جنون واستقالة تامة للعقل: من ليس مثلنا يجب أن يموت!
هويدا طهجنون واستقالة تامة للعقل: من ليس مثلنا يجب أن يموت!لابد أن نعترف أن لدينا مشكلة كبيرة في فهم علاقة الإنسان بالدين والتدين والمتدينين و.. غيرهم، علي مستوي النخبة أو علي مستوي البسطاء أو علي أي مستوي ترونه، هناك كارثة ثقافية في العقل العربي عموما والمصري علي وجه الخصوص تسربت إلي الجينات المكونة للناس والمجتمع، (أو كانت كامنة فيه.. وابتلي جيلنا بصحوتها!) كارثة تتلخص بأن كل منا ليس فقط يعتقد أن ما يدور برأسه (هو).. هو وحسب.. هو الصواب المطلق.. وإنما يعتقد أن الآخرين (لابد أن يعاقبوا) بأقسي العقاب.. فقط.. فقط.. لأنهم ليسوا مثله! شعوب كثيرة غيرنا وضعت لنفسها قاعدة (حرية الاعتقاد مكفولة) والتزمت بها، أما نحن.. أما نحن فلا يُرضي أيا منا إلا أن يكون الآخرون (مثله) أو ليكن مصيرهم جحيما.. وحسب قوة وسلطة كل منا تكون شدة الجحيم، هذا والله.. شيء مقرف! الملحد يحتقر المتدينين ويظن نفسه وصل إلي الحقيقة دونهم.. (بالطبع لا يقتلهم.. لأنه في الواقع لا يملك ذلك)! والمتدين لا يكتفي بتمني قتل الملحد وإنما يسعي إلي التلذذ بالتمثيل بجسده.. ويظن أنه دون الجميع (تيقن من العلم بالحقيقة المطلقة) لمجرد أنه ورث من أبيه كتابا مقدسا أيا كان الدين الذي يقدسه. الأسبوع الماضي لم يكن ممكنا أن تفلت دقائق من هذا الوباء.. وباء رفض بقاء (المختلف) حيا! رفض يصل إلي حد قتله أو المطالبة بقتله.. في العمل وفي المقاهي وفي كل مكان تذهب إليه.. تجد نقاشا عن (فسطاطي الكفر والإيمان)! تهرب من هذا الجنون وذلك الشغف بتمني قتل الآخر لتجد نفسك وجها لوجه أمام (فضائيات العرب)! برنامج العاشرة مساء علي قناة دريم التقي مرة حافظ أبو سعده (حقوقي) وحلمي النمنم (صحافي) ومصطفي بكري وهو (صحافي أحيانا ومحارب مغوار أحيانا وشيخ بلا عمامة أحيانا أخري وواثق في حكمة الرئيس دائما!) وذلك لمناقشة الحكم الصادر علي عبد الكريم نبيل سليمان (شاب في العشرين من عمره يحرر مدونة علي الانترنت يقول فيها أراءه في الدين والسياسة.. صراحة! وهذه هي ـ صدق أو لا تصدق.. هذه هي التهمة!).. الحكم كان السجن ثلاث سنوات بتهمة (ازدراء الأديان) وسنة أخري بتهمة (إهانة الرئيس)!، ومرة أخري في يوم آخر استضاف نفس البرنامج الدكتور شريف حتاتة لمناقشته في أمر خبر صحافي عن هروب زوجته الدكتورة نوال السعداوي من مصر.. بسبب تهديد المتدينين المتطرفين بقتلها (لاعتقادهم) أنها كافرة.. أي (ليست مثلهم)! وبرنامج علي الهواء في قناة الصفوة ـ إحدي قنوات أوربت ـ استضاف قسيسا واثنين آخرين من مسيحيي مصر علي خلفية تبادل الاتهامات مؤخرا بين نخب قبطية كل منهم يكفر الآخر! وبعضهم يهدد بقتل البعض الآخر أو يشكو أن ذلك البعض الآخر يحرض علي قتله! وإذاعة BBC البريطانية في يوم آخر ناقشت حرية الاعتقاد والتعبير علي خلفية قضية المدون عبد الكريم نبيل سليمان، وبرنامج القاهرة اليوم ناقش أيضا مسألة خبر هروب دكتورة نوال السعداوي… واتصل بها هاتفيا للاستيضاح! باختصار.. أينما تولوا وجوهكم ثمة اتهام بالكفر.. ثمة تهديد بالقتل.. ثمة جنون واستقالة تامة للعقل.. ثمة