القاهرة ـ «القدس العربي»: بين أزمة تحولت بالفعل لنكبة غير مسبوقة يعيشها الشعب الأكثر وداعة وطيبة في محيطنا العربي، ومحنة اقتصادية توشك أن تنفجر في القاهرة جراء خروج السلع كافة عن السيطرة، ما دفع المصريين للبحث عن بدائل حان وقتها في ظل حوار وطني يبدأ اليوم الأربعاء، ولا تعلق عليه الأغلبية أي أمل، عثرت صحف القاهرة على وجبة دسمة، في القلب منها بالتأكيد توابع المحنة السودانية على مصر. وقد عقد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، يوم الثلاثاء الماضي، اجتماعا موسعا لبحث الإجراءات التي تتم للتعامل مع تداعيات الأحداث الجارية في السودان الشقيق، بحضور وزراء التموين والصحة والنقل، والتضامن الاجتماعي، والهجرة وشؤون المصريين في الخارج. وأكد رئيس الوزراء، أن جميع الجهات المعنية في الدولة تتابع على مدار الساعة تطورات الأحداث الجارية في السودان الشقيق، في ضوء التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لتلك الأحداث على مصر كدولة جوار مباشر للسودان، وكذا في ضوء علاقات الأخوة والأواصر التاريخية والأزلية التي تربط شعبَي مصر والسودان. واستعرض الحضور مختلف جوانب الأزمة الحالية؛ إذ شرح وزير النقل الجهود على المعابر الحدودية للتعامل مع أعداد المواطنين المصريين والسودانيين الذين يمرون من خلال معبري قسطل وأرقين، أما وزير الصحة فاستعرض خطة الطوارئ الصحية، وتشمل إيفاد فرق وتجهيزات طبية على الحدود، وتوفير التطعيمات اللازمة، وكشفت وزيرة التضامن، الجهود الرامية لتوفير مواد إغاثة ووجبات غذائية على الحدود، ودعم سبل العيش للوافدين. وتطرقت وزيرة الهجرة لخطط تأمين عودة المصريين من السودان، وكذا التنسيق مع وزارة التعليم العالي لتوفير البدائل التعليمية المناسبة للطلبة المصريين القادمين من السودان.
ومن أخبار نشرة الغلاء: أطلق جواهرجي يدعى حمدي أحمد علي، في محافظة المنيا، مبادرة تأجير الذهب للعروسين بضمان البطاقة الشخصية، مؤكدا أنه أقدم على تنفيذ الفكرة للتخفيف على العروسين ومساعدة الشباب في إتمام أمور زواجهم. وقال الجواهرجي أن أسعار الذهب ارتفعت بشكل ملحوظ، ما أدى لعثرات تواجه الشباب في إتمام زواجهم. وأضاف، كان بعض الشباب يشترون شبكة الذهب لإتمام الزواج، لكنهم مع مرور الوقت يبيعونها مرة أخرى بسبب حاجتهم إلى المال. وكشف عن أن قيمة إيجار الغرام لمدة شهر 100 جنيه. ومن معارك الساحرة المستديرة: حدد المستشار مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك، شرطا للتراجع عن قرار الاعتذار عن خوض مباراة السوبر المحلي أمام الأهلي، المقرر لها بعد غد الجمعة، في استاد محمد بن زايد. واستدعى مرتضى بعثة الفريق التي كانت بالفعل قد توجهت إلى مطار القاهرة من أجل السفر والاستعداد لهذه المباراة، لتتصدر هذه الأزمة المشهد الكروي في الفترة الحالية، وتهدد بعدم إقامة مباراة السوبر من الأساس، خاصة أن الزمالك قد ينسحب من هذه المباراة، إذا لم تصدر التظلمات قرارا سريعا خلال الساعات القليلة المقبلة. وفي سياق مواز: أوضح مصدر داخل اتحاد الكرة المصري، أن لجنة الانضباط برئاسة المستشار عزت خميس، تتجه نحو تقديم استقالة جماعية للدكتور أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة، خلال الساعات أو الأيام القليلة الماضية. وأوضح المصدر، أن أعضاء لجنة الانضباط، يرفضون بشدة اعتراض مسؤولي الأندية على قرارات اللجنة، التي تضم قامات قضائية كبيرة لها ثقلها في القضاء المصري، وتقف على مسافة واحدة من جميع الأندية، وتحملت المسؤولية في أوقات عصيبة من أجل خدمة الرياضة المصرية.. ومن أخبار الراحلين: توفيت صباح أمس الثلاثاء، الحاجة معزوزة عبدالعاطي صباحي، الشقيقة الكبرى للمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، في مدينة بلطيم، وتم أداء صلاة الجنازة عليها عقب صلاة الظهر في مسجد سيدي فتح في مدينة بلطيم وسط حشد كبيرمن الأهالي.
