اعمال شغب بضواحي باريس تنتهي بحرق مئات السيارات واعتقال 200 متظاهر
باريس ـ “القدس العربي” ـ من فوزي سعد الله:
أخيرا تحقق حلم نيكولا ساركوزي في الوصول إلي قصر الإليزي. هذا الرجل الطموح البالغ من العمر 52 سنة المنحدر من أسرة يهودية هاجرت قبل عقود من المجر إلي فرنسا سيكون الرئيس الفرنسي الوحيد منذ أكثر من نصف قرن الذي فاز بالانتخابات الرئاسية معتمدا علي خطاب يميني ابتعد خطوات طويلة عن الديغولية باتجاه اللوبانية (من لوبان) اليمينية المتطرفة.53.06 بالمئة من الفرنسيين المسجلين في القوائم الانتخابية منحوه أصواتهم وعبروا عن تزكيتهم للكيفية المعروفة التي سيسير بها البلاد والتي روج لها خلال الحملة الانتخابية، بينما لم تحصل الاشتراكية سيغولين روايال سوي علي 46.94 بالمئة من الأصوات. أغلبية الفرنسيين قالوا من خلال الصناديق إنهم أصبحوا يميلون إلي قيم المحافظة والانغلاق علي الذات والنفور من الاختلاف الثقافي والعرقي، وإنهم مع صرامة أكبر من الناحية الاقتصادية ورحمة أقل من الناحية الاجتماعية بالطبقات غير المحظوظة ماديا. وما يعطي مصداقية لهذه القراءة التي تُتداول في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية هو نسبة المشاركة القياسية التي لم تشهدها فرنسا منذ عقود والنادرة الحدوث في هذا البلد، والتي بلغت 83.97 بالمئة. من جهة أخري تؤكد الأرقام التفصيلية لبنية نتائج التصويت في الدور الثاني من الرئاسيات النزعة الجديدة، سابقة الذكر، داخل أكثر من نصف الناخبين الفرنسيين. صناديق الاقتراع كشفت الأحد أن أحسن نتائج سيغولين روايال أُنجِزت جنوب فرنسا و في الجنوب الغربي من البلاد فقط، أما جزء كبير من الوسط والشمال الذي كان عادة يساريا فقد تحول في أغلبيته الساحقة إلي اليمين باستثناء منطقة با ـ دو ـ كالي القريبة من جنوب انكلترا. ولهذا التطور، طبعا، مدلول سياسي كبير لا يستهان به في أي تحليل للخريطة السياسية الفرنسية الجديدة.
ديغولية في الكلام ولوبانية في الخطابرغم تبني رئيس فرنسا الجديد مبدئيا للفلسفة الديغولية في إدارة البلاد، الفلسفة التي تتميز بإنسانيتها وحرصها علي احترام قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان التي أطلقتها فلسفة عصر الأنوار منذ الثورة الفرنسية الكبري، رغم هذا التبني المعلن فإن الواقع والخطاب السياسي بشكل عام لا يعكسها بصورة مقنعة. وقد يشكل هذا التحول، أو الرغبة في هذا التحول، نحو أقصي اليمين إحدي نقاط التفكك الذي سيعصف بالجسد الاجتماعي الفرنسي، إذا أصر ساركوزي علي المضي في تجسيده وهو الذي أكد لأنصاره، بُعيْد اعلان الفوز، من ساحة لاكونكورد في باريس، الساحة الرمزية جدا في تاريخ فرنسا، أنه لن يخونهم وأنه سيفي بما وعد رغم محاولته تقديم خطاب جامع كرئيس لجميع الفرنسيين. هل سيحوّل ساركوزي باسم الديغولية الإرث الديغولي إلي مجرد ذكري قديمة بكل ما قد ينجم عن ذلك من انزلاقات خطيرة داخل فرنسا وحتي خارجها في تعاملاتها ومواقفها علي المستوي الدولي، خصوصا فيما يتعلق بملفات أصبحت تحسب لها الحسابات لتأثيرها المباشر علي الانسجام السياسي والاجتماعي في فرنسا كالقضية الفلسطينية والملف العراقي؟ سيظهر ذلك في الأشهر القادمة لأي الخيارات سينزع الرئيس الجديد: لأن يكون رئيسا لكل الفرنسيين مثلما كان جاك شيراك، الذي بدأ الكثير يتأسف لانتهاء عهدته، أم ليكون لليمينيين واليمينيين المتطرفين فقط، وهنالك ستكون له جولة أخري ما زالت معالمها غامضة حتي الآن، مع الذين لن يجدوا لأنفسهم مكانا تحت شمس نيكولا ساركوزي أو سيجدونها أقل دفئا مقارنة مع درجة حرارتها بالنسبة لآخرين.
الحزب الاشتراكي: التجدد أو التبدد علامات التعب كانت واضحة علي وجه سيغولين روايال صباح امس الإثنين عندما عبرت عن شعورها إزاء الخيبة التي أصابت أنصارها بعد الإعلان عن فوز نيكولا ساركوزي. روايال التي انفردت تقريبا بحملتها الانتخابية، رغم الانتقادات التي وجهت لها من داخل الحزب الاشتراكي، دعت إلي توحيد صفوف جميع قوي اليسار والإبقاء علي التعبئة تحضيرا للانتخابات التشريعية التي ستُجري في العاشر من الشهر المقبل في دورها الأول ثم في 17 من نفس الشهر بالنسبة للدور الثاني. ستنظم روايال تجمعا في ملعب شارلوتي الباريسي، الذي احتضن إحدي أقوي لحظات حملتها الانتخابية، للالتقاء بالقواعد الاشتراكية ومواصلة تعبئتها للاستحقاقات التشريعية القادمة. ومثل زوجها فرانسوا هولاند، الأمين العام للحزب الاشتراكي الفرنسي، أبدت إرادة قوية وإصرارا علي مواصلة المعركة ضد اليمين: الهزيمة مؤلمة، قال فرانسوا هولاند، لكن يجب الاستعداد للمعركة المقبلة لأن الرهان خطير وعلينا أن نكون قوة توازن في المشهد السياسي. اجتماع المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الذي سيعقد في الأيام القادمة يدخل في إطار هذه الاستعدادات ولتحديد أسباب الهزيمة والقيام ببعض الإجراءات التطهيرية داخل الحزب. وقد بدأت الخلافات تطفو علي السطح منذ إعلان فوز ساركوزي، إذ صرح دومينيك ستراوس كان، أحد فيَلة الحزب الاشتراكي، أن هذا الأخير خسر معركة الرئاسيات في الدور الأول. وربما كان تحليله هذا وراء تحمسه للتحالف مع مرشح الوسط فرانسوا بايرو لتدارك الكارثة مدعوما من ميشيل روكار في حين رفضت روايال التحالف بعد معارضة الأمين العام للحزب فرانسوا هولاند للفكرة بشدة. الفكرة التي كان واضحا أنها تشكك في قدرة روايال علي الفوز.
يعول الحزب الاشتراكي، الذي أبكي العديد من أنصاره والمتعاطفين معه مساء الأحد عندما اعلن رسميا عن انهزامه، علي توحيد صفوف كل اليسار لتدارك ما يمكن تداركه وتفادي إطلاق يد اليمين في إدارة الشؤون الفرنسية في السنوات المقبلة بمحاولة تحقيق نتائج في التشريعيات القادمة تسمح بتقييد هامش حرية اليمينيين في البرلمان. وربما كان السيناريو الأقسي، بل الكارثي، علي اليمين وزعيمه الجديد نيكولا ساركوزي في شهر جوان المقبل هو أن يقدم الناخبون الفرنسيون البرلمان علي طبق من ذهب للاشتراكيين حتي يضمنوا مراقبة أي انزلاق لليمين يؤدي إلي ما لا تحمد عقباه. وقد حدثت في السابق مثل هذه السيناريوهات التي تسببت في المقابل في انسدادات سياسية مثلما حدث في عام 1994 حينما كانت السلطة متقاسمة، وفق إرادة الناخبين الفرنسيين، بين اليمين واليسار. وقد دفع هذا السلوك الانتخابي الذي قد يبدو غبيا ومتناقضا المعلق الفرنسي بيار مورفيل إلي القول إن الشعب الذي سجل في مواثيقه الأساسية مبدأ الحق في السعادة للجميع ليس شعبا جديا. لكن العديد من الملاحظين السياسيين ينبهون اليسار إلي أن مثل هذه التجارب المتوترة سياسيا التي