صباح الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني سنة 1954 أبحر إيكيتشي كوبوياما وأصدقاؤه في رحلة صيد في المحيط الهادئ بصحبة قاربهم «التنين المحظوظ 5»، مرت أشهر قبل أن يختار القارب تحويل مساره إلى الجنوب قليلا في عمق المحيط، فجأة وفي الأول من مارس/اذار 1954 لاح للأنظار وميض أبيض ملأ الأفق لوهله تبعه دوي عنيف كأنه صدع في سقف السماء، حاول كوبوياما ورفاقه سحب شباكهم من البحر وهرول الصيادون ليهربوا بقاربهم من خطر داهم، بعد ساعة تقريبا تكدر الجو وأظلم الأفق واكتنف الضباب المظلم الأرجاء، وهطل من السماء رماد غطى القارب ورؤوس الصيادين، كان هذا المطر هو سبب موت كوبوياما تسمما بالإشعاع النووي، وكان سبب مرض رفاقه بأمراض إشعاعية من أثر ذلك المطر المميت.
كان ذلك الدوي هو صوت قنبلة الاختبار الهيدروجينية الأولى من نوعها Castle Bravo التي فجرتها الولايات المتحدة في الأول من مارس 1954، لتكون أول قنبلة اندماج ذات قوة تدميرية هائلة يتم تفجيرها، وليكون ضحيتها البحار كوبوياما ورفاقه. بعدها بثمانية أشهر وبعد أن مات كوبوياما، ظهرت شخصية Godzilla لأول مرة كتعبير عن ذلك الوحش المدمر في عمق المحيط، الذي يكتسح الشواطئ والمدن كالقدر المحتوم، وليكون هذا الوحش تجليا للرعب والأسى في قلوب جيران المحيط الهادئ من وحش أخرجته من وكره مساعي تلك الدولة على الجهة الأخرى من المحيط، لأن تكون لها اليد العليا في العالم. بقيت شخصية الوحش Godzilla رمزا لذلك الخطر النووي ولذلك الرعب في قلوب اليابانيين وكأنه منقوش عليه ذكرى شمس أشرقت لثوان من المغرب ليتبعها دخان من فناء ورماد ووباء.
فيلم Godzilla الأخير يقدم النسخة الأمريكية من وحش المحيط، إنه يعيد رسم هذه الصورة لتكون رسالته إلى العالم المعبرة عن رأيه فيه، كما هو حال الرسائل الأمريكية للعالم، رسائل تبرير بأن الأضرار الجانبية تحصل، لكن المقصد هو خير الإنسانية وسلامها، سيصبح Godzilla إذا في هذا الفيلم بطلا ينقذ العالم مع أنه يدمره.
ضخم الجثة قوي العضلات هادئ في المحيط يخرج إذا حصل خطر ليقضي عليه ثم يعود، ولا يعنيه ما داس عليه وارتطم به من مرافق، ولا يلتفت للضحايا المسحوقين تحت أقدامه، ما دام أنه أقل الوحوش خطرا وأقربها مودة.
هذه هي الثيمة الرائجة في أفلام الأبطال الخارقين الأمريكية، نراها واضحة في معارك Hulk و Captain America و Spiderman وغيرها، فمعركة هؤلاء هي معركة العمالقة، وما على الناس إلا أن يتفرجوا عاجزين عن أن يفعلوا شيئا، لذلك نرى الحل الوحيد في فيلم Godzilla للخلاص هو ترك الوحوش تتصارع، فهي أقدار لا يمكن تغييرها وقوى لا يمكن مواجهتها.
غير أن في هذا الفيلم مستوى آخر وثيمة أخرى ربما لها ارتباط بفلسفة الصراع ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الكارثة النووية، حرب تسميها دوائر الاستخبارات بالحرب «غير المتوازية» Unparalleled War، ولها لذلك صلة بالصراع الدائر في الشرق الأوسط، إنها فلسفة تبنتها أمريكا ولخصها آيزنهاور «لن تكون هناك حرب نووية أخرى، إن الحرب النووية معناها أن الطرف الخاسر سيمحى من وجه الأرض، وأن الفائز سيبقى جزء منه قليل على وجه الأرض»، إذن لا يراد لحرب نووية أخرى أن تشتعل لأنها ببساطة تعني دمار الأرض، فعلى الحرب القادمة أن تكون حربا بالوكالة، تقاتل فيها الوحوش العظمى عن بعد بأسلحة غير أسلحتها وجنود غير جنودها. ولهذه الحرب الجديدة ميادين للقتال، ابتداء من عقول الناس وانتهاء بالخنادق والجبال، ولا وقت لهذه الحرب محدد، بل هي في صيرورة تستنزف العدو ولا تهاجمه مباشرة.
لم يفلح المخرج جاريث إدواردز في إقناع شركات الانتاج اليابانية صاحبة شخصية Godzilla بتغيير قصة منشأ الوحش، لتكون أكثر معاصرة وأقل ارتباطا بالقنبلة النووية، ولعله أراد أن يلبس الوحش الجديد لباسا أكثر تعلقا بالأحداث السياسية القائمة، وبالعدو الجديد وهو الإرهاب، إن من قريب أو من بعيد، نحن لا نعلم ذلك على وجه اليقين، لكن لدينا إرهاصات نستفيد منها محاولة لجعل الوحش رمزية للعدو الجديد في نظر أمريكا وهو الإرهاب، او لنقل الإسلام السياسي عموما.
في القصة الجديدة تبدأ الأحداث في سنة 1999 حيث تكتشف آثار الوحش المدمر، وهي السنة التي بدأ يظهر فيها مصطلح الإرهاب بشكل مطرد، وبدا فيها أن الجهاديين الإسلاميين هم المقصودون حصرا بهذ المصطلح، تتداعى الأحداث وتنتقل إلى الزمن المعاصر، حيث يظهر وحش آخر اسمه MUTO وهو أكثر توحشا ودمارا وله على غير العادة زوجة للدلالة على مسعى هذا الوحش للتكاثر والانتشار على خلاف Godzilla المنفرد المنطوي في البحر، هذه الوحوش الثلاثة تتغذى على مخلفات الأسلحة النووية وتستمد طاقتها منها، هذا يذكرنا بخطة بريجينسكي التي يدعم فيها الجهاديين في أفغانستان بأسلحة من مخلفات الحرب العالمية الثانية كجزء من خطة الحرب الجديدة، التي لا تزال تتبع الخطوات نفسها، فلازال جهاديو أفغانستان يعتمدون على هذ النوع من الأسلحة في معاركهم.
و إذا فنحن أمام ثلاثة وحوش متحدين في الطبيعة والنشأة، اثنان منهما اكثر خطرا على الإنسانية لأنهما أكثر تدميرا ولأن من طبيعتهما التزاوج والتكاثر.
ويبدأ المشهد الخطير والمحوري في الفيلم حين يقرر الخبراء اليابانيون ترك الوحوش تقتتل وحدها، فقد اكتشفوا أن Godzilla موجود لإحلال التوازن على الصراع لئلا يتغول الـ MUTO ويفني الأرض، تبدأ المعركة وتقتتل الوحوش وينتصر في النهاية الوحش المنفرد Godzilla ليذهب في ما بعد هائما على وجهه في المحيط في مشهد بطولي حافل.
ففي هذا المستوى من القراءة يمكننا أن نفهم خطة أمريكا الجديدة في حربها هذه لتخليص العالم من عدو مدمر هو الإرهاب أو الإسلام السياسي، ومع كون هذا العدو من نشأة وطبيعة واحدة، فكما نرى فهي حرب أهلية بين الجهاديين على أمل أن ينتصر فيها أقرب الفريقين لأمريكا مودة وأكثرهم اعتدالا، أو لنقل، لينتصر فيها أكثر الفريقين فائدة لخطط أمريكا. هي حرب لا تخسر فيها أمريكا شيئا وتكسب كل شيء، هي حرب المقصود منها تدمير الشرق الأوسط وتفتيته والقضاء على أي بوادر قوة فيه تهدد هيمنتها وسلطتها، هي حرب وقودها المماطلة، والهدف المرجو منها أن لا تنتهي قريبا .هي هادئة جدا كالمطر المميت وآثارها ممتدة في الزمان تورث لدى الشعوب العربية رعبا أن تحاول التفكير في نهضة قادمة، بل تخيفها من نفسها أن ربيعها سيصبح شتاء من رماد وأشلاء.. وكأنني بقارب العرب كقارب اليابانيين «التنين المحظوظ» رسالة خطر داهم إلى كل العالم..
فالخطة واضحة والمصير محتوم.. دعهم يقتتلون … Let Them Fight!
سعيد أبو زينة