لا تنتج الجوائز كتاباً سيئين، هذا ليس هدفها، مع أنها تكرسهم. إنها تريد أن تنتج قراء سيئين. هدفها الرئيس هو هذا. تكريس القراءة السيئة، أو العمل من أجل أن تسود هذه القراءة، هو الذي تريده الجوائز العربية اليوم، وبالخصوص بصيغتها التي نعرفها الآن. إنها تبدو «جوائز مالية بحتة»، أو هذا ما توحي به، لكنها غير بريئة، على الرغم من الجهود التي تبذلها لكي تكون محايدة ونزيهة. هذا الغشاء الواهي، في الحقيقة، ليس إلاّ خدعة كبيرة، كما سندرك سريعاً، حال أن نفكِّك إحداثياتها، ونكتشف دورها في «تصنيع العقول».
الكتابة إنتاج. وهي من هذا المنظور، قابلة للاستهلاك والاندثار، ويحكمها المنطق النسبيّ ومعاييره في الجودة حتى في شكلها الأسمى. لكن القراءة تربية.. تربية عقول وعواطف وأحاسيس، تُنَمّي مشاعرنا ومخيّلتنا وسلوكنا، مستقبلنا منها، ومواقفنا المستنيرة والمتطوِّرة أيضاً. هي الحاضر، والحاضر هو المستقبل. فمَنْ لا يقرأْ لا مستقبل له. القراءة الحصيفة، إذن، هي مصدر الوعي الإنساني، فلا وعي بلا قراءة. والقراءة المتحررة من قيود التزلّف والتخلّف والابتذال، يمكن لها أن تنتج أجيالاً من البشر الذين سينتجون شكلا جديدا من الوجود، وقد يغيّرون الشكل القديم منه إذا لم يعد يلائمهم، ولكن، ماذا يقرأ العرب اليوم؟
مُنظِّرو الجوائر العربية، والمتحكّمون في مصائرها، فَهِموا ذلك جيداً، وأدركوا بعمق خطورة القراءة النقدية للعالم، فأرادوا أن يجهزوا على هذه القراءة المستنيرة، قبل أن «تشُبّ عن الطوق»، خدعة العقول الكامنة في بنية هذه الجوائز، إذن، هي أدْهى ما يتعَرَّض له القارئ العربي، وهذه الخديعة المستترة هي التي تقود استراتيجيتها وتحدد أنساقها، وترسم سياسة هيمنتها الثقافية. وأيّاً كانت الادّعاءات التي تسند حيثياتها، أو التي تدافع بها عن نفسها، فهي «ظاهرة أيديولوجية » محنَّكَة.
بتأثير هذا النشاط الجوائزيّ الملتبَس، وبفعل منظوره المبَسَّط والسطحي للثقافة السائدة، نكاد ننسى عظماء الثقافة العربية الذين علّمونا، بدون جوائز، حرية التفكير، وأسسوا ثقافة حرة لا تقديس فيها إلا للعقل.
لها تصوُّرها الخاص للعالَم، وهي مثل أي ظاهرة أخرى تريد أن تجبّ ما قبلها، وهنا تكمن خطورتها العظمى. بحنكة مَنْ يريد أن يربي أجيالاً من الكُتّاب على قياسه، بدأ أهل الجوائز العربية يَلُمّون حولهم «رجال الأدب العربي الحديث ونساءه» بعد أن أستوعبوهم بسهولة بالغة، وأغروهم بتسويد الكُتب من «أجلها»، وأقنعوا الباحثين عن «الشهرة بأسهل السُبُل» بأن الأدب العربي، اليوم، هو هذا الذي يبدعونه «من عَدم»، وبأن «جوائزهم» التي غَيَّبت التاريخ عمداً، هي المعيار. ولكَي يتربّعوا على «عرش مبدعي القراءة»، أحاطوا أنفسهم بنَقّاري صحون الموائد الأدبية، والمتمرّسين بالمدْح والتلْفيق، ووَضَعوا الجميع تحت الأضواء البرّاقة التي «تعمي الأبصار»، آملين أن تكون «دوشاتهم» الإعلامية الباهرة كافية لكي يتلَقَّف القُرّاء الأبرياء ما تختاره جوائزهم العتيدة. فصار الكَتَبة يتصارعون، أو يتسارعون، على إنتاج أدب فُرِّغ من جوهره، بعد أن نزعوا منه «شوكه المحرِّض»، فغدا مسالماً، خالياً من كل ما يمكن أن يزعج الاطمئنان، سهلاً غير ممتع، ولامبالياً بمصائر التاريخ في هذه الفترة الحاسمة من الوجود العربي. لا موقف نقديّ فيه، ولا تصوّر مخالف للمألوف. لا يضرّ أحداً، ولا يرضي أحداً، أيضاً: كتابة باهتة، بائتة مثل وجبة لم يأكلها الآخرون، بدلاً من أن يكون محرضا للعقل والعاطفة، باعتبار أن الأدب ضمير الكون. وفي هذه النقطة بالذات تكمن خطورته على القُرّاء، خاصة على أولئك الذين لم تتحَصّن ذائقة القراءة عندهم، بعد. فهُم الفرائس الأكْثر عدداً، والأسهل وقوعاً في فخاخ كتب الجوائز، خصوصاً، وقد أُقنِعوا بواسطة الإعلام المزيِّف، بأنْ ليس في الإمكان أبدعَ ممّا كان.
بتأثير هذا النشاط الجوائزيّ الملتبَس، وبفعل منظوره المبَسَّط والسطحي للثقافة السائدة، نكاد ننسى عظماء الثقافة العربية الذين علّمونا، بدون جوائز، حرية التفكير، ونبَّهونا إلى ضرورة الشكّ في المعطيات والمسلمات، وأسسوا ثقافة حرة لا تقديس فيها إلا للعقل، وبالتحديد العقل النسبي، لأن الكون لا مطلق فيه. لكن الجوائز العربية المحافظة بامتياز، لا تدفعنا إلى التفكير بمثل هذا، إنْ لَمْ تكن في الحقيقة تمنعنا. إنها تفرض علينا، بقوة المال، منظومة معرفية لا رأي لنا فيها، وليس لنا حيالها خيار. فهي تملك السلطة الأدبية، ووسائل الاتصال الباذخة، ولها عملاء ثقافيون محترفون، واستراتيجيتها استراتيجية إخضاع، لا إبداع، حتى لتبدو وكأنها احتكار ثقافيّ صارخ. إنها ضد كل قطيعة، وبالخصوص عندما تكون معرفية. فهي في حقيقتها العميقة سيطرة مالية على الأدب والثقافة والحياة. ونحن نعرف، كما علّمنا التاريخ القريب، أن سيطرة المال على الإبداع كارثة لا شكّ فيها. وهذه السيطرة، أيّاً كان القناع الذي ترتديه، ذات بُعْد «أيديولوجي» صارم. وهي مثل أي أيديولوجيا أخرى لها طموحاتها ومتطلَّباتها وتصوّرها الخاص للعالم وللإنسان، وتكاد تكون، من هذه الناحية، قرصنة ثقافية ممنهجَة، وهنا تكمن خطورة «جوائزنا» الأدبية التي سنعاني منها طويلاً، إنْ لمْ نتحدّاها.
٭ روائي سوري