تقسم فيها السلطة بين أقوي تيارين ممثلين للشعب الفرنسي هي التي دفعت الفرنسيين إلي إعطاء الرئاسة والبرلمان بأغلبية مريحة لجاك شيراك وحزبه التجمع من حركة شعبية بعد رئاسيات 2002، ولا مانع من أن تتكرر اليوم مع نيكولا ساركوزي. اليوم خمر وغدا أمرما يزال ساركوزي ثملا بنشوة الانتصار ونشوة كؤوس مطعم الـ فوكيتس التي تناولها مع رجاله مساء الأحد في جادة الشانزيليزيه. تعب الحملة الانتخابية الطويلة يفرض عليه أخذ عطلة إلي غاية الأسبوع المقبل سيقضيها في جزيرة كورسيكا قبل مباشرة العمل بعد تسلمه مهام الرئاسة يوم 16 ايار (مايو) من جاك شيراك، لذلك لن يشارك في احتفالات الانتصار في الحرب العالمية الثانية غدا. وتنتظر ساركوزي قائمة طويلة من الملفات كقضية الرهينة الفرنسي في افغانستان، تشكيل حكومة جديدة، الانتخابات التشريعية بعد شهر، التصويت علي الميزانية التي ستحدد خياراته في السياسة المالية والجبائية بشكل خاص، إضافة إلي المشاركة في قمة الثماني الكبار في ألمانيا في بداية حزيران (يونيو) ثم في القمة الأوروبية في بروكسل في نفس الشهر، لينتقل إلي تحضير الانتخابات البلدية وانتخابات المجالس العامة وانتخابات مجلس الشيوخ خلال العام 2008. في انتظار ذلك، من المنتظر أن يكلف ضمن ما وصف في أوساط حزبه بـ الفريق الحكومي الأحسن في فرنسا فرانسوا فيون برئاسة الحكومة، ميشيل آليو ماري بحقيبة الدفاع، إيريك بوسون (الوسطي الذي تخلي عن فرانسوا بايرو) بحقيبة وزارية لم تحدد بعد مثله مثل الناطقة باسمه رشيدة ذاتي، جان لوي بورلو بحقيبة الاقتصاد أوالشؤون الاجتماعية، وبورتوفو بوزارة الداخلية. كما يتوقع أن تكلف زوجته سيسيليا بمهام رمزية علي عادة نساء الرؤساء الفرنسيين. غير أن شباب الضواحي وأقصي اليسار الذين أفسدوا عليه إلي حد ما عرس الانتصار، حتي ولو لم يبد عليه إلي حد الآن اكتراث كبير بغضب الذين لم يهضموا بعد الواقع الجديد، قد يطرحون علي الرئيس الجديد تحديات جديدة قد تفسد عليه العديد من الحسابات. المصادر الأمنية الفرنسية سجلت أحداث شغب في جميع أنحاء فرنسا تقريبا. ورغم الاستعدادات البوليسية، أسفرت اعمال الشغب عن حرق 367 سيارة واعتقال أكثر من 200 شخص، فضلا عن إصابات بجروح خفيفة في معظمها. وتلقت “القدس العربي” منذ مساء أمس أخبارا من ضواحي باريس مفادها أن مجموعات شبانية كانت علي استعداد منذ بضعة أيام لتفجير الوضع في حال فوز ساركوزي. واخطر ما ورد من معلومات في هذا السياق، إذا كانت جدية، هو أن شباب الضواحي أجمعوا علي التصويت لنيكولا ساركوزي بشكل كثيف حتي ينجح في الوصول إلي الإليزي لتبدأ، بعد ذلك، أم المعارك ضده في الأحياء الشعبية والضواحي. وتجدر الإشارة أنه إذا بدا الوضع هادئا الأحد مساء في جادة الشانزيليزيه التي كانت شبه خالية، علي غير عادتها، فلأن الإجراءات الأمنية كانت مشددة جدا علي كل محيطها وأيضا لأن جميع محطات ميترو باريس وميترو الضواحي القريبة من محيط هذه الجادة تم إغلاقها.