دوران في فلك (مكر القدماء) بنبذه تارة والوقوع في فخه تارة أخري، أنت مهدد بالقتل لأنك لست نسخة ممن يهدد.. ثمة قضية في انتظارك ومحكمة واتهامات ولحي.. متهَمة أو متهِـمـِة! حقيقة.. هذا شيء يثير الغثيان.. عندما اتصل برنامج العاشرة مساء بأخ المتهم عبد الكريم نبيل سليمان قال ذلك الأخ إنه وأسرته يتبرأون منه.. وزاد بأن قال إن (ديننا أهم عندنا من أخويا) ثم زاد وزاد بأن قال (الإسلام لا يعرف الحكم بالسجن.. لازم المشايخ همه اللي لازم يحكموا عليه بحكم الإسلام مش المحكمة) أي أن هذا الأخ لا يرضيه أن يسجن أخوه وإنما يتمني له أن تقطع يداه ورجلاه من خلاف! قالت مذيعة البرنامج مني الشاذلي إن الصحافة تقول بأن والدة المتهم (المؤمنة) طالبت بإعدام ابنها! فقال الأخ متكرما علينا ـ نحن المشاهدين البؤساء الذين يستمعون إلي كل هذا الهراء ـ قال إن والدته (غلبتها الأمومة فأرسلت إلي ابنها في السجن ساندويتشات)! بالطبع كان هناك رأي آخر في البرنامج عندما اعتبر حلمي النمنم الصحافي الضيف أن المتهم الشاب الصغير الطالب في جامعة الأزهر هو ضحية الأزهر، وقال إن (الجريمة هي جريمة الأزهر كيف تتقدم الجامعة ببلاغ عن طالب فيها تتهمه أنه كافر. هذا فشل لجامعة الأزهر.. وهذا الطالب هو ضحية ما تدرسه هذه الجامعة وضحية أسرته السلفية المتشددة.. هذا الطالب مأزوم نفسيا ولا يجب أن يكون متهما) لكن بالطبع ضاع صوت حلمي النمنم أمام غضنفر يذود عن الدين بحنجرته.. حيث عبر مصطفي بكري عن ضيقه من الحكم علي هذا الشاب بالسجن أربع سنوات فقط.! ومثله في ذلك كان معظم المشاهدين.. الجميع تأفف من (أربع سنوات سجن.. فقط).. الجميع عبر عن (رغبته) أن يري دم ذلك الشاب أو يشربه.. عندما بدأت اتصالات المشاهدين لم يكن ممكنا إلا أن تستمع في ذهول إلي هذا الذي يخرج من ألسنة الناس.. هذا العطش إلي دماء المختلفين معهم! أي شعب هذا؟ أي بشر أنتم؟ ليس هذا الشاب فقط هو المأزوم في مجتمعنا المختل ثقافيا المختل عقليا المختل إنسانيا.. بل كل مجتمعنا مأزوم نفسيا.. مريض.. ضحية لمكر القدماء حينا.. وحينا آخر ضحية لشغف المحدثين بالسلطة والثروة علي أجنحة ما تركه القدماء من أديان ومعتقدات وثقافات، عندما ُسئل الدكتور شريف حتاتة عن سبب ضيقه وضيق زوجته الدكتورة نوال السعداوي مما يجري في مصر قال الرجل واليأس يملأ وجهه إن الردة والتخلف يغمران مصر حتي صارت (بلدا لا يطاق)، ربما يكون ضيق الدكتور حتاتة في محله.. ففي هذا الجو الخانق.. أي أحلام تلك التي نحلم بها عن الحرية والديمقراطية و…. أي هراء هذا؟! تحلم بالحرية في بلد يتأسف فيه أخ لأن أخاه حكم بالسجن ولم تقطع يداه ورجلاه؟! أي حرية نتحدث عنها ونحلم بها؟ أتعلمون؟! أحلامنا هذه هراء!.. يمكن أن نصرخ ونقول.. الإنسان يولد حرا من حقه أن يعتقد فيما يشاء.. (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)! هكذا يجب أن تكون علاقة البشر مع الدين.. هذا حق مكفول للجميع سواء طبقا لما قاله القرآن الكريم.. أو ما قالته أي من الديانات في مراحل صفائها.. وقبل أن تتحول إلي (جين شراسة) يجري في دماء الناس، أو طبقا لما توصل إليه الفلاسفة والمفكرون من القول بأن (حرية الاعتقاد) مكفولة للجميع.. وإن كان القرآن بالطبع أبلغ وأعمق عندما جاءت الآية بتحديد أكثر دقة من مجرد حرية الاعتقاد.. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، أي أن.. كل هذا الشغف بالقتل الذي يحدث باسم الدين لا يمكنه أن يحرم الإنسان من أي حرية حتي حرية الكفر! لكن للأسف .. في مصر.. حيث كلنا مأزومون نفسيا ومجتمعنا مختل ثقافيا وإنسانيا فإنك تتساءل.. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…. فين؟ في مصر؟! مصر التي يمر زمنها بالمعكوس.. كلما تقدم زمن الناس إلي الأمام تتقدم هي إلي الخلف؟ حرية اعتقاد؟ فين.. في مصر؟ أمامك وقت كاف للصراخ إذن.. .إلي اللقاء بعد عشرة قرون!تعديل الدستور المصري علي الفضائيات:دستوركم يا أسيادنا! في برنامج العاشرة مساء نوقشت التعديلات الدستورية ولكن.. مع أناس يتوقع لأول وهلة أنهم من الشعب.. الذي تطبق عليه الدساتير.. وليسوا من.. واضعي الدساتير! الضيوف كانوا: فنانا هو عبد العزيز مخيون وناقدا رياضيا هو نجيب المستكاوي وطبيبا هو الدكتور يحيي الرخاوي بالإضافة إلي رجل أعمال، وكانت هناك اتصالات من المشاهدين وتساؤلات غاية في الظرف! ورغم علم الجميع بأن التعديلات الدستورية اقترحها الرئيس.. وهي اقتراحاته نفسها.. ما سوف يطرح للاستفتاء.. وخلاص! فإن البرامج تصر علي أن تسمي (دردشتها) حول التعديلات الدستورية (مناقشة) التعديلات الدستورية! الضيوف أدلوا بدلوهم وهناك عموما شبه إجماع أن تعديل الدستور لا يهم الناس من قريب أو بعيد! والحقيقة أن حكاية الدستور دي تضحك الناس.. فهم لا يعرفون عنه شيئا ولا يلمسون لمواده الجميلة أثرا في حياتهم.. المواد الجميلة كالكلام مثلا عن (المساواة بين المواطنين بغض النظر عن الجنس واللون والدين والعرق) أو (حرية التعبير والاعتقاد مكفولة) وغير ذلك، كما أن المواد التي ستعدل لا يعرفونها قبل وبعد التعديل.. مثلا المادة الخاصة بالإشراف القضائي علي الانتخابات سوف تتغير ليشرف من تختاره الحكومة عليها.. ماذا فعل القضاة للانتخابات أيام كان ينص الدستور علي مسؤوليتهم عنها.. وماذا سيخسر الناس عندما تسحب مسؤولية الانتخابات من القضاة؟! والناس أصلا كفوا عن ممارسة الانتخاب منذ زمن بعيد؟! الدستور دستوركم يا اسيادنا.. افعلوا به ما تشاءون! هكذا قال لي أحدهم عندما (وجه لي لوما) لأنني كنت احتفظ بنسخة من الدستور علي جهاز الكمبيوتر المحمول خاصتي، والذي (لطشوه مني) بتوع أمن الدولة ووجهت لي النيابة بناء علي تقريرهم سؤالا يطلب تفسيرا لوجود نسخة من الدستور (ضبطت علي جهاز الكمبيوتر خاصتك)! المشاهدون عند اتصالهم قال أحدهم: (أنا معرفش ايه بالضبط اللي ـ حيعدلوه ـ انا كل اللي اعرفه ان يعني فيه مادة يعني تخص الشريعة يعني بيقولوا عنها المادة التانية.. أنا مش عارفها بالضبط يعني بس.. خايف عليها)! الناس يتحدثون عمن سيقوم بالتعديل بضمير الغائب (حيعدلوه)! لكن أظرف اتصال بالفعل ـ وهو شديد التعبير عن المسألة برمتها ـ كان من ربة بيت اتصلت وقالت: (أنا وأختي وحماتي وعمتي قاعدين دلوقتي نسمعكم وعايزين نعرف أصلا.. يعني إيه دستور؟)!كاتبة من مصر[email protected]