«اخواتنا نورتونا»
أسفرت المحنة التي يحياها السودان الشقيق عن عمق العلاقة التاريخية بين الشعبين الشقيقين وها هو حمدي رزق يكشف عن بعض أوجه تلك المحبة الخالصة في “المصري اليوم”: صور وصول الجهاز الفني للفريق الأول لكرة القدم في نادي المريخ السوداني، إلى مدينة أسوان، صباح الثلاثاء الماضي، ضمن عملية إجلاء الجهاز واللاعبين الأجانب، بسبب الأوضاع التي يمر بها السودان حاليا- صور الاستقبال في أسوان تفرح القلب، وكأنهم في أم درمان. أتمنى على إدارة النادي الأهلي الكبير، توجيه دعوة استضافة مفتوحة لنادي الهلال السوداني حتى تنزاح الغمة، وفتح أبواب ملاعبه وصالاته، ويسخر إمكانياته ليواصل لاعبو الهلال تدريباتهم واستعداداتهم للمواعيد الكروية المقبلة، حتى يعود الهلال إلى استاد «الجوهرة الزرقاء» ولاعبوه في كامل لياقتهم الكروية. أتحدث عن الأهلي الكبير في قلب مصر الكبيرة التي فتحت أحضانها لاستقبال إخوتنا عبر معبر «أرقين» الحدودي، بكل حب وترحاب، في بيتهم ومطرحهم، ولهم في كل مندرة مقعد، وطبق الطعام يكفي ويزيد.. ولقمة هنية تكفي ميه. الكبير كبير، والأهلي كبير، وفرصة وسنحت لتنقية الأجواء بين الأحمر والأزرق، يُعرف الرجال الأصلاء في الشدائد والمحن، ومصر قال فيها طيب الذكر الشاعر الكبير إسماعيل الحبروك: «تفوت عليكي المحن/ ويمر بيكي الزمان/ وانتي أغلى وطن/ وانتي أعلى مكان/ ومهما كان انتي مصر». ومشتق منها «ومهما كان إنت الأهلي»، زعيم افريقيا، وسلطان السلاطين الكروية في القارة السمراء، على حد قول المعلق التونسي الجميل رؤوف بن خليف، نادي المبادئ الحاضرة في ضمير الأمة العربية، شعبية الأهلي في الوطن العربي الكبير والقارة العتيقة، والعالم، تؤهله لمثل هذه الأدوار الأخلاقية والإنسانية.
بين أهله وناسه
نادي الزمالك وإدارته الوطنية مؤهل تماما وفق ما أكد حمدي رزق لاستضافة زمالك السودان «المريخ»، الذي يصفه بنادي الوطنية يعبر عن نفسه أصدق تعبير في هذه المحنة التي يمر بها الأشقاء في السودان، لا يعبرون مصر إلى غيرها، لا جنوبا ولا شمالا، مصر أولى بهم، وحضن مصر يتسع للأشقاء، وفي مرابع مصر وملاعبها متسع، لكم فيها ما سألتم.. الماضي يحكم الحاضر، وعلاقات الأندية المصرية والسودانية نموذج ومثال، دعك من بعض الإحن والمحن، الثابت أننا نشرب من نيل واحد عذب فرات سائغ شرابه لذة للشاربين. العلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين: بالسوابق يُعرفون، وإذا خُيّر الهلال بين ملاعب افريقيا لاختار ملاعب الأهلي وجمهوره، ولو خُيّر المريخ بين ملاعب القارة لاختار «ميت عقبة» حيث الزمالك العريق، ولمّا خُيرت مصر ممثلة في فريقها القومي لتواجه الجزائر في مباراة فاصلة للصعود إلى نهائيات كأس العالم، اختارت أم درمان، الضلع العريق في العاصمة المثلثة (الخرطوم) لأنها الأقرب إلى القلب. المصري في الخرطوم بين أهله وناسه، والسوداني في القاهرة بين أهله وناسه، والدم ميبقاش ميه، ودمنا من مياه النيل، وشربة ماء من عند جزيرة «توتي» بطعم شربة ماء عند «جزيرة الذهب».. مزاجها من تسنيم يهنأ بها الطيبون.
