عبدالحق ميفراني
صدر عن دار أمل للنشر والتوزيع في تونس ديوان الشاعر إدريس علوش ‘جهات العدم المشتهى’ في طبعة أولى ويقع في 92 صفحة، ويضم إحدى عشر قصيدة. وهو الديوان الحادي عشر في بيبلوغرافية الشاعر إدريس علوش والذي راكم طيلة سنوات في سيرة الكتابة الشعرية تجربة إبداعية تنصت بإمعان لخراب العالم وتنتصر لقيم الإنسان. صوت شعري وليد تجربة الكتابة الشعرية الجديدة في المغرب رسخت نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات قيمها الخاصة ورؤاها للقصيدة المغربية الحديثة. وقد أسهم لديناميته في إيصال صوت القصيدة المغربية الى جغرافيات إبداعية عربية وفي المهجر، بل واستطاع أن تظل قصائده معبرا جماليا وشعريا للحظة عبور مجازية لعوالم القصيدة الحديثة في المغرب.
جهات العدم المشتهى، تجربة تنضاف الى ما راكمته تجربته الشعرية و’الطفل البحري’ الذي كانه يوما كبر وأمسى ‘أياد وأسعد’، حارسان للبحر وطفلاه. وهذه المرة لن يكتب سيرة البحر من خلال رؤاه بقدر ما يرى في سيرة البحر سيرة شاعر خلف موجتين ليخبراه بالزمن. شاعر مفتون بركام الماضي ‘آخر الماركسيين الجدد’ في عالم أضحى اليوم أكثر مدعاة للأمل.
في قصائده القصيرة يفرغ الشاعر ضجره من عالم لا يرى المستقبل، لذلك اختار الشاعر جهات العدم كي يخط جزءا من تفاصيله. جهاته هي جهات الشاعر التي أصابته بالخراب، وحين يختار الشاعر الاحتماء ب’الكتاب’ فهو يختار قصائده ولو في ألبوم الفلسفة يفكر في الوجود والحقيقة والحياة يكتب الشاعر معارضاته لنصوص وأسماء بعينها محاولة القبض على كنه الأشياء كما يراها واستعادة لقيم انمحت وعالم متجذر في الفوضى والتيه. في جهات العدم المشتهى نكتشف صوت شاعر يكتب تأبين العالم ولا يأبه للحظة الخراب، إذ لا يرى في الشعر أملا في اكتشاف الحقيقة، فقط يحرس الطفل الذي يراه اليوم أبعد من ‘البحري’ الطليق إذ أصبح تائها بين الشاعر الذي يحلم بعالم أكثر مدعاة للحياة، وعالم يرى اليوم وقد اندس في الخراب. في جهات العدم تشكيل لصور هذا الخراب، جهات أبلغ قدرة على تذكيرنا بقدر الشاعر في أن يرى وجوده ينتهي في استعارة واحدة أو صورة شعرية أو صدى قادم من الماضي.
اليوم، كيف يمكننا قراءة قصائد ديوان الشاعر إدريس علوش في ظل حراك وحركة تغيير تقود هذا العالم نحو قيم مندسة في رؤى القصائد؟ هل لأن الشاعر ظل دوما أبلغ من الفيلسوف في توقع العصف؟ ربما، مادام اليوم السابع في ألبوم الفلسفة يخص شخصا آخر لعله ‘الزمن’ العربي اليوم.
في ‘شارع أبي نواس’ و’قصائد جديدة.. تقريبا’ عودة الشاعر لقضايا يحاور من خلالها جزءا من أشلاء الصورة. فبغداد ليست عنوانا لمدينة خرائطية، بل هي وجدان متأصل وعنوان للحظة تاريخية مفصلية في الوعي العربي. وجزء من خراب العالم، هو تمظهر من تمظهرات هذا الخراب الذي يسكن الشاعر ‘العالم الجديد’ ممثلا في ‘البريسترويكا’ و ‘Bo’ أيضا، لذلك تحاكم القصيدة من قتلوا أحلامها وماضيها الراديكالي في خلق عالم يليق بأحلام الناس، عالم يحترم الحياة ويقدسها، عالم أحق بالكينونة والوجود.
في إحدى عشرة جهة من جهات العدم، هو ‘المشتهى’ لأنها تولد من رحم الشعر وتخط قصائد هي شهادة اعتراف أن لاشيء أقدر على استشعار وجود يليق بالإنسان وبقيمه في الحياة والوجود. ديوان الشاعر إدريس علوش مسار آخر ينضاف الى تجربته الشعرية التي أمست اليوم أكثر تفكيرا في العالم وهي خطوة ربما تفترض أن قدر القصيدة في النهاية أن ترى الأشياء رؤيتها المجازية، أن تصرخ باللغة وأن تشكل عالما من كلمات وأفكار. نفترض أن قصيدة إدريس علوش تتجه أن تتخلص من ‘الماضي’ كي تفكر في الحاضر في عالم يتجه الى الغموض أكثر، أي الى عوالم الشعر الرحبة واللانهائية.