جنون لطيف في رواية «عاشق الكتب»

تدوين تجارب القراءة هو محور لمذكرات الأدباء والمشاهير، فالحديثُ عن التكوينِ المعرفي يتطلب استعادة الروافد الثقافية والمصادر التي صقلت الفكر وكانت عاملاً لانطلاقات في درب المعرفة. هنا يمكن الإشارة إلى ما سرده المفكر المصري سلامة موسى في كتابه «هؤلاء علموني» إذ يذكر طبيعة دور وتأثير نخبة من الكتاب والمفكرين على مسيرته، كذلك فإنَّ سيرة الكاتب العراقي علي حسين هي ما قرأه، فهو يقول في مقدمة كتابه «غوايات القراءة» (عندما أكتب عن الكتب وأستذكر مؤلفيها، لا يمكنني غض الطرف عن الروابط العاطفية بيني وبين الكتب والقراءة). وكان جامع الكتب يوجين فيلد قد تعودَ على محادثة كتبه كل يوم باعتبارها كائنات تفيض بالمشاعر والعاطفة، وحلت المكتبة مكان المعبد بالنسبة لجان بول سارتر.
إذن تتعمق العلاقة الوجدانية بين القارئ والكتب إلى أنْ تصبحَ قصة الكتب متواشجةً مع تفاصيل الحياة والسيرة الشخصية، يشيرُ الكاتب المصري شاكر عبدالحميد إلى أنَّه بدأ  القراءة  في المرحلة الثانوية، وبينما كان  يمشي في الشارع فإذا به يجدُ جنيهاً وأولُ ما فكرُ فيه آنئذٍ هو شراء الروايات، بما رمي إليه الحظُ. وهذا يعني أنَّ جمع الكتب واقتناءها يكونُ هاجساً لدى القارئ، ويزدادُ الشغفُ بالتدرجِ وينفتحُ أفق القراءة على عناوين جديدة، وكل كتاب هو عبارة عن الحلقة في سلسلة اختيارات لامتناهية في غابة المعرفة، والحالُ هذه فمن الطبيعي أن تتحولَ القراءة والهوس بالكتب موضوعاً لعدد من الروايات والأفلام السينمائية، ناهيك من نشر يوميات القراءة على غرار ما قدمه الكاتب الأرجنتينى ألبرتو مانغويل في بعض إصداراته. وتنزل رواية «عاشقات الكتب» لمؤلفتها الأمريكية أليسون هوفر بارتليت في صنف الروايات التي تتناول الانسياق وراء رغبة جمع الكتب، ونهم البحث عن العناوين النادرة، والدوافع وراء الولع بالكتب. ويستمدُ هذا المنجز الأدبي فرادته من تغطيته للصراع المحتدم بين باعة الكتب واللص جون جيلكي، الذي يتحينُ الفرص لاصطياد الكتب الثمينة.

الأجندة

 ما يكسي النص مزيداً من التشويقِ هو، انتظام مواده في سياق السرد الاستقصائي. إذن فإنَّ آلية الروايات مطعمة بالحس الصحافي، وهذا يعكسُ في رشاقة الأسلوب وترتيب محتويات الرواية في وحدات مترابطة، أكثر من ذلك يتناوب السرد الموضوعي والذاتي على مفاصل العمل، شأن معظم الروايات المكتوبة بنفس صحافي، حيثُ لا يغيبُ صوت المؤلفُ، وبالتالي قد يتبدلُ نوع الضمير من المتكلم إلى الغائب. ويتضحُ المنحى الصحافي من خلال تقصي الساردة لأخبار سارق الكتب، وتسجيل الملاحظات في دفترها، كما تظفرُ باستجواب جون، ومعرفة البيئة الأسرية التي نشأ فيها، مع إضافة معلومات عن طبيعة المكان التي ألقت تأثيرها على سلوكياته، فجون ولد في موديستو التابعة لولاية كالفورنيا، والمعروف عن هذه المدينة هو تسجيل أعلى معدلات سرقة السيارات فيها. وتردُ في إطار الرواية عناوين الكتب التي  يفضلُ جون قراءتها عندما كان طفلاً، إذ أعجب بشخصية ريتشي وهي غريبة المظهر تلهب خيال الأطفال وتستويهم إمكانية حصولها على ما تريد بأقل جهدٍ. كما أنَّ أحد كتبه المفضلة حسب ما تنقلُ عنه الساردةُ هو، موسوعة الجرائم المصورة. والأهم من ذلك هو الإبانة عن الفلسفات والشخصيات الفكرية التي يتابعها جون، إذ يجذبهُ أتباع الفلسفة الوجودية، لأنهم أعلنوا عجزهم التمييز بين الصواب والخطأ، وذلك ما يفسرُ رغبته لاقتناء كتاب جين آيريس عن جان بول سارتر، لا يتجلى الحس الصحافي في تتبعٍ بارتليت لشخصية جيلكي، وتوثيقُ ما يقولهُ عنه أصحاب المكتبات والمتاجر وحسب، بل تظهرُ بوجهها المهني الأوضح عندما تزورُ أمهُ كورا التي تحملُ زوجها مسؤولية تورط الابن في عمليات السرقة، راجيةً من ابنتها تينا بإيماءة تأييدها في الرأي.
هنا يتمُ التعرف على جانب آخر من شخصية جون، الذي يخلقُ القصص وحبكها داخل رأسه حسب كلام كورا، ويبدو أنه قارئ نهم يكملُ كتاباً في يوم واحد، يذكر أن بارتليت كلما تسألُ جون عن الكتب التي تعجبه لا يرشحُ عنواناً بعينه، بل يلفتُ إلى الناحية الجمالية قائلاً «إنها متعة بصرية الطريقة التي تبدو بها الكتب وهي متراصة على الرف». وما يشدُ الانتباه، الأطوار التي يمرُ بها جون يفاجئ الصحافية حين يخبرها بأنَّه يحضرُ دروساً في «كلية قرية» ملتحقاً بقسم يختص بفلسفة نيتشه، إذن شخصية جون مركبة، ويتقمصُ أدواراً متعددة، ويتمكنُ من تزييف بطاقات الإئتمان وبيانات الإيصال مناوراً من خلال الهاتف العمومي متنقلاً بين الفنادق للتمويه على شخصيته. ويشهدُ له زملاء العمل بالمهنية واللباقة. كل ذلك يؤكدُ وجود مواصفات استثنائية في تركيبة جون تضعه في صف الشخصيات الدرامية المتعددة الأبعاد وهذا ما حدا ببارتليت لإسباغ موقع الاستقطاب الدلالي عليه في متن الرواية.

إذا كان الهوس بالكتب نوعاً من الجنون، فهو جنون لطيف ولاعجب لمن حلَّت به هذه الفضيلة مقاضاة كثير من مصادر المتعة بالنزهة بين رفوف الكتب.

مصهر سردي

يتميزُ النص الروائي بمرونته في استخدام المقتبسات، وانفتاحه على القصص الفرعية ضمن قصة الإطار، وبذلك يكونُ المجال متاحاً لمتابعة سلسلة من الوقائع والأحداث المتفاوتة على المستوى الزمني وقد تكون متقاطعةً من حيثُ ما يرمي إليه المؤلف من الإبانة عن الظواهر والتقاليد، التي لا تنفصل عن الكيانات البشرية. لا تكتفي هوفر بارتليت برصد حركات جيلكي وزيارته في السجن واستجوابه، وتضمين عملها إحصائيات عن سرقة الكتب، وهي أكثر انتشارا من سرقة اللوحات الفنية، بل زيادة على كل ما سبق ترى نتفاً عن حياة بعض باعة الكتب، ورأيهم حول ما يحددُ قيمة الكتاب تنقلُ الساردة عن صاحب المتجر ساندرز قوله، إن التمرس والاطلاع  يحددان قيمة الكتاب الذي يختاره، مضيفاً أن قيمة الكتب بشكل كبير تعتمدُ على الموضة الأدبية والأذواق، وتتسعُ الحزمة السردية لقصة سليليا ساك، صاحبة متجر بيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، وما أن تتبادلَ بارتليت أطراف الحديث مع ساك، حتى تدرك ثقافتها الأدبية العميقة وتتفاجأُ عندما تزور شقتها بأنَّ غرفة الطعام قد تم تحويلها إلى مكتبةٍ تغطي الجدران بالرفوف الممتلئة بالكتب. وتضيفُ هوفر قصة سيرانو الذي كان يعملُ سائقاً للشاحنة وهو في الثالثة والعشرين من عمره، واشترى في ذلك الوقت أول كتبه الثمينة بمئة دولار، وما انفك يرتادُ على مزادات بيع الكتب، والحصول على التحف الثمينة بالنسبة إليه غاية تعطيه سبباً للحياة. والأغربُ مما يردُ بين طيات الرواية عن هوس بالكتب، هو قصة الراهب الإسباني دون فيست الذي عندما فشل في اقتناء كتاب يضم قرارات ومراسيم خاصة بفالينسيا، يقومُ بإحراق خصمه في المزاد، ويعاقبُ بالإعدام.
ولم يتوانَ غوليلمو ليبيري  من انتهاز مقامه العلمي لسرقة عدد كبير من الأعمال النادرة، وبيعها بمبالغ طائلة. ومن الأحداث الطريفة التي يرويها ساندرز أن زوجة أحد أصدقائه بدأت تبيع كتباً، وتجلبُ كل أسبوع رزمة من العناوين ومع تكرار عادتها تزدادُ كمية الكتب، ومن ثمَّ يكشفُ بأنها لصة الكتب، وعندما تغادر المتجر تسرقُ بضاعة جديدة. ما يجبُ الإشارة إليه ونحن بصدد الحديث عن فيض القصص في رواية «عاشق الكتب» أنَّ بارتليت نجحت في الموازنة بين الحس الصحافي والمذاق الأدبي، في سبك فصول الرواية، كما أنَّ وفرة المعلومات عن المكتبات الموجودة في أمريكا وأسواق الكتب، وما تعنيه الأعمال الأدبية الأثرية على المستوى الحضاري والاقتصادي والنستولوجي بالنسبة للمواطن الأمريكي، تضيفُ بعداً معلوماتياً إلى الرواية، فإضافة إلى عنصر المتعة تضعُ القارئ أمام وجه آخر للمجتمع الأمريكي، وتفيد بأن الكتاب لايزالُ قواماً للمجتمعات المتحضرة. إذا كان الهوس بالكتب نوعاً من الجنون، فهو جنون لطيف ولاعجب لمن حلَّت به هذه الفضيلة مقاضاة كثير من مصادر المتعة بالنزهة بين رفوف الكتب.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية