جنيف 2 لن يجترح المعجزات… وبداية الطريق وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية

حجم الخط
1

لندن ـ ‘القدس العربي’ لا أحد ينكر الفجوة الكبيرة التي بدت من حركة أجساد المفاوضين السوريين الذين اجتمعوا في مونترو أو ما أطلق عليه مؤتمر جنيف 2 والطريقة التي أخرجت فيها الدول الراعية للمؤتمر روسيا والولايات المتحدة مسرحية الإفتتاح. ولا في تلاقي اللغة أو التعبيرات التي طبعت اليوم الأول من المؤتمر الذي طال انتظاره.
فالجميع أتوا لمونترو مجبرون فهناك اعتراف من الجميع بحجم الأزمة وما خلفته الحرب والحاجة للحل. جاء كل طرف من أطراف الصراع بروايته للمؤتمر كي يقنع العالم الذي استفاق اليوم لكي يضع حدا لهذا المشهد العبثي الذي يدور في سوريا منذ ثلاثة أعوام تقريبا. و’القاعدة’ التي لم تكن مشاركة كانت حاضرة في حديث وليد المعلم وزير الخارجية السوري، وأحمد عاصي الجربا، رئيس الإئتلاف لقوى الثورة السورية.
الشيء الوحيد الذي كان غائبا عن جنيف 2 هو الشعب السوري الذي يعتبر وقود الحرب الدائرة هناك، فالنظام لا يمثل إلا نفسه والموالون له والمعارضة لا تمثل إلا نفسها والفصائل التي اختارت مسار جنيف ووافقت عليه. فهناك من تخلفوا ورفضوا صيغة جنيف 2 الحالية.
وهناك عامل آخر جمع الكل في حفلة زفاف جنيف 2 هو تعسر تحقيق النصر العسكري على الرغم من الدعم الذي تلقاه كل فريق من الأطراف الخارجية الداعمة لقضيته.
ومن هنا وبعد تناقض وتضارب في المواقف أيقنت الولايات المتحدة مع روسيا التي تعتبر الحليف الأكبر لنظام الرئيس السوري بشار أن لا مجال إلا للحوار.
ولعل أهم ما يطالب به المجتمع الدولي ويسعى لتحقيقه من هذا اللقاء ليس تحقيق المعجزات بل وقفا لإطلاق النار والسماح بوصول المساعدات الإنسانية للمتضررين والمحاصرين بعد أن تحول التجويع والحصار لسلاح في الحرب التي يخوضها النظام على الشعب.

إيران الغائبة

وهذا هو ما اتفقت عليه تقريبا معظم افتتاحيات الصحف في بريطانيا والولايات المتحدة، فصحيفة ‘نيويورك تايمز’ قالت في افتتاحيتها إن غياب إيران، وهي الداعم الرئيسي والمهم للأسد عن المؤتمر أمر يؤسف له.
وجاء هذا الغياب على الرغم من التعهد الذي قدمه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بالتزام إيران بالحل السياسي.
وأكد في الشهر الماضي في مقابلة أجرتها معه الصحيفة الشهر الماضي ‘لنا مصلحة في التوصل لحل سلمي’، وأضاف ‘ نحن مقتنعون، مقتنعون كليا بأن لا حلا عسكريا في سوريا، وأن هناك حاجة للتوصل لحل سلمي في سوريا’.
وقالت الصحيفة إن السبب الذي جعل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يوجه الدعوة لإيران ويسحبها في اليوم نفسه وإن كان بضغوط من الولايات المتحدة والسعودية ورفض من المعارضة السورية إلا ان استبعاد طهران من طاولة جنيف 2 جاء لرفضها المشاركة بشروط، أي الموافقة على ما ورد في اتفاق جنيف-1 الذي يدعو لحكومة انتقالية تقود لرحيل الأسد، وهو ما رفضت إيران الإلتزام به.
وتقول صحيفة ‘نيويورك تايمز’ إن إيران كان بإمكانها حجز مقعد لها في جنيف 2 لو أوقفت الدعم العسكري لنظام الأسد أثناء فترة انعقاد المؤتمر، أو حتى لو مارست ضغطا على النظام السوري للتوقف عن العمليات العسكرية.
وقالت إن هناك أسباب جيدة تدفع كلا من روسيا وإيران للعب دور إيجابي’ وسبب هذا هو تنظيم القاعدة، فالحرب الأهلية جذبت إليها عدة تنظيمات مرتبطة بالقاعدة لسوريا، مما قد يهدد وجودها تدريجيا، وكذلك روسيا التي تواجه المتطرفين في القوقاز تشعر بالقلق من حصول هجمات على الألعاب الأوليمبية في سوخي الشهر المقبل’.
وهي المشكلة التي اعترف بها ظريف مؤكدا على أن ‘استمرار هذه المأساة في سوريا سيمنح الساحة المناسبة للمتطرفين لاستخدامها كمبرر للتجنيد من أجل شن هجمات شبيهة في مناطق أخرى من المنطقة’.
وتختم بالقول أنه ربما فات الوقت كي نقول ‘كفى’ لقتل المدنيين ولكن حان الوقت كي نعلن عن وقف إطلاق النار ونقوم بإيصال المساعدات الإنسانية.

تهدئة

وعلى العموم فأهم ما يمكن أن يقدمه المؤتمر حسب صحيفة ‘إندبندنت’ هو تهدئة الحرب المروعة هذه، مع أنه لن يجلب السلام، وتساءلت ما هي الإجراءات العملية التي يمكن اتخاذها لتهدئة العنف.
ووصفت التطورات قبل انعقاده حول مشاركة إيران بالدرامية. وقالت إنه من المهم أن لا نقلل من أهمية المحاولات الروسية- الأمريكية الدائبة لوضع حد للحرب الأهلية التي تمزق البلد إلى أجزاء متفرقة.
ولو لم يتم وقف الحرب وهو ما لن يفعله هذا المؤتمر فعلينا القيام بخطوات لتخفيف حدة النزاع بشكل يتوقف عن تسبيب الخسائر المروعة للشعب السوري. وفي النهاية فحقيقة انعقاد المؤتمر بعد طول انتظار تطور مهم، فلأول مرة يجلس ممثلون عن الحكومة والجماعات المعارضة لها في نفس المكان.
وفي الوقت نفسه فالولايات المتحدة وروسيا بذلتا الطاقة والجهد بشكل يعبر عن نية حقيقية لإنهاء الحرب.
وتقول الصحيفة إن هذا الوضع لم يكن بالضرورة ممكنا قبل 18 شهرا عندما كانت الولايات المتحدة وأوروبا ترى في اجتماع كهذا باعتباره مقدمة للبحث في الرحيل المحتوم للأسد وميراثه.
وهذا الوضع لم يكن يعكس الوضع العسكري على الأرض حيث لم يكن ممكنا تكبيد القوات التابعة للأسد هزيمة عسكرية بدون تدخل عسكري من الخارج.
وقد تلاشى الخيار هذا عندما تخلت الولايات المتحدة وبريطانيا في أيلول/سبتمبر عن توجيه ضربة لسوريا بعد الهجوم الكيميائي. وفي ظل الظروف الحالية فالمطالبة برحيل الأسد ما هو إلا وصفة لاستمرار الحرب.

خطوات عملية

بعد كل هذا ما هي الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها لتهدئة الوضع؟ فاتفاقيات وقف إطلاق النار قائمة ويمكن توسيعها بمساعدة من الأمم المتحدة التي يمكن أن تلعب دورا مهما من خلال مراقبين دوليين لمراقبة الأوضاع على الأرض ويتوسطون لوقف أي عنف يحدث. وبدون هذا فالكراهية وعدم الثقة بين الطرفين ستستمر وتقضي على أي أمل لوقف دائم للمواجهات.
وهناك مجال آخر يمكن لمراقبي الأمم المتحدة المساعدة فيه وهو توصيل القوافل الإنسانية للجيوب المحاصرة من قبل القوات الحكومية، وكذا المساعدة في عمليات تبادل السجناء. وتضيف الصحيفة إن غياب إيران عن المؤتمر يؤسف له، خاصة إن كلا من السعودية وإيران لاعبان رئيسيان في النزاع السوري.
وأن تدعو طرفا واحدا وتترك آخر يضعف مصداقية المفاوضات. وتقول الصحيفة إنه يجب امتحان استعداد السعودية ودول الخليج الأخرى التي تريد نهاية للحرب بدون أن يحقق المقاتلون انتصارا عسكريا على النظام.
وتقول الصحيفة إن تراجعا في حدة العنف يمكن تحقيقها من خلال الضغط على تركيا كي تلاحق وتضيق الخناق على الجهاديين الذين يعبرون أراضيها للإنضمام للمقاتلين في سوريا. وفي الوقت الذي تنفي فيه أنقرة أي دعم للمتطرفين لكن الصحيفة تقول ‘كل الأدلة تقترح أنها (تركيا) قد دعمت المقاتلين من كل الألوان’في سوريا’.
وتختم بالقول إن التحديات الكبرى التي واجهت عقد مؤتمر جنيف 2 تشير إلى صعوبة جمع اللاعبين المتعددي المصالح في خارج وداخل سوريا ودفعهم للإتفاق على شيء واحد.
وأهم ما حققه المؤتمر حتى الآن هو أن الذين لم يكونوا يرون أي نهاية للذبح يرون أن لا مخرج للأزمة إلا بالتفاوض ‘ومن الأفضل الحديث من عمل شيء آخر أيا كان الحل بعيدا كما يبدو’.

كلام وكلام

وفكرة الحديث هي ما لفتت إنتباه صحيفة ‘غارديان’ التي أشارت في البداية لانعقاد المؤتمر في ظل التقرير الحقوقي الذي كشف عن مصير 11 ألف سجين اختفوا في سجون الأسد، والذي قام معدوه وهم محققون وخبراء قانونيون بخبرة واسعة في محاكم الحرب الدولية وجرائم الحرب الخاصة وضد الإنسانية إضافة إلى خبراء في الطب الجنائي.
وقد ظهرت الصور للنور من خلال منشق سوري عمل في الشرطة العسكرية، ودعمت دولة قطر التحقيق ولهذا تقول الصحيفة إن هذه الأدلة قد لا يتم فحصها في المحكمة ولكن مدير اللجنة سير ديزموند دي سيلفا رئيس فريق التحقيق يؤكد على أن هذه الصور تمثل دليلا قويلا على ارتكاب النظام جرائم على قاعدة واسعة، وهي كافية لتقديم اتهامات لنظام الأسد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وفي ضوء هذا الكشف الذي جاء مع التحضيرات لما أطلق عليه جنيف 2 والتي اتسمت بالتراجعات والعداء والنكسات.
وترى أن المؤتمر الذي يحضر له منذ 18 شهرا لم يكن ليعقد لولا الضغوط التي مورست على طرفي أو أطراف النزاع من قبل الولايات المتحدة وروسيا. ومثل ‘نيويورك تايمز’ تشير ‘غارديان’ إلى حس من التشاؤم، فهناك فرصة ضئيلة يتفق فيها الطرفان على الهدف الرئيسي للإجتماع هو التوافق ‘بالإجماع المتبادل’ على حكومة إنتقالية بسلطات تنفيذية.
وتنظر الصحيفة للمشكلة التي تعتري التوصل لاتفاق من جهة النظام الذي استبعد أي مشاركة في السلطة وأكد على أهمية التركيز على ‘الحرب على الإرهاب’، وهي عبارة استفزازية يختزل فيها حربه على المعارضة.
وتضيف الصحيفة إن النظام حقق تقدما في الحرب وهذا راجع للدعم الإيراني وحزب الله.
وتقول إن الأسد ليس لديه أي دافع للتفاوض على رحيله، والتهديد بتوجيه اتهامات بجرائم حرب لن تزيد من شهيته لتقديم تنازلات.
أما من جهة المعارضة فقد أكدت أنها لن تقبل أي صفقة تتضمن بقاء الأسد في السلطة، وهي ليست في وضع يؤهلها لتقديم تنازلات، فالمظلة التي تضم تحت جناحيهاعددا من الفصائل عانت في غالب الأحيان من مسألة التمثيل والشرعية، وعانت أيضا من الضعف بسبب الخلافات الداخلية، ولم تستطع الحصول على تفويض بالذهاب إلى جنيف 2 إلا بعد مناورات شاقة. ومن هنا فأي تنازل منها للنظام سيضر بمصداقيتها.
وفي ظل تمترس كل طرف وغياب الحسم العسكري من أي منهما لم يكن أمام المجتمع الدولي إلا دفعهما للحوار.
ومع غياب أي أمل بالتوصل لاختراق دبلوماسي حول الموضوعات الرئيسية التي انعقد من أجلها المؤتمر، فهناك أمل بأن يؤدي استمرار الحوار لبناء ثقة بين الطرفين وتحقيق اتفاقات وقف لإطلاق النار وإن على مستوى مناطق مما ستقود لمفاوضات في المستقبل، أمر آخر وهوالإلتزام المشترك بين الطرفين لمواجهة المعاناة الإنسانية وتخفيف الحصار ووقف تجويع المدنيين، خاصة أن هناك مئات الألوف ممن علقوا في هذه المناطق معظمهم من الأطفال والنساء. أما المنفعة الثالثة التي قد تنتج عن جنيف 2 ستكون على شكل التزام من الداعمين الدولييين لتخفيف الدعم عن الطرفين. فقد تحولت الإنتفاضة الشعبية التي بدأت سلمية إلى حرب بالوكالة بين إيران والسعودية والقاعدة.
وبحسب مستشار سابق للأسد انشق عنه فجنيف ‘هو الولد اليتيم الذي لا يريده أحد’ فمجرد حضور كل طرف المؤتمر يخسران الكثير في عيون اتباعهما، ولكنه في النهاية يظل الأمل الوحيد لسوريا. وتحديات جنيف كبيرة ومسؤولية الطرفين تاريخية في ظل معاناة السوريين في الداخل والخارج.
فقد أظهر استطلاع أن غالبية اللاجئين السوريين تطالب بوقف لإطلاق النار غير مشروط. وأشارت صحيفة ‘فاينانشيال تايمز’ إن النقاشات مع السوريين العاديين واستطلاعات تقترح أنهم قلقون فوق كل شيء على الوضع الإنساني. وأشارالإستطلاع الذي شارك فيه 1000 لاجيء سوري في لبنان أن نسبة 85′ ترغب برؤية حل سياسي للنزاع، وقالت نسبة 75′ أن وقفا فوريا لإطلاق النار يجب أن يكون أولوية لمؤتمر جنيف.
ونقلت عن ريكين باتل من منظمة ‘أفاز’ التي أجرت الإستطلاع قوله ‘لقد أوضح السوريون مطالبهم من جنيف بشكل لا يدعو للشك، يريدون وقف إطلاق النار’. وأضاف ‘يريدون حوارا لا قنابل، ولا يضعون أي شروط على هذا الحوار ولا أي أحد يدعي تمثيلهم، وحان الوقت لهذه الحرب الأكثر دموية أن تتوقف وتنتقل من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية