جهاد النكاح وإسلام بنكهة الفريز

حجم الخط
0

لا يشكّ أحد في تقصيرنا في عرض قضايانا الوطنية والقومية العادلة على الرأي العام العالمي، في وقت اقتصر فيه دور وسائل الإعلام العربية على مخاطبة شعوبها التي سلّم كثير منها عقله لها شاء أم أبى؛ ولكن كثيرا من الفضائيات، خاصة الإخبارية منها؛ لا تعود عليها الإعلانات وهي مصدر دخلها الرئيسي بما يكفي لتغطية مصاريفها، وكذلك الصحف فلا عائدات الإعلانات ولا بيع نسخها المطبوعة تفي برواتب موظفيها، فإذاً تلك المؤسسات ليست مشاريع اقتصادية تستطيع تمويل نفسها وتحقيق هامش ربحي؛ فتسعى في سبيل ذلك لجذب رصيدها الرئيسي من جمهور القراء والمشاهدين بعرض الحقائق وتحليلها بشكل علمي موضوعي؛ لذلك كانت أغلب وسائل الإعلام أسيرة التمويل، الذي غالباً ما خلا من البراءة؛ فمن يدفع الأموال يسعى إلى بَثّ أفكاره والترويج لها وتحويل الرأي العام بما يتوافق مع ميول ذلك الممول، وقد نجحوا إلى حدٍ ما في ذلك، بعد انقلاب السيسي، تم تداول صورة على الفيسبوك لأستاذ جامعي مصري معروف يضع حذاء عسكريا على رأسه ويوجه له كلمات الشكر؛ يظهر واضحاً نتائج عشرات السنين من العمل على شيطنة الإسلاميين في تلك الصورة لمثل ذلك الشخص وغيره ممن وقف خلف الإنقلابيين متجاهلين حتى آلاف الضحايا الذين سقطوا، لقد صدق الكواكبي قبل أكثر من مئة سنة حين قال عن المستبد ‘يضغط على العقل فيفسده ويضغط على الدين فيفسده’.
فإذاً ما هي معايير مصداقية الإعلام في ظل هذه الدوامة التي نعيش فيها؛ هذا سؤال له جواب بديهي واحد هو الحق والباطل، فاعرض كل ما تسمعه وتشاهده عليهما وستعرف صدق الخبر أو التحليل من كذبه، فمثلاً كثرة تداول وسائل الإعلام لما سُمّي بـ’جهاد النكاح’ وحديث وزير تونسي عنه جعل الكثيرين يصدقونه، وهنا أعرض شهاده لأسبوعية ‘ديرشبيغل’ قبل حوالي ثلاثة أسابيع إذ نشرت تحقيقاً فنّد ذلك المصطلح وأكد كذبه، ولو عرض أحدنا تلك المسأله على العقل والشريعة لوصل إلى الحقيقة الساطعة من أول لحظة؛ فلا تؤيدها نصوص شرعية ولا يتقبلها مجتمعنا، ثم من لديه وقت لذلك؛ إنّها صنيعة أبواق نظام الأسد مثل آلاف الأكاذيب التي ما فتئوا يلهثوا بها منذ اندلاع الثورة السورية.
الجميع متفق حول تعاظم خطورة الإعلام هذه الأيام، وقد أصبح التلفزيون والنت خبزنا اليومي؛ لذلك يجب العمل على تحصين أجيالنا مما يُبث فيه من سموم ومصطلحات غربية يجترها إعلامنا فتبدأ كبذرة لتنتهي شجرة باسقة تشق عباب الغمام؛ جرى في السنوات الأخيرة تداول مصطلحات الإسلام الوسطي والمتطرف والأصولي و… ولكن لا تحمل أي قضية إلا أحد وجهين، إما الخطأ أو الصواب؛ فلا يوجد إلا الإسلام الصحيح النابع من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وغيره ليس إسلاماً البتة. أما الاستمرار في الانجرار وراء تلك المصطلحات الغربية ربما أوصلنا يوماً إلى إسلام بنكهة الفريز أوالشوكولاه.
ركّز الإعلام والساسة الغربيون على قضية الفتاة الباكستانية ملالا يوسف زي، فما بقي رئيس ولا ملك إلا واستضافها ولم تترك جائزة إلا وأخذتها، حتى أنّها كانت قريبة من جائزة نوبل للسلام، لولا أن نافسها عليها الأسد، إنهم لا يفوتون فرصة لينالوا من الإسلام، ويسعون لإبراز تلك الفتاة على أنّها ضحية لإرهاب إسلامي يرفض تعليم البنات، ولكن الحقيقة أنّ من أطلق النار عليها لا يمكن أن ينتمي للإسلام، فلم تفعل ما يستدعي قتلها ناهيك عن أنّ أول كلمة في الإسلام لم تكن آمنوا بالله ولا صلوا ولا صوموا وإنّما كانت إقرأ، فإن كان المجرم في حادثة ما يدعي الإسلام، فستقوم الدنيا ولن تقعد، أما أن يُقتل الأجنة السوريون برصاص قناصة نظام الأسد الإرهابي فهذه حرب أهلية لا أحد يريد إقحام نفسه فيها، لا يريد أولئك الأجنة التعلم فقط دعوهم يتنفسون الهواء.
لم يختف دور الدول العربية على ساحة الأحداث في المنطقة والعالم أبداً، فإن لم تجد لهم أي دور عملي ملموس على الواقع؛ فلن يخفى عليك ضجيج وصخب تصريحاتهم وحملاتهم الإعلامية التي لامس غبار أعنَّتها المريخ؛ فرفض السعودية للمقعد غير الدائم في مجلس الأمن لم يُشبّع طفلاً في المعضمية، ولم يُخفف من جحيم المعتقلين وما زال الموت يخيم على سورية؛ فليتها أشعلت شمعة بدلاً من الاكتفاء بلعن الظلام؛ وقدمت مثلاً صواريخ مضادة للدروع نكاية بالغرب شريك الأسد في الجرائم، أو بذلت قليلاً من دولارات النفط لمن يتمنى العودة إلى جحيم القصف هرباً من كرم لبنان والأردن ومصر السيسي؛ ولكنها واقعة بين نارين فإما أن تظل سورية تحت الاحتلال الفارسي أو تتحرر، فيصعد الإسلاميون فيها، لا ينقصها ولمّا يُمحى أثر بصماتها عن أفاعيل السيسي.
لا تزال الأخبار المطروقة تتكرر حول المآسي السورية وقد غدت لا تحرك في الكثيرين شيئاً، دائماً ما بدأ التفاعل مع القضايا القومية بكثير من الحماسة على مستوى الشعب العربي، ثم تُكبت تلك الشعوب وشيئاً فشيئاً تفتر وتتحول المجازر إلى خبر يومي أقل من عادي، وهذا ما رافق مثلاً كل الهزائم في فلسطين، وهذا ما يجري حول قضية المسجد الأقصى هذه الأيام، فقد رافق بداية الحفريات تحته حراك شعبي غاضب، ثم أمسى حتى اقتحام باحاته أمرا عاديا متوقعا كل يوم، وما هو قادم لا يُبشر بخير، فهذه فرصتهم في ظل حكم حلفائهم السيسي والأسد وما خفي كان أعظم، ليُترك الفلسطينيون ليواجهوا مصيرهم دفاعاً عن مقدسات الأمة منفردين. إنّ ما يجري في سورية ما هو إلا عصا غليظة تلوح بها أنظمة المنطقة على رؤوس شعوبها، فإذا ما فكروا يوماً بالتحرك فسيكون أمامهم مستقبل سوري واضح النتائج، ولعل هذا أحد أهم أسباب استمرار المعاناة هناك.
