «امرأة الشرفة» هو الآخر شيخ ستيني يعاني من نكوصٍ نفسيٍ، أعاده إلى مرحلة المراهقة بعد هذا العمْر العتيّ. ويقنع نفسه بأنَّ تلك المرأة، التي وقع بصره عليها وهي ترنو إليه من الشرفة، تبادله حبًّا بحب، وإعجابًا بإعجاب. وقناعته هذه تثير سخرية أصدقاء المقهى الذين يظنونه قد جُنّ، أو على الأقل، واقعٌ تحت تأثير ساحرٍ أو ساحرة. ولم يطل الوقت به حتى اكتشف أنَّ تلك السيدة لا تبادله لا الإعجاب، ولا الحب. لسبب بسيطٍ، وهو كونها كفيفة «رأى الخادمة تدخل الشرفة، وبرفق تمسك بيد سيدتها العمياء لتقودها بخطىً متمهِّلة إلى داخل البيت». وهذا المشهد ـ بطبيعة الحال- يضع حدًا لتوقعات الشيخ الستيني الذي استدار من فوره عائدًا إلى بيته، وقد ألقى على الشرفة نظرة مفعمة بالحزن والأسى. وتبدأ قصة «جنازة المومياء» بعبارة «المرأة العجوز التي سكنت تلك الغرفة»، وتبدأ قصة «الديناصور يتلو آخر اعترافاته» بقول الراوي في المطلع: «تململ العجوز في جلسته أمام زوجته وأبنائه». وحرْص المؤلف – ها هنا – على اختيار شخصياته، وأبطال قصصه، من هذه الشريحة، شيءٌ يشكر عليه، ويُحمَدُ له التفاته نحو كبار السن، وانتقاء شخصياته من هذه الفئة، ولو أنّ هذا لا يعدّ ضرْبة لازمٍ كي يقدم للقارئ قصصًا جيدةً حافلةً بالسلاسة السردية، والتشويق. وهو، على أيِّ حال، يسلط الضوء على متاعب هذه الفئة، ومُعاناتها. فبعض نماذجه يعيش قلقًا لأسباب تتعلق بمن يحيطون به؛ الزوجة، أو الأبناء، أو تهديد الخصوم، أو حتى مراودة الشيطان، أو مقارعة الأنداد ممن يختلفون معه في الرأي. وليس ثمة ما يعيب الكاتب، أو يؤخذ عليه، إن هو تعمد أن يختار شخصياته من فئة واحدة محددة، ما دامتْ وُجهاتُ النظر التي يُبديها حيالهَم- من حين لآخر- لا تسيء إلى هذا النَفَر، بل تردّ الإساءَةَ عنْهم بالإحسان.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية