الناصرة- “القدس العربي”: بعد التحذيرات المتتالية من تبعات إستراتيجية، خاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، على إسرائيل، جراء الخطة القضائية الإصلاحية لحكومتها، التي تعتبرها المعارضة “انقلاباً على الديمقراطية”، يحذّر جنرال في الاحتياط من تدميرها لنموذج “جيش الشعب”، مشدداً على أن ذلك أمر غير محتمل.
يوضح الجنرال في الاحتياط يسرائيل زيف أن الموضوع المهم جداً الذي لم يأخذه قادة الانقلاب القانوني في الحسبان هو حجم تأثيره الدراماتيكي في صورة الدولة، في نظر الجمهور، ونتيجةً لذلك، مدى استعداد جزء كبير من المجتمع للاستمرار في الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي النظامي والاحتياطي.
زيف: ستضطر إسرائيل إلى مواجهة واقع سيشهد تغييراً دراماتيكياً في عقيدتها الأمنية، بما في ذلك نموذج جيش الشعب الذي سيتحول إلى جيش من المتطوعين.
يشار إلى أن مراقبين وجهات بحثية إسرائيلية حذرت هي الأخرى من النتيجة غير المرئية، وهي الأخطر من بين نتائج خطة تغيير النظام الحاكم، والمتمثلة بضرب ما يعرف بالمناعة المجتمعية. وهذا ما يؤكده أيضاً يسرائيل زيف مركزاً على الناحية المتعلقة بالجيش والاستعداد للخدمة العسكرية والدافعية للتضحية. ويضيف: “منذ قيامه وحتى اليوم، المجتمع الإسرائيلي هو مجتمع يتجمع حول العلم، مجتمع معبّأ، مجتمع محارب، ومجتمع تطوعي، مجتمع موحد في مواجهة التهديد ومحاولة إلحاق الأذى به من الخارج. الجيش الإسرائيلي هو الدعامة الأساسية التي تمثل المجتمع، وهو بوتقة الصهر التي صاغت على مدار الأجيال الصورة الاجتماعية لدولة إسرائيل وروحها الوطنية. وعلى مدار الأعوام، تحول الجيش إلى نموذج يُحتذى في نظر العالم كله، والمؤشر الأهم إلى قياس حصانة إسرائيل، هو الالتزامات الاجتماعية المتبادلة، المستندة إلى التكافل والاستعداد للخدمة في الجيش الإسرائيلي النظامي والاحتياطي”.
ويقول إنه في العالم، وبدءاً من منتصف القرن العشرين، أخذ نموذج الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي، الذي تبنّته أغلبية الدول، يتراجع كثيراً، والسبب الأساسي لذلك هو تراجُع الرغبة والحافز الشخصي لدى المواطن في تكريس سنوات مهمة من عمره من أجل الدولة. منوهاً أن عبء الخدمة العسكرية، الذي وقع بصورة غير متساوية على قسم من السكان، وعدم وجود تهديد وجودي لهذه الدول، ألحق ضرراً كبيراً باستعداد المجتمع للاستمرار في القيام بالخدمة العسكرية. وضمن الأمثلة التي يقدمها يقول زيف إن الولايات المتحدة ألغت قانون الخدمة العسكرية الإجبارية بعد حرب فيتنام، على خلفية الاحتجاج الشعبي وعدم الرغبة في التجنُّد. أما في أوروبا، فقد غيّرت نصف الدول قانون الخدمة العسكرية الإلزامية بعد نهاية الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي في التسعينيات، وبعد أن تحولت جيوش حلف شمال الأطلسي من الدفاع عن الوطن إلى قوة لحفظ السلام والمهمات الإنسانية. ويعتبر الجنرال الإسرائيلي أن الانتقال من الخدمة الجماعية إلى الخدمة التطوعية في كل هذه الدول، أدى إلى تغيير كبير جداً في الطابع الوطني الاجتماعي لهذه الدول، وخفّض من قدرتها على الدفاع عن نفسها، باستثناء الولايات المتحدة وإنكلترا. ويضيف:
زيف: مع بداية الحرب في أوكرانيا، أُصيبت الدول الأوروبية بالذعر، وبدأت سباقاً مجنوناً على التسلح، لكن بناء جيش مقاتل يتطلب أعواماً كثيرة.
وعن إسرائيل، يقول إنها تعيش في ظل تحديات أمنية كبيرة ومعقدة، وهي لا تستطيع التخلي عن الروحية التطوعية والخدمة الإلزامية، وهي بحاجة إلى أن يكون لديها جيش قوي لعشرات الأعوام. ومن أجل المحافظة على الأمن الجاري في المناطق الفلسطينية، وعلى الحدود، يحتفظ الجيش بعشرات الكتائب من الجنود النظاميين وعشرات الكتائب من الاحتياطيين على مدار السنة. وعن المخاطر على الأرض يضيف: “في حال نشوب حرب على عدة جبهات، سيكون الجيش بحاجة إلى أكثر من عشرة ألوية. ومن دون جيش نظامي قوي، ومن دون جيش من الاحتياطيين متماسك بفضل حوافز غير عادية، فإن السور الأمني لإسرائيل يمكن أن يُخترق، ولن ينجح الجيش في الدفاع عن الدولة وتحقيق أهدافه”.
ويمضي الجنرال زيف في تحذيراته من تبعات الانقسامات الداخلية، التي وصفها رئيس إسرائيل السابق رؤوفين ريفلين بأنها أخطر من قتال إيران، فيقول: “الخطوات الأخيرة التي تقوم بها الحكومة تصدّع المجتمع كضربات الفأس. ويبدو أن الحقبة التي كانت تتصرف فيها الحكومة المنتخبة، بصفتها حكومة الجميع، قد انتهت.
للمرة الأولى في إسرائيل تأتي حكومة مثيرة للجدل، ليست بحاجة إلى إرضاء الجميع، ولديها صلاحيات واسعة، مثل شن الحرب، أو ضم مناطق من أجل تحقيق سياستها، لكنها لا تملك الشرعية كي تغيّر بصورة جذرية الأساس القضائي والقانوني والقيمي الذي أقيمت الدولة عليه، من دون الحصول على موافقة واسعة جداً”.
وفي انتقاداته الحادة يرجح زيف أن هذه الحكومة قد وضعت هدفاً لها، هو تغيير البنية التحتية الأساسية لإسرائيل، من خلال تفكيك الوحدة الإسرائيلية وتحطيم القيم الوطنية وتقويض الأساس الديمقراطي الذين نعيش فيه. مشدداً على أن المشكلة في هذه الخطوات الحكومية هي أنها لن تنتهي فقط بتظاهرات، وبإلحاق الضرر بالاقتصاد، وأن التصدّع الذي نشهده في الأيام الأخيرة يثير إحساساً عميقاً لدى شرائح كبيرة من الإسرائيليين، بأنهم تعرّضوا لخيانة كبرى.
ويتابع: “من هنا، تزداد الأصوات التي تعبّر عن عدم استعدادها للقيام بالتزاماتها الوطنية، وعدم استعدادها للخدمة في الجيش، ورفضها التعاون مع ما تمثله هذه الحكومة البشعة. هذه الأصوات التي تصدر عن المئات والآلاف في إسرائيل من الذين يرون أن الانقلاب السياسي لا يأخذهم في الاعتبار، ويقضي على أسس الدولة التي حاربوا من أجلها، ويشكل “قطيعة” معهم. يرى كثيرون أن الوضع الحالي ينهي التزاماتهم الوطنية، وهذا يشكل بُعداً شديد الخطورة للأزمة الوطنية”.
زيف: الخطوات الأخيرة التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية تصدّع المجتمع كضربات الفأس.
ويؤكد زيف أن عدم استعداد كثيرين للاستمرار في القيام بواجبهم في الدفاع عن إسرائيل، من خلال الخدمة في الجيش والاحتياط، يمكن أن يتحول إلى فوضى وفقدان السيطرة من جانب الدولة، ومثل هذا الوضع لا رجعة عنه، ولم يسبق أن واجهناه من قبل. ويقول أيضاً إنه إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تريد الاستمرار في طريق الفتنة والشرذمة، فعليها أن تأخذ في الحسبان أن التصدّع الاجتماعي التي تخلقه سيُلحق ضرراً وطنياً كبيراً،
وستضطر إسرائيل إلى مواجهة واقع سيشهد تغييراً دراماتيكياً في عقيدتها الأمنية، بما في ذلك نموذج جيش الشعب الذي سيتحول إلى جيش من المتطوعين.
ويخلص الجنرال في الاحتياط يسرائيل زيف للقول: “بيْد أن مثل هذا الجيش لا يمكنه، من الناحيتين الاقتصادية والعملية، النجاح في مواجهة جزء من التحديات التي تواجهها المؤسسة الأمنية والجيش الإسرائيلي اليوم. وزير القضاء ياريف ليفين خدم في سلاح الاستخبارات، ومن المفترض أنه يفهم جيداً هذه الأمور. إن نجاح الإصلاحات قد يتبين أنه “انتصار بيروسي” (انتصار يخلّف دماراً كبيراً)، وانتصار آخر كهذا سيؤدي إلى خسارتنا”.
يشار إلى أن هناك تحذيرات كثيرة متتالية صادرة عن جهات إسرائيلية متنوعة تحذر من تبعات إستراتيجية لـ “خطة الإصلاحات القضائية” التي يقودها نتنياهو دون اكتراث للضغوط الداخلية والخارجية، ومنها التحذير من أزمة اقتصادية حقيقية واجتماعية تهدد بتهتك النسيج الاجتماعي، وتعميق الانقسامات بين علمانيين متدينين وبين غربيين وشرقيين وبين يهود وعرب الخ. وهناك بعض الأصوات التي تحذّر من أن التشريعات التي تشمل ضماً للأراضي الفلسطينية، وإفشال خيارات التسوية، ستفضي لتوريط إسرائيل بواقع ثنائي القومية يختلط فيه الحابل الإسرائيلي بالنابل الفلسطيني، ولبلقنة الصراع، أي جعله دموياً ومرعباً، كما حصل في صراعات الشعوب في منطقة البلقان في الماضي. ويذهب بعضهم لحد القول إن ما يجري اليوم هو مجرد مناظر والفيلم الحقيقي قادم.
تحذر أصوات من انسداد الأفق أمام الفلسطينيين، خاصة الشباب ممن لا يثقون حتى في السلطة الفلسطينية، ويرون يومياً التهويد والاستيطان يحاصرهم.
وتحذر هذه الأصوات من انسداد الأفق أمام الفلسطينيين، خاصة الشباب ممن لا يثقون حتى في السلطة الفلسطينية، ويرون يومياً التهويد والاستيطان يحاصرهم من كل صوب، ويصطدمون بالتنكيل والاستعلائية الإسرائيلية على الحواجز،
وهذا علاوة على مخاطر رغبة هذا الائتلاف الإسرائيلي الحاكم بمشاركة وزراء إرهابيين وغيبيين بفرض حقائق على الأرض في الحرم القدسي الشريف مما يعني أنهم يعبثون ببرميل بارود.
وهناك عدد قليل من الأصوات الإسرائيلية، منهم المعلقان العسكريان عاموس هارئيل وزميلته عميرا هاس، التي تكتب من رام الله (كلاهما يعمل في صحيفة “هآرتس” )، وألون بن دافيد (القناة العبرية 13)، التي تتساءل عن الدافع الحقيقي للقيام بحملة عسكرية في قلب نابلس، وقتل وإصابة عدد كبير من الفلسطينيين، رغم العلم المسبق بأن الرد الفلسطيني حتمي، كما حصل بعد مذبحة جنين في الشهر المنصرم.