بيروت-“القدس العربي”:لم تمرّ على لبنان أزمة نقديّة حادّة منذ ما بعد التسعينات كالتي يشهدها في هذه المرحلة ولاسيما في الأسابيع الأخيرة، حيث انتشرت الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي ما رفع منسوب الخوف لدى اللبنانيين الذين أمضوا أسبوعاً من عدم الاستقرار النقدّي، تزامن مع إضراب مفاجئ لأصحاب محطات المحروقات التي شهدت وقوف أرتال من السيارات أمامها مع تلويح من أصحاب الأفران والمولّدات الكهربائية والصيادلة بالتوّقف عن العمل بسبب شرائهم بالدولار المفقود والقبض بالعملة اللبنانية، الأمر الذي أشعل غضب المواطنين الذين انتفضوا على واقعهم المرّ الأليم وساروا في تظاهرات احتجاجيّة في وسط العاصمة، مندّدين بسياسة السلطة الاقتصادية والتنمويّة والاجتماعية التي أوصلتهم إلى حافة الجوع والعوز، ولم تخل هذه التحركات من بعض أعمال الشغب وتسييس المطالب وتحميل المسؤولية لجهة معيّنة دون الأخرى.
وأدّى استفحال الأزمة الاقتصادية المالية إلى عقد اجتماع طارئ في قصر بعبدا بعد عودة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي كان في نيويورك مع وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي أصدر تعميماً ساهم إلى حدّ ما في تهدئة سوق القطع الذي شهد فوضى عارمة.
وحول المستجدات الحاصلة التقت “القدس العربي” الخبير الاقتصادي والاستراتيجي في أسواق البورصة العالمية وشؤون الاستثمار جهاد حكيم للحديث معه عن الأزمة النقديّة وكيفيّة حماية اللبنانيين ودائعهم في المصارف بعد موجة الشائعات التي اصابتهم بالهلع والخوف، فقدّم رؤية اقتصادية شاملة لاحتواء الأزمة بعد تفنيدها بالوقائع، وحمّل الحكومة الحالية مسؤولية في الإسراع بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة قبل فوات الأوان، وكان لنا معه الحوار التالي:
* كيف تصف الوضع الاقتصادي المكشوف بالكامل ولاسيّما أنّ لبنان تحت رقابة دولية مباشرة من فرنسا لجهة مؤتمر “سيدر” وأمريكا لجهة العقوبات الأمريكية على حزب الله والحديث الواضح لمارشال بيلنغسلي ولقائه بحاكم مصرف لبنان؟
**الوضع الاقتصادي مأزوم لكن على الرغم من وضع لبنان تحت رقابة دولية مباشرة من فرنسا لجهة مؤتمر سيدر وأمريكا لجهة العقوبات الأمريكية ما زال لدينا الكثير من الحلول التي يمكن أن نطبقّها وبشكل سريع، ومنها على سبيل المثال حّل مشكلة الكهرباء التي ستوّفر سنويّاً وحدها على لبنان بين 1.5 إلى ملياري، مما يخفّف العجز في الموازنة ويحسّن تصنيف لبنان.
*ماذا بشأن تصنيف موديز للبنان Caa1 والقول إنه قيد المراجعة لخفض محتمل؟
**لن يؤّثر وضع تصنيف موديز للبنان قيد المراجعة لخفض محتمل للتصنيف الحالي Caa1 إلى Caa2 لانّ كلاهما يندرجان ضمن خانة مخاطر عالية جداً للديون السياّدية، كما تجدر الإشارة إلى أن Caa2 هو بمثابة CCC عند فيتش وهو التصنيف الحالي للبنان بالنسبة لهذه الوكالة. وكان لبنان يحتل مرتبة +CCC سنة 2008 بالنسبة لوكالة S&P ما زال لديه تصنيف + B في الوضع الراهن.
الأسواق المالية اليوم كأنها تشعر أن الطبقة السياسية ستقوم بأقل قدر ممكن من الإصلاحات، فالعائد على سندات اليوروبوندز استحقاق 12 نيسان 2021 هو عند 19.5في المئة، فإذا قاموا بإصلاحات أكثر أو كما يجب، فستتغيّر الصورة بشكل إيجابي كبير تنعكس بتحسين تصنيف لبنان وتخفيض الفوائد على اليوروبوندز (سندات الخزينة بالدولار) ويخف بالتالي الضغط على الليرة.
* ماذا عن فترة السماح الدولية المعطاة للبنان لإجراء الإصلاحات؟
**لا توجد مهلة أو فترة سماح دولية معطاة للبنان لإجراء الإصلاحات، ولكن بغض النظر عن ذلك يجب الإسراع بالحلول للخروج من الأزمة بأسرع وقت ممكن لتفادي الأسوأ.
*هل تؤدي الشائعات دوراً سلبياً في تخويف الناس وجعلها تسحب ودائعها في المصارف ووضعها في المنازل؟
**الشائعات تزيد الطين بلّة وتفاقم المشكل، لكن هذا لا يعني أنّ سبب المشكلة هي الشائعات، بل هناك أزمة ولا أحد ينفي هذا الأمر، إنما لا يزال بالإمكان احتواء هذه الأزمة ومعالجتها إذا ما اتخّذت التدابير اللازمة.
* من يتحمّل مسؤولية هذه الأزمات العهد أو الحكومة أو الحكومات المتعاقبة؟
** الأزمات ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تراكمات سابقة لكن هذا لا يعني أنه لا يترّتب مسؤولية على الحكومة الحالية التي يجب أن تسرع بتنفيذ الإصلاحات اللازمة لأنّ الوقت يداهمنا. المسؤولية تتحملّها أغلبية الأطراف والحكومات حتى ولو بنسب متفاوتة وبدل إلقاء اللوم وتراشق الاتّهامات والتنّصل من المسؤولية يجب أن نقوم بإجراءات عملية تخرجنا من الأزمة الحالية، وذلك بعد مراجعة السياسة الاقتصادية أكانت نقديّة أم ماليّة بالإضافة إلى وقف الهدر والفساد وترشيد الإنفاق وإقرار قانون المنافسة وخلق بيئة تشجع على الإستثمارات (تحسين مرتبة لبنان من 142 من أصل 190 دولة بما يخص سهولة القيام بالأعمال الصادر عن البنك الدولي) قبل الشروع في خصخصة الكهرباء (التي تتسببّ بعجز سنوّي بين 1.5 وملياري دولار) وبعض الخدمات بطريقة شفافة، تساعد في رفع الإنتاجية ونقل المعرفة وتساهم في التطور التكنولوجي، فضلاً عن وضع حدٍّ للتهرب الجمركي والضريبي والتخلّص من الاقتصاد الريعي والانتقال إلى اقتصاد منتج نحفزّ من خلاله تصدير الكثير من الأعمال التي يمكن أن يقوم بها الشباب اللبناني المبدع الموجود في لبنان وتصديرها عبر الإنترنت.
* أي تأثيرات لتعميم حاكم مصرف لبنان بشأن تأمين الاعتمادات بالدولار للمحروقات والدواء والطحين؟
**لا يزال من المبكر ظهور نتائجه كما أن بعض الجهات المعنية في هذا التعميم ما زالت تدرسه. التعميم هو أفضل الممكن في ظل الظروف الراهنة لكن من أجل الاستمرار في سعر الصرف الثابت يجب الحدّ من العجز في ميزان المدفوعات واستقطاب تدفّقات مالية من الخارج بأسرع وقت. فليس سهلاً الاستمرار بسعر صرف ثابت في ظل نظام اقتصادي حر على مدى عقود.
وأدعو المواطنين في شتى الأحوال إلى أن ينوّعوا في محفظاتهم المالية بين مختلف الأصول والقطاعات والأسهم والأوراق المالية.