بيروت – «القدس العربي»: شكّل قداس «التوبة والمغفرة» الذي أقيم في كنيسة سيدة التلة في دير القمر مناسبة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط للعودة بالذاكرة 42 عاماً إلى الوراء إلى لحظة اغتيال والده المعلّم كمال جنبلاط على طريق دير دوريت في الشوف على يد القوات السورية ورواية المحاولات الصعبة في ذك اليوم المشؤوم لوقف عمليات الثأر من المسيحيين في قرى الشوف.
وقد وقف جنبلاط منتصب القامة وقال «عندما وصلت إلى المختارة في ذاك النهار المشؤوم، منذ 42 عاماً قادماً من بيروت برفقة النقيب رجا حرب، بعد أن تبلغت خبر الاغتيال، كان كمال جنبلاط لا يزال في السيارة في وسط الباحة، باحة الدار، مضرّجاً بدمائه، ومن حوله جمهور صاخب، وغاضب، هائج لا يوصف، وكان الشيخ محمد أبو شقرا، شيخ عقل الدروز، يحاول جاهداً تهدئة الأمور. ولست أدري كيف استجمعت قواي، وصرخت بهم «خذوه إلى المستوصف»، مستوصف الشؤون الاجتماعية داخل البيت آنذاك، لتضميد جراحه ووضعه لاحقاً على فراش الموت مع رفيقيه تمهيداً للصلاة، وثم الدفن. واستجابوا، وعندما شرعت بصعود الدرج مع الشيخ محمد أبو شقرا، أتى من قال: «إنهم يقتلون المسيحيين في المزرعة». فطلبت من الشيخ محمد أبو شقرا أن نذهب إلى المزرعة ومعنا رجا حرب، حيث قصدنا بيت المختار أبو رامز يوسف البعيني وهناك علمنا، أن المختار، وجمعاً كبيراً من الخيّرين والعقلاء استطاعوا حماية من تبقّى من إخوانهم المسيحيين في بيوتهم. إطمأننا نسبياً ووضعنا آلية أو تصوراً للاخلاء. وفي وسط هذا الجو من القلق، والفوضى، وفي طريق العودة إلى المختارة وصل خبر المعاصر. فذهبنا للتو ومعنا موكب جرّار من الصعب أن يعلم المرء من فيه ومن أين أتوا. وفي ساحة البلدة، استوضحنا الأمر، فعلمنا بأن مجموعةً من أهالي المعاصر التي كانت متواجدة في الكنيسة، حماها عقلاء وخيّرون، لكن الباقي، اصابهم ما اصاب اخوانهم في المزرعة الذين كانوا في واجب تعزيةٍ قتلوا لاحقاً على طريق العودة وفي أماكن أخرى. وحلّ الظلام، ظلام الطبيعة إلى جانب ظلام الحدث، وظلام النهار. وكدنا أن نعرّج إلى الباروك، لكن لم أكن ولا الشيخ محمد أبو شقرا لنعلم ماذا سنفعل. بالمناسبة، كانت على مداخل الشوف وفي معظم الشوف، وفي الباروك والمزرعة، كانت الوحدات الخاصة السورية». واضاف جنبلاط «أعتذر إن كنت أغفلت بعض الوقائع. فخيانة الذاكرة بعد 42 عاماً تطغى أحياناً، وتلخيص الحدث أفضل من الاسترسال بالتفاصيل التي قد تفتح الجراح ونحن في صدد ختمها إلى الأبد. وعدنا إلى المختارة وخلال صياغة النعي، فرضت ساعةَ الصلاة في النهار التالي الساعة الواحدة بعد أن وصل خبر بطمة حيث تكررت المأساة واستمر مسلسل الدم وأنقذ ما أمكنَ أنقاذه».
ظروف سياسية
وتابع «في النهار التالي، بكت الطبيعة ولا تزال تبكي الشهداء الأبرار، جميع الشهداء، وودّعنا كمال جنبلاط، وكاد الجبل أن يودّع وحدته التاريخية وأدركنا جميعاً مشروع الفتنة الذي كان يُحضّر للبنان. ومنذ ذلك النهار، سرنا وسار لبنان على طريق الجلجلة، من حرب إلى حرب، من جولة إلى جولة، من هدنة إلى هدنة، من مجزرة إلى مجزرة، من مبادرة إلى مبادرة، ومن اغتيال إلى اغتيال، طبعاً غير متناسين أحداث الـ 75 والـ 76. وفي سنة 1990، وفي يوم داني شمعون زحف الجبل لوداعه في دير القمر قبل أي مصالحة رسمية. وبين عام ألفين وألفين وواحد بدأنا العمل على المصالحة مع رفاق أعزاء، وفي طليعتهم الراحل سمير فرنجية، فاستجاب البطريرك صفير، والتقط كعادته اللحظة التاريخية فكان لقاء المختارة في الرابع من آب 2001».
وتابع جنبلاط: «إذا كانت الظروف السياسية آنذاك منعت العماد عون من الحضور نتيجةَ أنه كان في المنفى، وحالت دون حضور سمير جعجع بسبب وجوده في السجن، لكن وجود غبطة البطريرك وغطاءه جسّد إرادة العودة والمصالحة. لقد كان لبنان بغالبيته في ذاك النهار المجيد، وفتحنا الطريق سوياً مع البطريرك صفير لمزيد من المحطات المشرقة والرائدة على طريق التلاقي، والتواصل، والوحدة الوطنية وصولاً إلى رفض الوصاية وتحرير لبنان».
وختم «في السادس من آب 2016 كانت الذكرى الـ 15 للمصالحة برعاية البطريرك الراعي وحضور الرئيسين ميشال سليمان وأمين الجميل في مناسبة تدشين كنيسة الدرّ في المختارة بعد ترميمِها.واليوم، وبرعاية كريمة ومشكورة من الرئيس ميشال عون ومباركة الكاردينال الراعي نسير قدماً تأكيداً أن المصالحة أقوى وأهم، وفوق كل اعتبار من أجل لبنان واحد موحد، ومستقبل أفضل».
وقال رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل الذي مثّل رئيس الجمهورية في القداس «هذا اليوم سيُسجَّل في تاريخ لبنان وسلكنا قبل وصولنا إلى دير القمر درب الشهداء ووحدة الجبل هي التي تحفظ وحدة لبنان». واعتبر «ان الشهيد كمال جنبلاط هو شهيد كل اللبنانيين والجريمة وقعت بحق كل الوطن واغتياله استجلب المآسي للوطن، ونلتقي اليوم في بلدة الرئيس كميل شمعون لتقريب القلوب من بعضها تحت عنوان «التوبة والمغفرة» ومن غير المسموح عدم إعطاء المغفرة عندما تُطلَب»، مضيفاً «نحن ابناء مدرسة يقول قائدها إننا قوم نسامح ولكن لا ننسى، وعدم النسيان لعدم تكرار الخطأ وليس للثأر لان التكرار هو الجريمة الأكبر».
امتعاض
وأكد «أن العودة السياسية تحققت في الانتخابات الاخيرة ووحدة الجبل اساس لوحدة لبنان لكن وحدتنا في الجبل لا تعني الانعزال والانغلاق عن الآخرين في الجبل «، لافتاً إلى « أن لا مصالحة بلا معرفة الحقيقة ولا يجب ان تهتز المصالحة اذا اختلفنا في السياسة حول مواضيع مثل الفساد والكهرباء».
وأضاف: «بدأنا التفاهمات لتعزيز الوحدة الوطنية مع حزب الله وتيار المستقبل والقوات اللبنانية ونأمل ان نقوم بذلك مع الحزب الاشتراكي. ولقاؤنا ليس للمصالحة بين فريقين تحاربا في الحرب فنحن لم نكن مشاركين وهو ليس إعلاناً لتحالف سياسي نأمل ان نتمكن من الوصول إليه».
وختم باسيل قائلاً: «اليوم نطوي صفحة دموية من تاريخ حرب الآخرين على أرضنا ونكرّم الشهداء ونتعلم من الماضي لبناء المستقبل ونكون ضمانة لبعضنا البعض».
وسجّلت «القدس العربي» امتعاضاً لدى جمهور الحزب التقدمي الاشتراكي من كلمة الوزير باسيل في وقت رأوا أن وليد جنبلاط أثبت أنه رجل الدولة ورجل المصالحات. وضجّت مواقع التواصل بتعليقات اعتبرت أنه «عند الامتحان يُكرّم المرء أو يهان». واضاف بعضهم «يبدو هؤلاء كمن يريدون بيع صكوك الغفران بعد اختزانهم لها واختزالها، يصنّفون أنفسهم في أرفع المقامات، وفق ادعاءات أن لا مغفرة بدون توبة، وكأنهم يفرضون على الآخرين قراءة فعل الندامة وتقديم فروض التوبة الطاعة، وغالباً ما يربط هؤلاء التوبة بتأدية فروض الطاعة السياسية، فما إن لا تتوافر لهم، لعادوا إلى أساليب قديمة جديدة تتعلّق بنكء الجراح وتقوم على الشعبوية».
ولوحظت المقاطعة لجولة باسيل على قرى وبلدات شوفية عديدة، في وقت قاطعت القوات اللبنانية وحزب الوطنيين الاحرار قداس دير القمر، كذلك قاطعه الامير طلال ارسلان الذي سأل «أين هي التوبة والمغفرة من الغدر الذي لحق بأهلنا في كفرمتى والشحّار؟، أين التوبة والمغفرة من بيصور أم الشهداء وسوق الغرب وكيفون وعاليه؟ أين التوبة والمغفرة من عيتات والقماطية وعين عنوب وبسابا والشويفات وكفرشيما ؟، أين التوبة والمغفرة من مجدليا والغابون وكفرعميه وشرتون ورشميا؟، أين التوبة والمغفرة من معصريتي ومزرعة النهر وبحمدون وقراها ؟؟، ومن قبيع وكفرسلوان وصاليما وبمريم وغيرها وغيرها من قرى ومدن دمّرت وسقط منها آلاف وآلاف الشهداء؟».