إثيوبيا تتربص
كان من المفترض وفق ما أشار إليه الدكتور خالد قنديل في “الأهرام” الإعلان عن رئيس وزراء جديد ومناصب أخرى يوم الثلاثاء، الحادي عشر من أبريل الماضي، غير أن هذا الموعد انقضى بعد فشل الطرفين المتقاتلين الآن في التوقيع على الاتفاق الإطاري، بسبب الخلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش، ليشتعل فتيل الحرب، ويندلع الاقتتال في السودان لدق ناقوس خطر في البلد الافريقي، الذي يمتد فوق منطقة حيوية جيوسياسية، حتى إن عدد القتلى منذ اندلاع أعمال العنف على مدار اثني عشر يوما متصلة، قد بلغ 500 قتيل، فيما بلغ عدد المصابين نحو 5000 مصاب، إن لم تكن الأرقام أكبر من ذلك، والأعداد مستمرة بالارتفاع في ظل عدم عمل ما لا يقل عن 25% من المرافق الصحية في العاصمة الخرطوم التي تدور فيها معظم المعارك بين الطرفين، مع تدمير البنى التحتية وانقطاع الاتصال والإنترنت، فمن إذن وراء اشتعال الفتيل؟ وجميع الإجابات واردة بين أطراف داخلية أو قوى خارجية لا ترى الاتفاق الإطاري في مصلحتها السياسية مع السودان. وهناك لا شك تربص للموقف من جهة إثيوبيا التي لها طموح في استغلال مياه النيل، كما أن لها حدودا ونزاعات مع السودان في منطقة الفشقة، ومما لا شك فيه فإن مصير السودان يمثل أهمية قومية لمصر من اتجاهات عدة كدولة جوار شقيقة وتاريخ من العلاقات المتشابكة، فضلا عن أزمة مياه النيل والاتفاقات حولها. ومن هنا يبرز الدور المصري الجوهري في صون السلم والأمن على المستوى الإقليمي، كونه أمن أهم دول الجوار الفاعلة للسودان،، لذا فإن القيادة السياسية تواصل جهودها واسعة النطاق، ومع أطراف دولية مختلفة؛ لوقف تصاعد العنف والقتال في السودان الذي يعرض المدنيين لمخاطر كبيرة ومتزايدة، فضلا عن جهود إجلاء الرعايا، وتشجيع جميع الأطراف على التوصل لوقف لإطلاق النار، ووضع حد لمعاناة الشعب السوداني، والوصول إلى تفعيل الحوار والمسار السياسي، لتجنيب السودان النتائج الكارثية لهذا الصراع على استقراره ومقدرات شعبه، فهل ننتظر انفراجه في الأفق القريب في السودان؟
سلام على سوار
يأبى مصطفى عبيد إلا أن يبكينا على السودان وعقوله وسائر مبدعيه، بل وناسه وأرضه كما فعل في “الوفد”: بِوَلهٍ حقيقيّ أتحسس أخبارها، وبحنين جارف أتذكر وجوهَ أصدقاء ومعارفَ مَدّ الأدبُ والإبداعُ جسورَ تلاقٍ بيننا. تخترق السودان ثنايا القلب، وتتمدد فيه بذكريات ومواقف وتاريخ مشترك يدفعنا لأن نشعر بالأسى لكل نقطة دم تُراق في سبيل السلطة. أتذكر جيدا لقائي قبل نحو عقد ونصف العقد بأعظم سوداني عرفته، كونه شخصا استثنائيا لا يتكرر، ليس في السودان وحدها، وإنما في العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج، وهو عبدالرحمن سوار الذهب. رجل تعرفه قبل أن تعرفه، تصفو روحك له، تشتاق للجلوس إليه، تختبر صدق كلماته في عقلك وروحك، وتتأمل نقاء تعبيراته، لتدرك أنه ما زال هناك نقاء حقيقي على هذه الأرض. ينغرس اسم سوار الذهب في ذاكرتي وتلتصق ملامحه في قلبي حيث كان لي معه أغرب لقاء صحافي مرّ بي في عمري المهني. في شتاء 2007 كُنت في العاصمة السودانية في مهمة عمل صحافية، وطلبت من السفير محمد عبدالمنعم الشاذلي سفير مصر الأسبق هناك، التوسط لي للقاء المشير عبدالرحمن سوار الذهب، وتفضل مشكورا بالاتصال به وتحديد موعد. أول الدهشة بالنسبة لي كانت في تحديد مكان اللقاء في مسجد في ضواحي العاصمة السودانية. وكان الموعد، بعد صلاة العصر، حيث لا صلوات تطوع أو سنن. ثاني ما أدهشني أن الرجل بلا حراس ولا مرافقين، ويقف في الصف الأول بسبب حضوره مبكرا لا لمكانته وشهرته. خلفه، صليت متفكرا كيف طلّق هذا الرجل سحر السلطة حين أتته على طبق ذهبي، واختار أن يُلقي الكرة في ملعب الشعب تختار مَن تريد بشرط ألا يكون هو مرشحا للاختيار؟ صافحته بابتسامة مودة، وجلسنا في أحد الأركان نتحدث بهدوء بعد انصراف المصلين.
نهاية تليق به
آثر مصطفى عبيد أن يستدعي تجربة سوار الذهب عندما كان وزيرا للدفاع في السودان الشقيق، وقامت انتفاضة شعبية ضد الرئيس جعفر نميري عقب سفره خارج البلاد، ووقف الجيش السوداني إلى جانب الناس، ورفض عودة نميري، مقررا الإطاحة به وتسلم الرجل السلطة لمدة عام واحد تعهد فيه بتسليم الحكم للشعب خلال سنة ووفى بتعهده. سألته كيف لم تُغره السلطة، وقد أغرت نساكا وأنقياء وحولتهم إلى جبابرة؟ فأجاب بأن يقينه بزوال كل ما على الأرض دفعه دفعا إلى الوفاء بعهده والانتصار للناس. قُلت له: ماذا لو كان الناس يريدونك؟ فقال إن وسيلة الناس للاختيار هي الانتخابات، وأنا لا يُمكن أن أُسلم البلاد للشعب وأكون أحد خيارتهم. «وفيت بما وعدت. وصُنت البلد في وضع صعب. وغادرت عندما كان لا بد أن أغادر». لمحت زهدا في عينيه ورضا تاما وهو يعرج بالحديث عن مصر وعظمتها وجمالها وطيبة ناسها، ثم يرجوني بصدق ألا أنشر حواري معه، حيث اختار التصوف والبعد عن الأضواء تماما راضيا بما حقق، رانيا نحو حياة أخرى في مكان آخر، تدوم. طلبت أن أصوره، فأبى راجيا بأدب جم أن يبقى حديثنا كرجلين ارتاحا للحديث معا، لا كصحافي ومسؤول. «لست مسؤولا عن شيء، لكننا جميعا مسؤولون أمام الله في يوم قريب». هكذا قال لي وهو يُكرر بأنه سعيد باللقاء الإنساني، وإنه يرجو عدم النشر. عانقته وأنا سعيد برجل يعيش بكيانه في الآخرة. يرنو إليها كأنه يراها. يضعها في كل حساباته حتى حساب ظهوره في حوار صحافي بمظهر جميل قد يحمل شبهة الرياء في العمل. في وصيته المكتوبة رجا أن يُدفن في البقيع في مدينة رسول الله. وأجاب العاهل السعودي رجاءه. ودُفن هناك. فاللهم ارحمه.
«جه يكحلها»
أصر عصام كامل رئيس تحرير “فيتو” على توصيل تلك الرسائل: نقول لمن يدعي الخبرة في شأن من الشؤون «جه يكحلها عماها»، بعد أن يقوم مقام الخبير وتكون النتيجة كارثية، ومن يدعي الخبرة في شؤون «الكُحل» كُثُر، ويرى البعض أن الشخصية المصرية في عمومها تدعي الخبرة في كل مجال وكل شأن. إن سأل سائل عن عنوان لا يعرفه المسؤول فإنه -المسؤول- يستبعد الاعتراف بجهله بما سُئل عنه، وتكون النتيجة أن ما تسأل عنه في شبرا قد ينتهي بك إلى حلوان، وإذا تعطل عندك أمر فإن إصلاحه عبر خبراء الكحل عادة ما ينتهي بك إلى أقرب صندوق قمامة، تلقي فيه جهازك الذي كان ولم يعد بطبيعة الحال. خبراء الكحل ستراهم في الاقتصاد وفي السياسة وفي الصحافة وفي الفن وفي الأدب، ونتائج اجتهاداتهم لا تغيب عن بصيرة المبصرين، ولا يمكن أن تخطئها العين المجردة، والأمثلة تصعد من أعلى مستوى إلى أدنى مسؤول أو مواطن يدعي الخبرة والمهارة، دون وازع علمي، أو حتى منطقي. ومن خبراء الكحل في بلادي من يتولى المناصب، فيصب بخبرته الوهمية النار على الزيت فينقلب الأمر حريقا لا تطفئه مياه ولا حتى ثاني أكسيد الكربون، وهناك من مدعي الخبرة من يصور لك الأمر على نحو من البساطة، بحيث تمضي في طريق لا ينتهي بك إلا إلى الوهم الكبير. وفي كثير من نواحي حياتنا نعيش هذا الوهم وفق رؤى هؤلاء الخبراء الوهميين، وأذكر أنه كان لنا أستاذ في كلية الإعلام يصف لنا بعض مصادر المعلومات بأنهم مثل صنابير المياه المفتوحة دوما، يتحدثون في الصرف الصحي ويدلون بآرائهم في الأدب والفن وفي الكيمياء وفي الذرَّة. وهذا النوع تراه واثقا من نفسه بلا مبرر، وهذا ما يجعل ما يطرحه قابلا للعيش ولو لفترة بين الناس.. نعم ترى الواحد منهم وهو يحدثك عن ملكاته وإمكاناته كما لو كان نبيا منزلا برسالة سماوية، أو كأنه على صلة ببواطن الأمور، باختصار يفهم في كل شيء ويعي كل مكنون ويدرك كل سر. مثل هؤلاء أضاعوا مؤسسات وأضاعوا أحلاما ودفعوا الناس للعيش في وهم لذيذ، وهم يصورون لك الأمر على نحو من السهولة التي تجعلك تبني خططك المستقبلية عليه، وكم من سنوات عشناها كشعب على تلال من الأوهام والأكاذيب، بدأت بالصحوة الكبرى ولم تنتهِ تداعياتها حتى يومنا هذا.
المهم النتائج
يخطئ من يعتقد أن الحوار الوطني حول الأمور السياسية فقط، لكنه وفق ما يرى محمد البهنساوي في “الأخبار” يجب أن يشمل كل القضايا والمجالات، وهذا ما تلمسناه في عمل مجلس الأمناء، فقد جاءت لجانه واجتماعاتها لتشمل المحور السياسي بالطبع ومعه أيضا الاجتماعي والاقتصادي، وتفرع كل محور لعدة لجان بلغ مجموعها 19 لجنة، أي أنه يشمل كل ما يعن للمصريين في المحاور الثلاثة الرئيسية، ومن هنا نتفهم، بل نتوقع طول وانفتاح جلساته ومناقشاته، لكن بالطبع انفتاح مدروس يتلافى بكل السبل أن يحوله البعض إلى مكلمة ومجلس خطابة، انفتاح يضمن دقة وتعمق المناقشات وصولا لمخرجات قوية تليق بما نتمناه جميعا لجمهوريتنا الجديدة، وهنا يجب أن نتوجس تجاه بعض النقاط ونحذّر منها المشاركين في الحوار، وكذلك أطياف شعبنا الطيب، أولاها مسؤوليتنا جميعا في مقاومة كل أنواع الدعايات المضادة التي واجهت وسوف تواجه حوارنا الوطني، فالمتربصون بوطننا يؤرقهم بشدة أي خطوة نخطوها للأمام، وسوف يواصلون مسعاهم الذي ندعو الله أن يخيب بتشكيك المصريين في أهمية الحوار وجديته وجدواه، النقطة الثانية أننا يجب أن نحترم جميع مخرجات الحوار وما سيتوصل إليه، حتى لو اختلف البعض معها، ونثق في أنها الرأي السديد المفيد لمصرنا الغالية، ترتبط بهذا نقطة مهمة للمشاركين في الحوار، فكل يطرح رؤيته، وأفكار الجميع زاد وقوة والخلاف حولها صحي ومطلوب، لكن لا يعتقد أي شخص مهما كان أن رؤيته حل لا يقبل الخلاف ويجب الأخذ به، وإلا فلماذا سميناه حوارا؟ ندرك ما بذله مجلس الأمناء من جهد الفترة الماضية للم الشمل وفتح باب المشاركة للجميع، لكننا نطالبهم بمزيد من الجهد مع البداية الحقيقية للحوار، وهنا أراهن على ما أعلمه عن أمين عام المجلس الكاتب الصحافي المخضرم ضياء رشوان من صبر ومثابرة وسعة صدر وأفق، وكل هذا مطلوب لضمان جدية الحوار وانفتاحه على الجميع، ليجني وطننا ثمار هذا المشروع القومي المهم.
اليأس مشروع
عماد الدين حسين يبوح في “الشروق” بما يراه بشأن مستقبل الحدث الذي تنتظره النخبة: الحوار الوطني الذي يفترض أن يبدأ اليوم الأربعاء 3 مايو/أيار لن يحقق معجزة، لكنه قد يفتح كوة وطريقا وبابا للأمل يقود بدوره إلى انفتاح محدود أو شامل، ما يؤدي إلى تحقيق التوافق في المجتمع، وبالتالي التنفيس عن المشاكل، خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية الصعبة والتطورات العالمية والإقليمية المتسارعة، وبالأخص ما يحدث في السودان الشقيق. عدد كبير من الذين يتناولون الحوار الوطني لديهم إما رؤى مثالية حالمة، وإما رؤى يائسة متشائمة، وظني أن كلتا الرؤيتين خاطئتان، وربما تكون الإجابة الصحيحة كامنة في منطقة ما في المنتصف. ما سبق هو وجهة نظر شخصية مستمدة من حضور كل جلسات الحوار الوطني الـ23 منذ الجلسة الأولى التي عقدت في الأسبوع الأول من يوليو/تموز الماضي وحتى الجلسة الأخيرة التي عقدت مساء الأربعاء الماضي، واستمرت 8 ساعات كاملة. الخلاف بشأن التوقعات من الحوار الوطني، هو خلاف موجود بشأن العديد من القضايا المهمة التي تشغل مصر، في الماضي والحاضر. معظمنا يفكر بطريقة عاطفية يمينا أو يسارا، ويتخيل أن حلول القضايا المزمنة يمكن أن تتم بقرار أو قانون أو «كبسة زر» كما يقولون. ولا يريد هؤلاء تصديق أن هناك أزمات هي حصيلة تراكم مشاكل لعقود طويلة وحلها يحتاج إلى وقت وجهد ومال، والأهم تغيير ذهنيات وعقليات. لا أقول الكلام السابق من أجل إشاعة روح اليأس والإحباط في قلوب المطالبين بالتغيير، بل أتفق معهم في ضرورة بدء الإصلاح في أي ملف يعاني الأزمات.
كفاكم أحلاما
دعا عماد الدين حسين إلى تحكيم العقل والتحلي بالواقعية ونحن نناقش أي قضية، بدلا من الهروب إلى الأحلام والتخيلات التي لا تقود لشيء. لو طبقنا القاعدة السابقة على الحوار الوطني، لوصلنا إلى حل وسط يقول إن السياسة كانت قد أصيبت بما يشبه الشلل ما بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013، وحتى إطلاق الرئيس عبدالفتاح السيسي للحوار الوطني في إفطار الأسرة المصرية في 26 أبريل/نيسان من العام الماضي، وبالتالي فإن بدء الحوار وجلوس ممثلي الأحزاب والنقابات والمؤسسات والقوى السياسية والمجتمعية المختلفة إلى مائدة واحدة، هو في حد ذاته تطور مهم حتى لو كان في نظر البعض ضئيلا. وحين تؤدي هذه المشاورات واللقاءات والاجتماعات إلى حلحلة في الشهد السياسي، بل الإفراج عن أكثر من 1400 من المحبوسين على ذمة قضايا الرأي فهو أمر مهم. والمتشائمون لا يرون أي شيء إيجابي، طالما أن ما يطالبون به من مطالب تعجيزية لم يتحقق. والمثاليون في الناحية المؤيدة للحكومة يرون أن ما حدث هو أفضل شيء على الإطلاق وأنه يكفي تفضل الحكومة بالجلوس مع بعض المعارضين. في حين أن الواقعيين يرون أن ما حدث أمر طيب، لكنه ليس اختراقا، وأنه يمكن البناء على ما تحقق ولو كان قليلا لتحقيق مطالب أخرى بالتدريج. السياسة كما تتم ممارستها في العديد من بلدان دول العالم لا تعرف الحلول القاطعة، ولا تعرف أيضا تحقيق المطالب في التو واللحظة. ومن يمارسونها يدركون أن هناك تعقيدات كثيرة تمنع تحقيق كل يتمناه المشاركون، وبالتالي فعلى الجميع حكومة ومعارضة وخبراء أن يلتقوا جميعا في مكان ما في المنتصف. على سبيل المثال فإن المتشائمين واليائسين في بعض قوى المعارضة، لا يدركون أنه حتى داخل بعض الوزارات والمؤسسات والهيئات في الحكومة آراء ورؤى وأفكار مختلفة، قد تجعل صدور بعض القرارات تحتاج إلى وقت ونضج وظروف مختلفة.
والمثاليون في الجهة الأخرى ينكرون على المعارضة أنها تطالب أحيانا ببعض الضمانات ـ وليس الشروط ـ حتى تستطيع إقناع أعضائها وكوادرها بجدوى المشاركة في الحوار الوطني.
لن ننسى
يأتي شهر أبريل/نيسان من كل عام ليذكرنا كما أشار أحمد عبدالعزيز في “المشهد” بجرائم الكيان المحتل المتعطش للدماء، ففي الثامن من هذا الشهر كانت مذبحة بحر البقر، ثم مذبحة دير ياسين في التاسع من الشهر نفسه، وتمثل هذه الذكرى جرحا مؤلما للعرب والمسلمين في كل مكان، خاصة في ظل عدد الضحايا الذين راحوا جراء هذه المذابح، حيث تتراوح الأرقام ما بين مئة شهيد و350 شهيدا في مصادر أخرى، طبقا لبيان حركة حماس الصادر بمناسبة ذكرى مذبحة دير ياسين، أما مذبحة بحر البقر فكان ضحاياها 30 شهيدا و50 جريحا من أطفال أبرياء في مدرسة بحر البقر، وظلت عارا يلاحق الكيان المجرم الذي لم يتوقف عن جرائمه وتعطشه للدماء. شهد هذا الشهر أيضا مجزرة قانا اللبنانية الأولى، حيث وقعت يوم الخميس 18 أبريل عام 1996، وأعقبتها سلسلة من المجازر في المكان نفسه، تحت مرأى ومسمع من العالم. وراح ضحيتها 106 شهداء، المجزرة الأخرى مجزرة جنين، التي استطاع الفلسطينيون أن يحوّلوها إلى ملحمة بطولية من الصمود حتى الشهادة، ووقعت في 14 أبريل/نيسان 2002، ووصفت بـ”أنها تفوق الخيال والوصف” حسب تيري لارسن مندوب الأمين العام للأمم المتحدة وخروجها عن كل ما هو مألوف وموجود في الحياة البشرية، فضلا عن عدة مذابح أخرى تلت مذبحة دير ياسين شملت عدة مدن على مدار الشهر نفسه، وهذا يعكس وحدة الدماء العربية ما بين مصر ولبنان وفلسطين، وأن المجرم لا يستثني أحدا.
جرائمه لا تنسى
لم تقف جرائم الاحتلال عند هذا الحد فتواصلت، كما أحصاها أحمد عبد العزيز مرورا بجريمته البشعة بدفن الأسرى المصريين أحياء عقب حرب يونيو/حزيران 1967 وبمذبحة صابرا وشاتيلا الشهيرة في لبنان عام 1982عقب حرب شاملة قادها جيش الاحتلال ضد المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتجرد من كل مشاعر الرحمة عندما مارس كل أنواع الإجرام ببقر بطون الضحايا، وغيرها من جرائم التمثيل بالجثث. ودوّن سجل جرائمه استهداف الأطفال أيضا، وأشهر واقعة تلك التي استهدف فيها الطفل محمد الدرة وما تلاه من استهداف عدد من الأطفال الآخرين في حروب الكيان المحتل ضد غزة، وصولا إلى مذابحه مؤخرا في الضفة، خاصة جنين ونابلس وبشكل يومي تقريبا وهذا يعكس تعطشه للدماء. لكن اللافت للأسف تراجع الاهتمام بهذه المناسبات التي تذكرنا بجرائم هذا المحتل، اللهم على بعض صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن لا يوجد اهتمام رسمي أو شعبي، بمعنى إقامة ندوات ومؤتمرات وتنظيم وقفات وخلافه، مما كنا نشهده في هذه المناسبات، وتذكير الأجيال الجديدة بها حتى تعرف حقيقة هذا الكيان المجرم ومن هو المتعطش للدماء، بل للأسف هناك صمت ليس على جرائم الماضي فقط، بل جرائم الحاضر أيضا، ومنها الاعتداء على حرمة المسجد الأقصى، وما يجري كل يوم من اقتحامه وإخراج أهله منه بالقوة، والضرب المبرح، سواء لمعتكفين أو معتكفات واعتقال البعض الآخر، بل حماية المتطرفين في اقتحامهم للأقصى، إنه العار الذي يلحق كل نظام عربي وإسلامي يتقاعس عن نصرة الأقصى ويتناسى جرائم الكيان الغاصب. على الأمة جمعاء دور كبير في التذكير بهذه الجرائم وتعريف الأجيال القادمة بها، لأنها هي التي تحدد بوصلتهم وتجعلهم يتذكرون قضية أمتهم دائما، والثمن الذي دفع فيها من ضحايا أبرياء وشهداء قدموا أرواحهم فداء لهذه الأمة ودفاعا عن فلسطين والأقصى، يجب أن يعرف التلاميذ في جميع المدارس العربية والإسلامية، أن هناك زملاء وإخوة لهم ماتوا جراء قصف صهيوني لمدرسة مصرية في داخلها تلاميذ في عمر الزهور.
البحث عن وعي
التعليم يساوي الوعي، فإذا لم يولِّد التعليم وعيا فالمحصلة من وجهة نظر الدكتور محمود خليل في “الوطن” صفر.. وواقع الحال أن التعليم داخل العديد من الدول العربية لا يستهدف بناء وعي الدارس بالواقع الذي يعيش فيه، وأساليب التعامل الأمثل مع معطياته وثرواته وإمكانياته، وكيفية تطويرها. ولا يهتم بتوفير الأدوات التي تمكِّن المتعلم بعد ذلك من امتلاك ناصية التفكير العلمي من ناحية، أو القدرة على تطبيق النظريات العلمية في النهضة بالواقع من ناحية أخرى. التعليم داخل أغلب بلدان العالم العربي وسيلة للحصول على الشهادة ليس أكثر. في كتابه «مجتمع جديد أو الكارثة» تحدَّث الراحل زكي نجيب محمود عن التعليم الذي يمكِّن الدارس من امتلاك الأدوات التي تساعده على تطوير ذاته والنهوض بالواقع الذي يعيش فيه. تحدَّث عن «تعليم الرياضيات» الذي يؤدي إلى امتلاك الدارس لنظرة رياضية للواقع، والتفكير الرياضي في حل ما يواجهه من مشكلات فيه، وليس التعليم القائم على رص نظريات الهندسة أو أسس الجبر. تحدَّث عن «تعليم التاريخ» الذي يولِّد لدى الفرد القدرة على استخلاص القوانين التي تحكم حركة الأحداث، والوقوف على العبر منها، بحيث لا تكرر الشعوب أخطاء سبق ووقعت فيها. هناك عقد اجتماعي غير معلن بين السلطة والمجتمع داخل البلاد العربية على أن هذا النوع من التعليم غير مرغوب فيه، وأن المطلوب تحديدا هو «الشهادة» ولا شيء آخر، وإذ كان ثمة من مصلحة للمسيطرين داخل الواقع العربي على تغييب الوعي.. فما هي مصلحة الشعوب في المساهمة في ذلك؟
يملكون ورقة
انتهى الدكتور محمود خليل عند تلك الحقائق الصادمة: الأسر العربية التي تتكالب على الدروس الخصوصية لا تريد لأبنائها تعليما يؤدي إلى الوعي بل إلى شهادة. المجتمعات التي تفرح بحالات الغش الجماعي لا تبحث لأولادها عن تعليم حقيقي، بل عن ورقة يدخلون بها الجامعات، ليتخرجوا فيها كما تخرجوا في المدارس، لا يملكون عقلا ولا فكرا ولا معرفة ولا أدوات في مواجهة الواقع، بل يملكون ورقة، مجرد ورقة، اسمها شهادة. مسألة الحرص على حيازة «الشهادات» لم تعد مقصورة على الأسر أو الأفراد المتعلمين، بل امتدت إلى المسؤولين عن التعليم حتى داخل الجامعات. فرؤساء الجامعات الذين يبحثون عن موقع متقدم في تصنيف يصفونه بالعالمي (وقد يكون غير ذلك) هم يبحثون عن شهادة، والمسؤولون عن التعليم في شقيه المدرسي والجامعي الذين يتحركون في عملهم معتمدين على «شلة إعلاميين» أو «شلة صحافيين» يبحثون عن شهادة، والأساتذة الذين يشاركون في مؤتمرات -الله أعلم بجدواها- ويلتقطون الصور السيلفي ويضعونها على صفحاتهم، هم يبحثون عن شهادات افتراضية من أصدقائهم ومحبيهم. التعليم الذي لا يؤدي إلى إضاءة العقل بالوعي، وتوفير أدوات التطوير في اليد، ليس له مردود إيجابي على الواقع.. وخروج الشعوب العربية من أزمتها الحالية يفرض عليها أولا أن تصحح مفاهيمها حول التعليم وأهدافه ونواتجه، وأن يستوعب أفرادها أن جوهر الثروة في التعليم هو «العلم»، وليس الشهادة، أو ما يجلبه على صاحبه من مكتسبات، وأن يلتفتوا إلى محاربة الأمية بشكل حقيقي وليس دعائيا، ويعيدوا إلى التعليم المهني هيبته وقيمته، ويتفهموا أن الشعوب التي سبقتهم إلى المستقبل حرصت في البداية على امتلاك أداة التعليم، وبنت بها الواقع، ثم انطلقت نحو المستقبل.