جنود من حواوشي

حجم الخط
0

عزت القمحاوي ‘إن لله جنودًا من عسل’ قالها واحد من كبار المتآمرين في تاريخنا المدمى؛ معاوية بن أبي سفيان حين دبر اغتيال مالك الأشتر بالعسل المسمم.متآمرو هذه الأيام يقتلون بالحواوشي؛ حيث دس متطوع على المعتصمين أمام مجلس الوزراء المصري ليل الأربعاء الماضي أرغفة حواوشي مسممة، وحتى كتابة هذه السطور فالفاعل مجهول، على الرغم من مراقبة المنطقة بالكاميرات فائقة الجودة.والحواوشي، لمن لا يعرف من القراء العرب وجبة لا يعرف ما بداخلها إلا الله والبائع، لكن المؤكد أن فيه الكثير من البصل والتوابل والأرز قليل الجودة وما يفترض أنه بقايا اللحم شديدة الدهنية، وحتى هذا اللحم الضار تتم الاستعاضة عنه بفول الصويا وبقوليات مغمسة في دهن صراح يعطي نكهة اللحم وما هو من اللحم. كل هذا الخليط يوضع داخل طبقتي الرغيف البلدي المصري ويلف في ورق، وكثيرًا ما يستخدم ورق الصحف المطبوع لهذا الغرض، ويوضع الخليط السري في الفرن حتى ينضج، وينضح الدسم على الورق الذي يصبح له لون ذهبي وتصبح للكلمات المكتوبة عليه قيمة بعد أن تحمصت في الفرن.تتركز مطاعم وعربات الحواوشي أمام السينمات الشعبية. ولا يتبقى منها في ذاكرة اللسان سوى طعم البهارات الحريفة التي تنافس الفودكا الروسية في إشعال الجسد بالدفء، لكنها تضر الآكل ولا تفيده؛ فإذا ما أضيف إليها السم تشتغل عربات الإسعاف بكامل طاقتها لإنقاذ الضحايا الجدد لنظام مبارك القوي. ويصبح الهجوم على الميدان في موقعة الجمل أو على متظاهري ماسبيرو في ايلول/سبتمبر الماضي عملاً رجوليًا بقدر ما هو شنيع، بينما اللجوء إلى القتل غيلة بجنود من حواوشي عملاً تآمريًا فيه من الخسة بقدر ما فيه من الشناعة. وفيه كذلك سمات العصر المباركي غير منقوصة وأهمها افتقاد الخيال وافتقاد الذاكرة.افتقاد خيال الرئيس المركون على جنب هو الذي جعله يترك البلاد ملعبًا لابنه وزوجته أصدقائهما، وافتقاد الذاكرة جعله ينسى وجود شعب لن يقبل بهذا التغول الكامل. واستمرار افتقاد الخيال هو الذي جعله يرتكب كل ما يؤجج الثورة كلما صمت وكلما تحدث أثناء الاحتجاجات.وافتقاد الخيال هو الذي جعل من يحكمون نيابة عنه يتصرفون بالطريقة ذاتها؛ مواصلين العيش في اللغة بادعاء العمل لصالح البلاد، بلا أية قدرة على إدراك ما يعنيه استمرار العيش في المجاز، بينما لم تتغير العقيدة السياسية والاقتصادية للحكم المباركي، القائمة على أخذ كل شيء وعدم إعطاء أي شيء. المدهش أن خلفاء مبارك لم يكونوا بحاجة إلى الذاكرة التي كان ينبغي أن يتمتع بها رئيسهم المركون كي ينتبه إلى وجود شعب؛ لأن ذلك الشعب لم يكن مرئيًا من الرئيس، حيث يتحرك ـ عندما يتحرك ـ وسط شعب سعيد اخترعه الأمن وانتقاه بعناية. الآن الشعب ليس في الظل كي يحتاج إلى ذاكرة لإدراكه. المطلوب فقط مجرد عين لتراه، ولكن طوال عشرة أشهر لم يكن لدى الضباط أعين لترى الشعب الواقف في الميدان لم يبرح مكانه، وعندما تعثروا في الحشود واجهوها بالعنف المباركي نفسه. ومرة أخرى كان الخيال غائبا إذ لم يدركوا أن الأجساد الفائرة ـ بفعل الكرامة لا توابل الحواوشي ـ ليس من السهل كسب معركة معهم حتى لو داستهم المدرعات.ويبدو أن هذا الاستعصاء على الكسر هو الذي أوجد جنود الحواوشي، وهنا تولد الذاكرة لدى عديمي الذاكرة فيستدعون درس معاوية، بينما لم يتعلموا من درس مبارك. وإلى أن تحدد الكاميرات فائقة الكفاءة والمحققون صورة وأصل المندس على الشباب الذي أطعمهم الأرغفة المعلقة ستظل التهمة معلقة في عنق الحكم القادر القاهر.من المؤكد أن القوى التي تعادي الثورة متعددة وقوية، بل شديدة البأس، ولم يتفوق عليهم الثوار إلا بقوة الحق. ومن صالح الشرف العسكري لحكام مصر أن يتوصلوا إلى من سمم الثوار حتى لا تلصق بهم وصمة القتل غيلة، وإن كانت أساليب معاوية غير بعيدة عن الأداء السياسي الذي يستعيض عن فهم طبيعة الثورة واستحقاقاتها بالمؤامرات السياسية وإثارة الفتن بين الفرقاء السياسيين، بل بين عنصري الشعب المسلمين والأقباط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية