كان يا مكان في قديم الزمان عملاق كبير يدعى شمشون الشرير. ما كان أحد يحبه وما كان يحب أحداً.. لحظة تذكرت، بل كان له صديق نائم وقبيح وماكر، يشبهه، يقطن في قارة بعيدة. هكذا عشقا بعضهما البعض إلى حد أن أطلق الأخير على شمشون الشرير لقب «بيبي» متجاهلاً غلاظة ملامحه.. عادي، القرد بعين حبيبه غزال. ويا داخل بين البصلة وقشرتها ما ينوبك غير ريحتها.
لكن رغم كل ذلك العشق المتبادل وأشياء أخرى كثيرة متبادلة، فقد أخبرتنا العصفورة مؤخراً أن ذلك الصديق اليتيم لم يعد يجيب على اتصالات بيبي المتلاحقة. يا للهول لقد تخلى «جو النائم» عن «بيبي».. وشمشون في مأزق كبير.
هكذا قررت جنوب أفريقيا أن تجر بيبي وحاشيته إلى محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب «إبادة جماعيّة» في غزة أو الأرض التي سرقها شمشون وأجداده منذ أكثر من 75 سنة.
عاش شمشون أياماً صعبة لا ينام في الليل ويفكر طيلة النهار من سيكون الفريق القانوني الذي سيدافع عنه في لاهاي.. وأخيراً وبعد دراسة طويلة ارتأى أن يتزعم الفريق المحامي مالكوم شو، الذي عمل في الماضي مستشاراً قانونياً لإسرائيل ويعرف بسمعته العالية في تقديم الاستشارات القانونية، كما اشتهر بالعديد من المرافعات السابقة في محكمة العدل الدولية.
المهم، كان الأستاذ «شو» اسماً على مسمى.. لقد قدم شو عرضاً لا مثيل له على مسرح المرافعة.. ذلك العرض لم نسمع بمثله في أية قضية سابقة منذ تشكلت محكمة العدل الدولية وحتى هذه اللحظة، ولا أظن أننا سنسمع بمثله في المستقبل.
وقف يدلي بمرافعته بثقة وحنكة كبيرة، يقرأ أوراقه، التي حرص على ترتيبها قبل دخوله القاعة. لقد رتبها ورقة ورقة ووضعها بحرص شديد أمامه.. وكيف لا يعتني بها والعالم بأكمله تتربص عيناه بتلك الأوراق ومحتواها.. ومن المؤكد انه تدرّب على قراءتها عدة مرات وحفظ معظم تفاصيلها.
كان بيبي الشرير يشجع شو من بعيد. يقف مهللاً له ثم يتذكر أنه ترك الكرسي فارغاً، وقد يسحب من تحته في أية لحظة فيعود ليجلس عليه وهو يغني:
«على شاطئ غزة يحل ليل الخريف.. والطائرات تقصف وتدمر
هناك الجيش يتخطى الخطوط للقضاء على الصليب المعكوف
سنفني الجميع ونعود لنحرث حقولنا
الحب المقدس بالدم.. سوف يعود ليزهر بيننا».
ولكنه مشجع بائس،ولم يصل صوته الخشن والشنيع إلى مسمع شو.. فوقع محامي «بيبي الشرير» في فخ التوتر وضعف الحجة، مما أدى إلى تلعثمه. لقد أراد أن يكمل فكرته، ولكنه لم يجد الورقة التي كتب عليها التكملة، فتاه وتلعثم، ثم قال: لقد أضعت الصفحة. وكي «يزيد الطينة بلة» يعني «مايكت وارس» أضاف: لا بد أن أحدهم خلط أوراقي. نعم لقد دخل عفريت فلسطيني صغير القاعة واختبأ تحت المنصة. وفيما هو غارق في مرافعته التاريخية سحب العفريت الأوراق وخلطها له، ثم أعاد وضعها على الطاولة. موقف لا يحسد عليه، لا شو ولا بيبي. هكذا استشاط بيبي غضباً واحمرّ وجهه، وراح يصرخ: حتى العفاريت تدعم فلسطين؟ لا بد من التخلص منها هي الأخرى!
شوي شوي يا بيبي، دعنا ننهي المحاكمة الأولى، ثم نتفرغ لمحاكمة العفاريت.
شو، لم يأت بجديد، بل كرر في مرافعته كل ما جاء سابقاً في تصريحات شمشون الشرير. أي مرافعة بنكهة بنيامينيّة بامتياز. وقد صنفها العديد من المحللين السياسيين بالضعيفة، كما أكد الخبير القانوني الدكتور سعد جبار أن تلك المرافعة، التي قام بها الفريق القانوني للدفاع عن إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية ليست فقط ضعيفة، بل فيها ثغرات كثيرة.
لا تغضب يا بيبي. لم تأت بعد ساعة الغضب الكبرى. ننصحك أن تنتظر حتى تصدر المحكمة تدابيرها الاحترازية. حينها لن يتوقف صديقك المفضل «جو النائم» عن الرد على اتصالاتك، بل قد يأكل سلك الهاتف. فالوقوف في وجه قرارات محكمة العدل الدولية يعتبر بمثابة فضيحة مدوية وتحد كبير لأقوى وأهم المنابر القضائية في العالم. أما الوقوف إلى جانبك فهو شبهة شبهة شبهة، ولكن لا عليك يا بيبي، عد إلى أغنيتك وكرر كلماتها للمرة الأخيرة:
«سنفني الجميع ونعود لنحرث حقولنا»!
كررها عدة مرات، لأنها دليل قاطع للعالم وكل محاكمه على إجرامك. ولكن تأكد أنك لن تستطيع فناء الجميع، ولن تعود لتحرث حقول الفلسطينيين وأرضهم.
فصوت محمود درويش ما زال يصدح عالياً، رغم الغياب:
إنا نحب الورد… لكنا نحب القمح أكثر
ونحب عطر الورد… لكن السنابل منه أطهر
بالصدر المسمر… هاتوا السياج من الصدور
من الصدور فكيف يكسر؟
اقبض على عنق السنابل مثلما عانقت خنجر
الأرض والفلاح والإصرار، قل لي كيف تقهر؟
هذي الأقاليم الثلاثة، كيف تقهر؟
وزيرة خارجية جنوب
افريقيا أيقونة محبة!
بعد موقفها المشرف شعباً وقادة، بات العالم ينظر إلى جنوب افريقيا كأيقونة للعدالة والمحبة، ورمزاً للأخوة، والنخوة، والإنسانية.. لقد أصبحت مثالًا يُحتذى به في موقفها العظيم بحق القضية الفلسطينية والحرب على غزة. موقف لم تجرؤ عليه بلادنا العربية.. ولكن بلورته وزيرة خارجية جنوب افريقيا حين قالت بثقة وقوة وإيمان وصدق وطلاقة: الحقائق هي أن شعب فلسطين محروم من حقه في الوجود كبشر. هم محرومون من حقهم في التمتع بالحريات والحقوق، التي نحبها في جنوب أفريقيا. حقوق وحريات ناضلنا بشدة من أجلها.
لقد أخبرت العالم قصة جدها. قصة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم لما تحمله من رسالة إنسانية موجعة: كان جدها خياطاً، وكان يعمل بجهد كبير. عمل حتى باتت أصابعه متعبة ووصل التعب إلى جلده. عمل ليكسب ما يكفي من المال لشراء منزل في ديربان. وقد حصل فعلاً على ذلك المنزل. وبعد سنتين فقط من انتقاله إليه، أُعلنت المنطقة التي يقع فيها البيت منطقة للبيض. فقد الجد المنزل دون تعويض. وتوفي حزناً على قلبه المكسور».
كم جداً في فلسطين المحتلة هو جدها. وكم قلباً في غزة مات من شدة الحزن على أرضه، وأبنائه، وأخواته، وأهله؟
تلك القصة لم تسلط الضوء على قضية الشعب الفلسطيني وواقعه وحقوقه المسلوبة والظروف الصعبة التي يواجهها فحسب، بل أيضاً منحتنا ولو حفنة صغيرة من الأمل في تحقيق العدالة.
* كاتبة لبنانيّة