من الأيام الأولى للمأساة خرجت كلينتون لتقول إنّ الأسد فقد شرعيته ثم توالت المواقف الأمريكية المؤيدة لتحرر الشعب السوري، ولكن ظلت تلك التصريحات محض كلام، وترك السوريون يواجهون جحيمهم بين مطرقة النظام وسندان داعش، ألم تلاحظ تلك الدولة المحاربة للإرهاب سرطان داعش وقد بدأ بنهش الجسد السوري، ولكن هذا ديدنها، فدائماً ما رافقت فرق الموت عملياتCIA في أمريكا الجنوبية والوسطى، وكان يُطلق لها العنان لتحصد أرواح عشرات، وربما مئات الألوف من المواطنين الأبرياء فيترسخ بذلك استقرار أمريكي في تلك الدول، وقد غدا لا هَمّ لشعوبها إلا الهرب من الموت، خفّض أوباما ميزانية وزارة الدفاع إلا أنّه استثنى منه ما كان مخصصا لمنطقة المحيط الهادئ والجزء الآسيوي منه، حيث دُفعت المزيد من التعزيزات إلى هناك ليتم تطويق الصين والاقتصادات الصاعدة في تلك المنطقة؛ أما الشرق العربي فقد اطمأنت لرزوحه تحت استقرار أمريكي بأيدي داعش واخواتها في سورية والعراق وليبيا، بمباركة أمريكية لا يمكن أن تخفى على أحد.
وبذلك فليس ما يتداول في الإعلام بأحسن الأحوال إلا جزء يسير من الحقيقة، فكثيراً ما كانت غير ذلك، فمن يصدق أنّ الرئيس مرسي مثلاً قام بتعيين السيسي وزيراً للدفاع، ألم يجد إلا رئيس المخابرات العسكرية، ولكن لم يُترك الرئيس مرسي ليمسك بكل خيوط السلطة، ودائماً ما ظهر جلياً دور المجلس العسكري والعسكر في صناعة القرارات، ولو أمسكها لمنع حدوث الانقلاب. قال وزير الخارجية المصري في لقاء مع روسيا اليوم إنّه لم يكن السبب في الانقلاب أنّ أداء الرئيس مرسي كان جيداً أو سيئاً، فلو كان كذلك لانتظروا حتى انتهاء ولايته، وإنّما هو الوجه الإسلامي للرئيس مرسي، فإذاً لا تهمهم مصر وما سيحلّ بها إن كانت سياسة الرئيس سيئة وهدفهم الأوحد هو الحؤول دون ظهور الملامح الإسلامية عليها؛ وقد اختبر حلفاؤهم نتائجه إبان العدوان الأخير على غزة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 .
استضافة قناة العربية لواء مصريا سابقا أطلقوا عليه لقب محلل سياسي وعسكري ومن جملة ما قاله؛ إنّ هذه المرة الأولى في التاريخ التي يتم إطلاق قذيفة آر بي جي في القاهرة، ولم يحدث هذا منذ عهد قدامى المصريين، ولكن المثير في الأمر أنّ المذيعة لم تنفجر بالضحك إثر كلامه، لن أتحدث عما استخدم في رابعة والنهضة، وقال دكتور مصري في العلوم السياسية على نفس القناة وبنفس اليوم، إنّ الجميع متفق على ضرورة ترك منصب الرئاسة للعسكر لولايتين رئاسيتين أو ثلاثة، ريثما يتم التحضير لأسس التحول الديمقراطي، حقاً يضغط على العقل فيفسده.
إنّ الحقيقة ليست بغائبة عن أحد ولكن لم يَحُلْ العلم بها دون استمرار انتهاك حرمات الشعوب وتكريس الدكتاتوريات، فهل ستبقى شعوبنا تعاني في أوطان تحولت مدنها وساحاتها إلى سجون ومنصات إعدام؟ متى ستستنشق نسمات الحرية؛ هل ذلك برسم أفول حضارة النفط أو اكتشاف طاقة جديدة بديلة؟ فإذاً لتعمل عقول شبابنا.

‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية