أعرف أنه من غير اللائق مطالعة جريدة الجالس إلى جانبك في القطار أو (المترو) الباريسي، لكنني أعجز عن مشاهدة حرف مطبوع دون التلصص لقراءته.
الجالس إلى جانبي في المترو هذا الصباح كان يقرأ في مجلة، وعلى غلافها الخلفي صورة لشابة (عصرية) تركب الدراجة، ترتدي (الشورت) القصير جداً، وظننت الغلاف للإعلان عن نوع خاص من الدراجات العصرية المزودة بسلة معدنية لتسوق الخضرة والفاكهة.. ولكن لا.. إذ قرأت تحت الصورة عن «تل أبيب» وعنوان الإعلان: أهرب إلى الشمس، إلى إسرائيل! وهو من شركة سياحية تنظم رحلات إلى تل أبيب وإلى القدس بصفتها مدينة إسرائيلية!.. واشتعلت غضباً!..
إسرائيل هي «فلسطين المحتلة»
أنفجر غضباً حين تصلني الكراسات التي تعرض عليَّ السياحة مع شركاتها بصفتي «مسافرة محترفة»، وأجد في قائمة برامجها إسرائــــيل، وأهــــم معالمها (القدس!). وأتذكر بأسى وقاحة إسرائيل في محـــاولة تهــــويد فلسطين وتبديل أسماء مدنـــها الأصلية إلى أسماء جديدة عبرية!.. وحتى المسجد الأقصى لم يسلم من شرهم، وها هم يخترعون لأنفسهم علاقة تاريخية به ويقتحمه المستوطنون في حراسة قواتهم المسلحة حتى وقت صلاة عيد الأضحى مثلاً.
وها هم يعتقلون حتى الأطفال الصغار، فهم (خطرون) أمنياً لأنهم سيكبرون! ولن أنسى اعتقال ذلك الطفل وهو في الرابعة من عمره لأنه رمى سيارة الشرطة الإسرائيلية بحجر! وفوق ذلك كله يريد نتنياهو ضم غور الأردن (ثلث مساحة) الضفة الغربية + شمال البحر الميت!
مادونا وجنيفر لوبيز في إسرائيل!
لم أكن يوماً من المعجبين بالمغنية مادونا وعريها وحركاتها للغواية (وهي التي تجاوزت الستين من العمر) وبالذات حين جاءت للغناء في المناسبة الأوروبية (يوروفيجين) في تل أبيب. وقررتُ طبعاً مقاطعة أغانيها وتبديل قناة التلفزيون حين تظهر.
وهو أيضاً ما صرت من الآن فصاعداً أفعله حين ألمح جنفير لوبيز، فقد علمت أنها مؤخراً غنت في تل أبيب، ولم تنس القول بالعبرية (شالوم) مضيفة: «أنا أحب تل أبيب»، وأنا لم أعد أحب الشهيرة لوبيز.. وسأقاطعها. من أنا؟ لا أحد. أنا فقط مواطنة عربية من الملايين ومنحازة للحق الفلسطيني الذي تكاد تنساه حتى بعض القلوب العربية.. دعم تل أبيب وإسرائيل هو تصفيق للجلاد ودوس على الضحية ولن أغفره، أنا التي اسمها لا أحد، ولكنني أظن أن الشعور ذاته لدى ملايين العرب، ما يجعل منا قوة نابذة، وثمة في الغرب الكثير من المؤسسات الداعمة للحق الفلسطيني والرافضة لهدم بيوتهم وتهجيرهم القسري.
«الأراضي الفلسطينية» أو ما تبقى لنا؟
لا أحب تسميات مثل «الأراضي الفلسطينية»، فالأرض التي تدعى اليوم إسرائيل هي كلها ببساطة أراض فلسطينية تم تقديمها كتعويض لليهود الذين قام هتلر بإيذائهم في غرف الغاز! ولكن ما ذنب الفلسطيني الذي يعيش اليوم في الأرض المحتلة في سجون كبيرة هي ما تبقى لهم من وطنهم، ولماذا على الفلسطيني تسديد (فاتورة النازي)؟.. وأتساءل دائماً لماذا لم يتكرم بلفور بوعدهم بمقاطعة بريطانية مثل (ويلز) مثلاً؟ ولماذا جاء الرئيس ترامب مسروراً بإهدائهم بقية القدس المحتلة، كما لو أنه ورثها عن والده، بدلاً من كاليفورنيا أو فلوريدا مثلاً؟ ولذا، لن أغفر لجنيفر لوبيز صورها وهي تؤدي (طقوساً يهودية) أمام «حائط البراق»، وأتفق مع قول وزير الثقافة الفلسطيني د. عاطف أبو سيف: الفنان الحقيقي يحب أن يقف مع الضحية لا الجلاد.
ما ذنب لبنان المُغَيّب؟
غاب اسم لبنان تماماً عن كراسات الدعاية السياحية، وحلت محله إسرائيل، وأذكر كمثال كراسين وصلاني: الأول بعنوان «الفن والحياة: رحلات ثقافية»، والآخر بعنوان: «الهرب إلى سياحة ثقافية». وهما -كما الكثير من الكراسات السياحية- غاب عنها اسم لبنان، ولكنها تقوم بالترويج للأماكن السياحية في فلسطين المحتلة تحت اسم إسرائيل، حتى أن «أمنستي»، منظمة العفو الدولية، طالبت شركة «تريب ادفايزر» بالكف عن الترويج لمستوطنات تم إنشاؤها على الأراضي الفلسطينية المسلوبة.
فأين نحن كعرب من ذلك كله؟ هل نحن في غيبوبة؟ ولماذا لبنان «المغيب» عن كراسات الجاذبية السياحية على الرغم من وجود أماكن تاريخية استثنائية فيه، ناهيك عن غياب بلدان عربية أخرى!
وأختم بالتذكير بأن العدد الكبير من كبار الفنانين الغربيين شجبوا أفعال إسرائيل في الأرض المحتلة، وانحازوا علناً إلى عدالة القضية الفلسطينية، ورفضوا الغناء فيها، وبينهم من هو من كبار الفنانين في الحقول كلها، فلماذا لا ندعوهم للغناء عندنا بدلاً من دعوة المنحازين إلى إسرائيل المادحين لها المغنين فيها أو اللامبالين بالحق الفلسطيني؟ لن نخلط بين كراهية إسرائيل وكراهية أي يهودي، فاليهودي إنسان قد يكون طيباً أو شريراً كما البشر كلهم، أما الشرير فهو المتبرع لإسرائيل، والمنحاز لأفعالها (الشريرة).
كل ما تقدم أيقظه في قلبي غلاف مجلة جاري في مقعد المترو الباريسي. سرني أن هبط في إحدى المحطات، ووقتها لاحظت أنه كان عليّ الهبوط قبل محطتين، وسرقتني هواجسي وأحزاني ونسيت أني في المترو الباريسي لا في الأرض المحتلة.
ففلسطين المحتلة تحتل قلبي..