الدوحة ـ «القدس العربي»: تتواصل الجهود القطرية لرعاية مفاوضات الصفقة بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس في العاصمة الدوحة إلى جانب الأطراف الأخرى، في حين تصطدم المساعي بالموقف الإسرائيلي المتشدد لحكومة أركان حرب نتنياهو، وتتجه الأنظار للبيت الأبيض مع قرب استلام الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب مقاليد الحكم في واشنطن.
وأعلنت قطر أن المفاوضات الهادفة لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة «لا تزال جارية»، لكن «لا يمكن وضع حد زمني» لها، مع تواجد فرق فنية تدرس تفاصيل بنود الصفقة.
ومؤخراً صرح مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، أن المفاوضات «لا تزال جارية على المستوى الفني»، و«هناك إيمان قطري دائماً بضرورة الاستمرار في هذه الجهود مهما كانت الأوضاع صعبة خلال المفاوضات».
والأسبوع الماضي عاد وفد التفاوض الإسرائيلي إلى الدوحة لاستئناف المفاوضات غير المباشرة مع حركة «حماس» بوساطة قطرية ومصرية، لإبرام اتفاق لتبادل أسرى ووقف إطلاق النار. وكشفت الدوحة أن «الوفود التي تمثل جميع الأطراف تجتمع بشكل دائم سواء في الدوحة أو القاهرة». وحتى الآن لم تقدم قطر جدولاً زمنياً لهذه المفاوضات على ضوء التحديات التي تواجهها الفرق، واصطدامها بصخرة الخلافات الإسرائيلية.
حماس تبدي مرونة
تبدي حركة المقاومة الإسلامية حماس مرونة للتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإسرائيلية على غزة. وتوالت تصريحات قيادات الحركة التي تعكس رغبة لإنهاء الحرب، والتوصل لاتفاق. ومؤخراً أعلنت حركة حماس، استئناف مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل في العاصمة القطرية الدوحة، تركز على وقف إطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة وعودة النازحين. وقالت حماس إن الجولة تركز على أن يؤدي الاتفاق (المرتقب) إلى وقف تام لإطلاق النار، وانسحاب قوات الاحتلال من غزة، وتفاصيل التنفيذ، وعودة النازحين إلى بيوتهم. وأضافت: «حماس تؤكد جديتها وإيجابيتها وسعيها للتوصل لاتفاق في أقرب فرصة يحقق طموحات شعبنا، أهمها وقف العدوان وحماية شعبنا، في ظل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يمارسه الاحتلال». وتوالت تصريحات مسؤولين من حماس، تؤكد أن الحركة ليست بعيدة عن التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل إذا كان هناك تجاوب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قضيتي وقف إطلاق النار الدائم والانسحاب من قطاع غزة. وقال طاهر النونو القيادي في حماس «لسنا بعيدين عن اتفاق إذا ما كان هناك تجاوب من نتنياهو في موضوعي وقف إطلاق النار الدائم والانسحاب». واشار «نحن قدمنا تنازلات عديدة في سبيل إنجاح جهود الوساطة لوقف إطلاق النار ولإنهاء معاناة شعبنا في قطاع غزة». وتابع «ولكن في كل مرة كنا نصطدم بتعنت إسرائيلي ورفض ونسف لكل تلك الجهود والعودة إلى نقطة الصفر لأن نتنياهو يريد التنصل من أي تعهدات تفضي بوقف إطلاق نار دائم في غزة».
وتشترط حماس أن يتضمن أي اتفاق مع إسرائيل وقف إطلاق نار دائم وانسحاب الجيش الإسرائيلي بشكل كامل من قطاع غزة، فيما تسعى إسرائيل إلى التوصل لصفقة جزئية لتبادل أسرى مع حماس دون أي تعهد بتطبيق الشرطين. ولأكثر من مرة تعثرت مفاوضات تبادل الأسرى التي تجري بوساطة قطرية مصرية أمريكية، جراء إصرار نتنياهو على وضع شروط تعجيزية ترفضها حماس، التي تصر على انسحاب كامل لإسرائيل من قطاع غزة.
وتحتجز تل أبيب في سجونها أكثر من 10 آلاف و300 فلسطيني، فيما تقدر وجود 100 أسير إسرائيلي بقطاع غزة، في حين أعلنت حماس مقتل عشرات من الأسرى لديها في غارات عشوائية إسرائيلية.
وأشارت حماس إلى أن الجيش الإسرائيلي صعّد من استهداف المدنيين في القطاع، منفذاً عشرات الغارات أسفرت عن استشهاد أكثر من 105 أشخاص. وتحمّل حماس، إسرائيل والإدارة الأمريكية، التي وصفتها بأنها «شريكة في جرائم الإبادة»، المسؤولية الكاملة عن الوضع الإنساني المتدهور في غزة. وأكدت أنها «تواصل جهودها مع الدّول والمؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية الإقليمية لمتابعة الحالة الإنسانية المأساوية في القطاع، في ظل جرائم الاحتلال بهدف التخفيف عنهم وكسر الحصار».
تعنت نتنياهو
ترى مصادر عبرية ودولية ومن حماس، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تراجع عن المقترح، بطرح شروط جديدة أبرزها استمرار الإبادة الجماعية وعدم سحب الجيش من غزة، بينما تتمسك حماس بوقف تام للحرب وانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي. وتتهم المعارضة وعائلات الأسرى الإسرائيليين نتنياهو بعرقلة التوصل إلى اتفاق للحفاظ على منصبه، إذ يهدد وزراء متطرفون بينهم وزيرا الأمن القومي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش بمغادرة الحكومة وإسقاطها إذا قبلت إنهاء الإبادة بغزة. ومؤخراً أرسل أكثر من 800 من أهالي جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين يشاركون أو شاركوا في حرب الإبادة على قطاع غزة، رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو طالبوا فيها بإنهاء الحرب وإعادة جميع المحتجزين الإسرائيليين في القطاع، متّهمين إياه بإطالة أمد الحرب لأسباب سياسية. وجاء في الرسالة، كما نشرتها المصادر العبرية، «إن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، نحن آباء لجنود في الخدمة النظامية والاحتياطية والدائمة، الذين يقاتلون منذ السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 على جميع الجبهات، نتهمك بحرب بلا أفق، لم يكن لها مثيل في تاريخنا. هذا، فقط بسبب مصالحك الشخصية للبقاء السياسي». وواصل أهالي الجنود هجومهم قائلين: «أبناؤنا وبناتنا خرجوا إلى حرب لا مفر منها، والتي وصلنا إليها بسبب أفعالك. فقدوا العديد من الأصدقاء ويستمرون في التعرّض للقتل والتضرر نفسياً وجسدياً. قاتلوا لأنهم تمسّكوا بالمهام التي تم تحديدها أهدافاً للحرب، وعلى رأسها إعادة المختطفين (المحتجزين). بعد عام وشهرين – الجميع يعلم وهم أيضاً، أن الحرب تطول بلا هدف، وإعادة الأسرى تتحقق فقط بصفقة».
وتزامناً والجهود الرامية للتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإسرائيلية على غزة، دعا ناتان إيشيل المدير السابق لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى «إبادة دون قتال» لتطويق غزة عبر اللجوء إلى حصار القطاع وإجبار الفلسطينيين على البقاء بمناطق تفتيش أو الموت جوعا، معتبرا أن مواصلة الحرب «تخلف خسائر فادحة في أرواح الجنود دون جدوى». ويضاف لها دعوات إلى محاصرة شمال قطاع غزة وتهجير الفلسطينيين منه، حيث تصر مصادر عبرية إلى أن الطريق إلى إنهاء حكم حركة حماس في القطاع لا يكون بالحل العسكري.
وأمام توالي تصريحات ساسة في تل أبيب تصر على استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية، تجد الولايات المتحدة نفسها في مأزق بسبب فشل إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولاية جو بايدن في موقف صعب.
ومؤخراً قال الرئيس الأمريكي جو بايدن إن هناك «تقدما حقيقيا» في مفاوضات وقف إطلاق النار بغزة، رغم دعم إدارته المطلق لإسرائيل في حرب الإبادة على القطاع الفلسطيني. وجاء ذلك خلال إحاطة صحافية، بشأن حرائق الغابات التي تجتاح ولاية لوس أنجلوس، في البيت الأبيض بواشنطن. ولدى تطرقه إلى قضية غزة، قال بايدن الذي تقدم إدارته دعما مطلقا لإسرائيل: «أنا متفائل بأننا سنتمكن من التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى». وأضاف بايدن الذي سيسلم منصب الرئاسة لخلفه دونالد ترامب في 20 الجاري: «نحقق تقدما حقيقيا (بشأن وقف إطلاق النار في غزة)». ولكن بعيداً عن لغة التمني التي يعلنها البيت الأبيض، ما تزال جهود واشنطن رهينة تعنت نتنياهو.
وتعثرت لأكثر من مرة مفاوضات تبادل الأسرى التي تجري بوساطة قطرية مصرية أمريكية، جراء إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على استمرار السيطرة على محور فيلادلفيا الحدودي بين غزة ومصر، ومعبر رفح بغزة، ومنع عودة مقاتلي الفصائل الفلسطينية إلى شمال غزة عبر تفتيش العائدين من خلال ممر نتساريم وسط القطاع.
وتواصل تل أبيب مجازرها متجاهلة مذكرتي اعتقال أصدرتهما المحكمة الجنائية الدولية يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهمتي ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.