جوان زيرو وإياد جرود .. فنانان لم تغرهما حدود تبعد عن سوريا

حجم الخط
0

اسطنبول – قصي عمامة: يرتدي رسام الكاريكاتير جوان زيرو «شروالاُ» تركياً، ابتاعه من مدنية انطاكية. يسير به في شارع الاستقلال، وهو يروي لنا كيف ترك أمريكا بكل ما قدمته له من ميزات اللجوء، ليعود إلى أقرب مكان من سوريا. قصته مشابهة للمخرج إياد جرود، الذي يوزع نهاراته في غازي عنتاب، وتفاصيلها بين فناجين قهوته ودخان السجائر. ويراقب بتؤدة، ما صوّره في مناطق عدة من سوريا طوال سنوات. ينتظر فرصة كي ينتج هذا العبء في شرائط سينمائية، رحل معظم أبطالها، بعد أن عاد جرود من هولندا، حيث عرض فيلمه السينمائي أخيراً في مهرجان دولي.
في أمريكا لم يشعر زيرو بالراحة. صحيح أن الولايات المتحدة هي على رأس أحلام اللاجئين الذين يتنهدون حين يذكر اسمها كبلد من الممكن للسوري أن يعيش فيها مرتاح البال، لكن زيرو لم يشعر بذلك. هو حرفياً هرب. ركب الطائرة من مطار إلينوي في شيكاغو، وغادر دون أن يخبر دائرة الهجرة بسفره. وفي انقرة لم يراجع السفارة الأمريكية التي اتصلت به مستفسرة عن عودته إلى تركيا، لكنه حتى لم يعط جواباً لهم.
لأنه، كما يقول، يريد أن يكون أقرب إلى موطنه. كيف لرسام كاريكاتير أن يترك قلمه وريشته تحاكي الجثث والبراميل والتصريحات والتصريحات المضادة وهو يقيم على بعد محيطين؟، يقول زيرو، إنه يريد أن يخدم لوحته ولو على حساب رسامها وحياته وتفاصيل يومياته المقلقة والعادية منها.
سريع هو زيرو في الرسم، يسمع الخبر أو يقرأ التصريح، فيمسك بـ «الماوس» التي يستخدمها كقلم. يضرب خطوطه التي تبدو قليلة قدر الإمكان. ينهي تعليقه السياسي على الخبر الجديد، تقريباً لا خبر يمر من دون رسم جديد لزيرو.
تندر فرص العمل في تركيا للصحافيين والرسامين والعاملين في الحقل الثقافي والأدبي، وتجدها فرصة لتستفز زيرو وتسأله إن كان نادماً على عودته من بلاد «العم سام»، وترك أرض الأحلام ليلعب دور «الضيف السوري» في تركيا. فالحكومة التركية لا تعتبر اللاجئ السوري لاجئاً، وفق ما يعرفه القانون الدولي الإنساني، بل تسميه «ضيفاً» كي لا تقدم له أي شيء. ببرود مستفز يقول زيرو: «لا أبداً. هل عاش ناجي العلي في أمريكا حين رسم عن القضية الفلسطينية؟ هل ولد حنظلة في كندا؟. كان ابن مخيم وحين ابتعد ذهب إلى الكويت، يجب أن أبقى هنا كي يصدقني من يشاهد لوحتي، يجب أن أعيش ما أرسم».
طبعا لا يفكر زيرو في ركوب قارب مطاطي «بلم» يحمله نحو أوروبا. يكتفي برسم الغارقين في أحلى صورهم. كالرسم الذي رد فيه على جدلية الرسم الذي نشر في مجلة «شارلي ايبدو» (الفرنسية)، والذي بدا ساخراً من الطفل السوري إيلان، الغارق على شاطىء بحر ايجه. الرسم الذي اعتبر فيه زيرو أن إيلان لو كتبت له النجاة، لكان الحب هو ما تعلمه وليس التحرش كما رسمته الصحيفة الفرنسية.
في الجنوب أيضاَ، هناك من لا يفكر لا بقارب مطاطي ولا بتذكرة سفر شبه مؤمنة إلى أحد دول الاتحاد الاوروبي، المخرج السوري إياد جرود. صاحب أكثر أفلام الثورة السورية نجاحاً، وأولها على الإطلاق «حيطان سراقب: دفاتر العشاق». لا يزال يعيش في غازي عنتاب، بين مشاريع أفلامه وصوره وذكريات بلدته سراقب في ريف إدلب.
بينما يتابع جرود في شقته الصغيرة في عنتاب مراقبة ما صوره طوال ثلاث سنوات في جبهات القتال التي كانت نضرة وصادقة أكثر، كما يقول عنها، يحكي لك عن أفلامه التي لم تر النور بعد. قصص لم يحك عنها سابقاً، وتفاصيل لم تُعرف وأبطال حقيقيون قضوا ودفنوا وتركوا له صورهم وأصواتهم وأحلامهم في عدسة كاميرته. عبء كبير يحمله جرود في آلاف الدقائق المصورة التي تحتاج إلى مخرج جراح مثله يفصلها وينتقي منها الأفضل، قبل أن يضع اسماً لكل فيلم.
لماذا تعيش هنا يا جرود؟، سؤال يجيب الشاب من دون تردد: «لا أملك ذريعة أمام نفسي حتى لمجرد تفكير في الهجرة. بالنسبة لي لن تكون هذه الذريعة مبنية على اساس وضع إقتصادي سيئ، قد تفرضه عليّ الرقعة الجغرافية التي أقطن بها أو حقوق افتقر لها لتحدد ماهية هذا الوجود، على الرغم من أن الكثير من المبررات موجودة لدي لكل ما سبق كي أهاجر بأي طريقة كانت».
حين لا يكون جرود أمام شاشة حاسوبه، تجده في ميتم لأطفال سوريين يعيشون في تركيا. يحمل كاميراته بينهم لكنه قلما يلتقط لهم الصور. طوال سنوات من الزيارات إلى الميتم جعلت جرود صديقاً لكل طفل فقد أباً أو أماً أو أخاً أو حتى يداً أو ذاكرة. وبكثير من الصبر، ينتظر جرود لحظة واحدة كي يلتقط صورة لطفل عرف قصته جيداً.
العرض الأول لفيلم «حيطان سراقب» كان في مهرجان «روتردام» السينمائي في هولندا. سافر جرود إلى المهرجان مع النية الكاملة بالعودة إلى تركيا بعد انتهاء فعاليات المهرجان. رغم أنه لا يخفي لنا أن عروضاَ غير مباشرة وصلته كي يبقى في هولندا أو غيرها من البلاد، لكن تحت أي اسم ولأي جدوى؟، يسأل جرود، ويضيف أنه لن يشعر هناك ولا لأي لحظة بالراحة أو الهدف من العيش كلاجئ في أي بلد اوروبي.
أكثر ما يدهش جرود هو أنه يوصف تصرفه بـ»الغبي»، لقاء فعلته تلك. عدم طلب اللجوء في فرصة سنحت له، حين ركب طائرة واستقبل كضيف مهرجان لافت يحمل فيلماً عن الثورة السورية في العام 2015، العام الذي عرف زحفاً سورياً غير شرعي إلى أوروبا بحراً وبراً، من مدنيبن ومترفين ومثقفين وجامعيين، لكن جرود الذي يرى بعدسته ما لا يراه غيره، لا يزال مصراً على أن تلك البلاد لن تجعل منه ما يشتهي.
الرجلان لم ييأسا بعد، على الرغم من أن الغالب على الطبقة التي ينتميان إليها من السوريين، هو الإحباط من العودة إلى البلاد، لكنهما لا يزالان يؤمنان بأن النجاة الفردية، ليست حقاً من الممكن لهما أن يسعيا إليه اليوم.

qsh

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية