عندما لا يستطيع الإنسان الإشارة إلى الظلم ويعيّن مناطقه الآهلة بالتعسّف وسفك الدّماء واغتصاب الحقوق وإبادة الإنسان، حينها يكون سؤال الوجود الإنساني محل ارتياب، أي هل هناك فعلا شيء اسمه إنسان ومنه إنسانية؟ فإنسانية الفعل هي الدال الأول على نبل المسعى، وذاك ما قامت به دولة جنوب افريقيا حين دخلت التحدي ورفعت دعوى لدى محكمة العدل الدولية ضد كيان الصهاينة الغاصب، الذي يرتكب أبشع إبادة جماعية في حق الفلسطينيين في غزّة، وهي بذلك تكشف عن وهم غطرسة الظلم وديمومته، التي توحي للمظلومين بأنّ كيانه له سطوة ممتدّة وقوّة لا تقهر.
جنوب افريقيا الموقف وصهاينة القفص
فعلتها دولة جنوب افريقيا ووضعت الصّهاينة داخل قفص الاتهام، ولو كان الأمر للتّاريخ لأُدينوا دون محاكمة، لأنّ جرائم الاستعمار مدانة دون اتهام، ويبرّر ذلك اغتصابهم حقوق الشعوب في الحياة وفي الأرض، وممارسة أبشع جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ومن ثمة لم يكن تصرّف جنوب افريقيا سوى كاشف لسلوك الصّهاينة الإجرامي، اللاإنساني واللاأخلاقي، الذي يرتكبونه منذ ما يفوق السّبعين عاما في حق الشّعب الفلسطيني المجاهد على مرّ هذه السّنين، رغم صمت العالم المخجل وصمت ذوي القربى المميت خجلا، خصوصا في الإبادة الإنسانية الأخيرة على قطاع غزّة، حيث حوصر القطاع ومنع عنه الماء والدواء والكساء، وهدمت المدينة على رؤوس أهاليها، دون أن تتحرّك نخوة في أحد، إنّه حقا لعار على الإنسانية والعرب والمسلمين قبل ذلك يندى له جبين التّاريخ، ومن هنا اكتسبت الدعوى القضائية المرفوعة من قبل دولة جنوب افريقيا أهميتها، فهي من ناحية أنابت عن كل المقهورين في العالم في وضع الظالم في دائرة الاتهام، والإشارة إليه من منطلق قانوني وأمام محكمة العدل الدولية، التي يفترض فيها الحياد، وهي أحد أفرع الأمم المتحدة التي وجدت أساسا لحفظ الأمن والسلم الدوليين، بعد فظاعات الحرب العالمية الثانية، ومن ناحية أخرى وضعت عصابات الكيان الصّهيوني ومن ورائه الدّاعمون له من الأمريكيين والأوروبيين والمطبّعين أمام المسؤولية التاريخية في تحمل تبعات جريمة «الإبادة الجماعية» التي تقوم بها إسرائيل، إضافة إلى أنّ هذه الدعوى وضعتهم في حجمهم الطبيعي بعد أن نزعت عن الكيان الصّهيوني وراعيته الولايات المتحدة صفة القوى التي لا يمكن المساس بها، باعتبارها فوق القانون الدولي، متعالية على الآخر وذات سيادة خاصّة تمنعها من الخضوع لما يخضع له غيرها من الكيانات السياسية داخل المنتظم الدولي.
المسار نحو الحرية ونبذ الخوف
أصبحت دولة جنوب افريقيا حلم المستضعفين، فموقفها الشجاع والجريء نزع غطاء الهيبة المكذوبة عن الولايات المتحدة أولا، ثم كيان الصهاينة الغاصب ثانيا، وكأنّها تريد منهما أن يكونا ذواتي همّة إنسانية، وذلك لعمقها الثوري الإنساني والنّضالي. إنّ الدّعوى القضائية المرفوعة ضدّ الصّهاينة تختزن في جوهرها أبعادا عدّة، باعتبار دولة جنوب افريقيا هي الفضاء الذي ولد فيه نيلسون مانديلا رمز النّضال ضد الفصل العنصري والتحرّر، فنظام «الأبارتهايد» قيّد حريته، حيث بقي في السّجن لمدة سبع وعشرين عاما وأطلق سراحه في 1990، فلا يمكن لهذه الدولة التي نطق زعيمها ذات يوم من خلال خلايا «حزب المؤتمر الافريقي» ANC بما يمكن أن نسمّيه دستور المظلومين، «لا يمكن إيقاف سيرنا نحو الحرية. وعلينا ألا نسمح للخوف أن يقف في سبيلنا» هذا سر شجاعة دولة جنوب افريقيا، لقد رضعت من الوعي الثوري الذي تشكل فيه عقل الحرية والتمرد على الظلم لدى نيلسون مانديلا. وجدت دولة جنوب افريقيا أنّ الدافع لديها لرفع دعوى قضائية ضد عصابات الكيان الصّهيوني أقوى من بقائها خامدة، فتجاوزت قضبان الخوف واعتلت منصة الخلود في التّاريخ لتقول كلمتها الفصل في ضرورة تحرير الشعوب من خوفها ومن الظلم الواقع عليها، قالت وفعلت ذلك، ومضت كما يمضي الكبار. راهنت على كل تاريخها الثوري وعوّلت على ما تبقى من منطق العدالة على هذه الأرض التي يحكمها غباء الاستعمار والاستقواء والاستكبار، وكأنّ فعلها هذا هو جسّ لنبض الضمير في كيانات دولية تناست كل ضمير، فجاءت دعواها كما لو أنّ أحدهم دلق دلو ماء بارد على ساهٍ تاهت عيناه في الفراغ، فاستفاق على صوت غريب كان قد عرفه في مرحلة ما ثم تغافل عنه، باعتبار تمييع منطق الحقائق الثابتة في الكون، والتي بفعل مركزية الإنسان والعقل فقدت المبادئ الثابتة جدواها، وأحيل كل شيء على النّسبية، فدعوى جنوب افريقيا القضائية ضدّ الإبادة الجماعية، التي تقوم بها عصابات الصّهاينة جاءت لتذكر الضمير البشري بماضيه الإنساني المكثف بالمبدأ والحقائق الثابتة.
إنّ سجن «جزيرة روبن» الوحشي الذي قضى فيه نيلسون مانديلا شطرا من حياته شبيه بفضاء غزّة المحاصرة، حيث تعرّضت في حصارها للعديد من الاعتداءات الصّهيونية التي دمرتها وأبادت إنسانها، إنّ عزلها وحصارها كما كل الوطن الفلسطيني يعتبر بمثابة «الفصل العنصري» الذي عانى منه إنسان جنوب افريقيا، فهناك كان الرجل الأبيض هو أسّ نظام الأبارتهايد، فجرّد الإنسان الأسود من وطنه وهويته الإنسانية، وفي فلسطين هناك الصّهيوني اليهودي الذي يدّعي زورا تاريخية وجوده في فلسطين، ولعنصريته يعمل على تهويد الأرض، وهو نوع من الفصل العنصري على أساس العقيدة، فكل من ليس يهوديا/صهيونيا فلا حق له فلسطين، من هذا المنطلق تقدّمت دولة جنوب افريقيا بالدّعوى القضائية أمام محكمة العدل الدولية مسلّحة بالتّاريخ وبوقائع سنين المعاناة الإنسانية، وجرائم الفصل العنصري، وكان ملفّها مسنودا بالأدلة الدامغة والواقعية، فإسرائيل قتلت 25 ألفا و700 فلسطيني وتسبّبت في نزوح مليون و700 ألف شخص، بينما يواجه 93 في المئة خطر المجاعة، أما الدّمار فلا يمكن إنكاره، هذا الموقف القوي كشف هشاشة الصّهيوني في التّاريخ، لأنّه يحاول إثبات موطئ قدم له فيه دون تكئة على عمق نضالي إنساني.
المعنى في الإنسان وفقدان المناعة التاريخية
زار الزّعيم مانديلا بعد تحرّره من السّجن ونظام الأبارتهايد العديد من الدول الأفريقية ومن ضمنها ليبيا ثم الجزائر، ولم ينس من مدّ له يد العون إبّان سنوات القهر والإذلال المطبّقين من قبل نظام الفصل العنصري، إنّ حلم الثورة والنّضال يعقد ميثاقا إنسانيا بين كل القوى المناهضة للاستعمار واستعباد الإنسان. تشترك هذه القوى في «حلم» الحرية ورواية حكاية النّضال، للمناضل حكاية في مساره التّاريخي، يريدها أن تكون فاصلة في تكريس بصمته على وجه هذه الأرض، فـ»على هذه الأرض ما يستحق الحياة..» كما يقول درويش، والحياة لا تتساند سوى مع من يؤمن بجدواها في الحرية، وُجدت الحياة ليعيش النّاس أحرارا، هذا هو جوهر حكاية المناضل الإنساني، فما هي حكاية الغاصب والمحتل والمستعمر؟ وبهذا كان ملف جنوب افريقيا مؤسّسا ومقنعا لهيئة المحكمة، لأنّ كل حرف فيه مطعّم بنقطة دم سالت من أجل الحرية، حكاية المناضل هي حكاية الحرّية والاستشهاد من أجلها.
يكفي أن تكون عصابات الصهاينة هي الداعم الأساس لنظام الفصل العنصري آنذاك في جنوب افريقيا المستعمرة، لتجد جنوب افريقيا المحرّرة الدّافع القوي لرفع الدّعوى القضائية ضد الصهاينة، فكلا الكيانين نظام فصلٍ عنصري، و»الجدار العازل» في فلسطين ما زال شاهدا على ذلك. إنّ أنظمة الدمار والإبادة الجماعية لا تدركُ بوعيٍ معنى الإنسان في جوهره، حيث «أنا» هو «الآخر» وفق «كوجيتو الطيبة» في فلسفة ليفيناس الذي ينتقد مركزية الأنا الغربي، فالمستعمِر يتجاوز كل لقاء إنساني وعبور للذّات نحو الآخر ليعيش أنانيته المفرطة في حبّ ذاته، والمبالغة في نرجسيته التي ليست مرضية فحسب، بل هي أيضا سياج أيديولوجي تشكل عبر حقبٍ لفقدان المناعة التّاريخية التي تحتّم لقاء الآخر، باعتبار كينونته التّاريخية، ولفقدان الصهيوني جذوره في التّاريخ فهو يرفض أي نداء يذكّره به.
كاتب جزائري