لندن ـ «القدس العربي»: جود بيلنغهام، طفرة كروية أصيلة، تجمع بين نقاء الموهبة الافريقية وبين الانضباط والعقلية الاحترافية الأوروبية، كلاعب بنسخة مختلفة تماما، عن الإصدار البريطاني التقليدي. وبعبارة أخرى، ليس من الشباب والأساطير المصطنعة في الصحف والإعلام الإنكليزي، تاركا إمكاناته الهائلة تتحدث عنه، كما يبدو في مشاهد الفزع والذعر الكروي، التي تنتاب المدافعين في المواجهات المباشرة معه، بحلوله وحيله المتنوعة في المراوغة وبعثرة الخصوم، بالتقنية الحصرية لسحرة اللعبة في أمريكا الجنوبية، ما ساعده على أخذ خطوات عملاقة في مسيرته الاحترافية في سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة، مجسدا المقولة المأثورة الشهيرة للسير وينستون تشرشل «النجاح يأتي من الاستمرار في السعي والفشل والتعلم دون فقدان الحماس».
المولد والطفولة
أطلق المراهق الإنكليزي صرخته الأولى على هذا الكوكب، في 29 يونيو/ حزيران 2003، في مدينة ستاوربريدج، في جنوب غربي مدينة بيرمنغهام التابعة لمقاطعة ميدلاندز الغربية، وتشكل وجدانه في أسرة من الطبقة الوسطى، كان يعولها الأب البريطاني الأصل مارك بيلنغهام، وزوجته دينيس بيلنغهام، ذات الجذور والأصول الأفريقية، ولأن المال لم يكن هاجسا أو مصدر قلق على مستقبل الأسرة، خاصة بعد إنجاب طفلين آخرين بعد الكبير جود، حرص والداه على انتظامه في مدرسة بريوري الابتدائية، لكن ما أن تكشفت موهبة الصغير في ترويضه للكرة والانطلاق بها بصورة مميزة عن باقي أقرانه في نفس المرحلة السنية، وافق الوالد على إرساله إلى اختبارات مركز بيرمنغهام للأطفال الأقل من ثماني سنوات، على أمل أن يحقق الابن ما عجز عليه الأب، الذي تروي سيرته الذاتية، أنه كان واحداً من أساطير دوري الهواة، بمسيرة مضيئة استمرت لنحو عقدين من الزمن، دافع خلالها عن ألوان عدة أندية منها فريق المنطقة ستاوربريدج وهايلز أوين وليمنغتون وساتون كولدفيلد وإلخ، تاركا وراءه تسجيل أكثر من 700 هدف، وفقا لرواية مدير ليمنغتون السابق جيسون كادن، الذي كشف أسرار الوالد منذ بداية مشواره مع كرة القدم أواخر تسعينات القرن الماضي، وحتى توقفه عن ركل الكرة في العام 2017، منها توفيقه الغريب بين الاستمتاع بشغفه مع كرة القدم، ووظيفته ومنته الرئيسية كضابط شرطة في ستاوربريدج، إذ يقول المسؤول السابق: «بصراحة، لا أعرف كيف فعل ذلك، في المباريات المسائية، كان يركض بعد صافرة النهاية، كان يقفز في الحمام، ثم يستقل سيارته ويبدأ دوام الشرطة عند العاشرة مساء».
الومضة الأولى
وفقا لموقع «لايف بلوغر»، أظهر جود، براعة لا مثيل لها في أكاديمية نادي بيرمنغهام، حتى أنه اكتسب ثقة المدربين في كل قطاعات الشباب، لدرجة أنه في بعض الأوقات، كان يمثل فريق النادي تحت عمر 18 عاما و23 عاما، قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الـ15، ما ساعده على الحصول على منحة دراسية لمدة عامين في بيرمنغهام في يوليو/ تموز 2019، تزامنا مع اللحظة التي يحلم بها كل شاب، بوضع القلم على أول عقد احتراف في حياته بعمر 16 عاما و38 يوما، في ما كانت الخطوة الأولى نحو طريق الشهرة والنجومية الحقيقية في عالم المركولة المجنونة، خاصة بعد تمرسه على لعبة الأرقام القياسية، بدخول تاريخ النادي من الباب الكبير، كأصغر هداف في تاريخ نادي بيرمنغهام في كل العصور، بفضل هدفه في شباك بورتسموث في كأس الرابطة. معها بدأت تتهافت عليه العروض الضخمة، ويُقال إن أكثرهم جدية، كان عرض مانشستر يونايتد، الذي وصل لنحو 20 مليون جنيه إسترليني في يناير/ كانون الثاني 2020، إلا أن الصفقة لم تكتمل، بسبب رغبة اللاعب في مواصلة النمو والتطور مع ناديه. وفي رواية أخرى، لعدم ارتباطه عاطفيا بمؤسسة الشياطين الحمر، لينتهي به المطاف بالذهاب إلى مصنع المواهب الخام في ألمانيا، بوروسيا دورتموند، في ميركاتو 2020، في صفقة قياسية، بلغت قيمتها نحو 25 مليون جنيه إسترليني، كأصغر صفقة للاعب بعمر أقل من 19 عاما، وحدث ذلك بلمسة وفاء من ابن الأكاديمية، الذي كذب اشاعات نيته في الهروب بموجب قانون بوسمان، بتجديد عقده مع الإدارة، حتى يتمكن النادي من الحصول على أعلى عائد مادي من عملية بيعه في صيف 2020، ليرد النادي الإحسان بالإحسان، بحجب رقم قميصه 22 من مباريات الفريق الرسمية، ليبقى قدوة ومثلاً أعلى للأجيال القادمة.
الصعود النيزكي
يروي كبير مستشاري دورتموند ماركوس بيلاوا، لموقع (Goal) العالمي، عن سبب وقوع اختيار كشافة النادي على فتى بيرمنغهام، أنه من الوهلة الأولى، يبدو وأن مواصفاته وسماته لا تتماشى مع المعايير المطلوبة في «سيغنال أيدونا بارك»، بسبب جسده النحيف وضعف لياقته البدنية، حيث كانت تشكل عائقا لإبراز قدراته وحدته داخل المستطيل الأخضر، قائلا بالنص: «يحمل في جيناته صفات القائد، عندما رأيته للمرة الأولى مع بيرمنغهام تحت 23 عاما، لمست قدرته على تحمل المسؤولية، حقا كان يتمتع بجاذبية وشخصية لا مثيل لها بالنسبة لعمره داخل الملعب، لقد كان شجاعا ومطابقا لمعايير معينة للقيادة»، وحسنا فعل، بانفجار موهبته وطاقته مع كبار أسود الفيستيفاليا، بالشراكة المخيفة مع زميل الأمس القريب إيرلنغ هالاند، والتي بدأت بانتزاع الصغير البريطاني، لجائزة أفضل لاعب شاب في البوندسليغا، في أول شهر مع فريقه الجديد في ألمانيا. ومع الوقت، تضاعفت قيمته السوقية 3 مرات، بعد حصوله على استدعاء لتمثيل الوطن في «يورو 2020»، التي أقيمت في صيف 2021 بسبب ظروف كورونا الطارئة، وخرج منها، برقم قياسي استثنائي، كأصغر لاعب يشارك مع المنتخب الإنكليزي في اليورو، قبل أن يتخطى عامه الـ18، ورغم أن سعره تجاوز الـ80 مليون يورو في وقت قياسي، إلا أن ناديه الألماني، رفض التفريط فيه، بل قام بتأمين مستقبله في «سيغنال أيدونا بارك» حتى منتصف العام 2025، والمثير للإعجاب، أنه رغم انفصاله عن الوحش الاسكندينافي بعد انتقاله إلى مانشستر سيتي، إلا أن بيلنغهام، ما زال يبهر عالم كرة القدم، بإمكاناته وقابليته العجيبة للتطور من موسم لآخر، بما في ذلك الثبات العقلي، كواحد من القلائل، الذين يجيدون فن الإبداع تحت الضغط، كما لفت الأنظار في صدام دورتموند أمام مانشستر سيتي في دوري الأبطال، ومؤخرا تقاسم أضواء النجومية مع موسيالا في ليلة تعادل الإنكليز والألمان بثلاثية في كل شبكة.
الخطوة المقبلة
كما لاحظنا جميعا، لم تتوقف الأنباء والاشاعات حول مستقبل بيلنغهام الموسم المقبل، منذ إطلاق صافرة نهاية القمة الانكليزية – الألمانية في دوري الأمم الأوروبية، باعتباره الجوهرة، الأكثر قابلية وجاهزية للتوهج في مونديال الدوحة بعد شهرين من الآن، على طريقة مواطنه مايكل أوين في كأس العالم فرنسا 1998، ووين روني في يورو 2004، وبالتبعية قد يكون حديث العالم وسوق الانتقالات في صيف 2023، كما تراهن العديد من الصحف والمواقع الرياضية، ما بين مصادر تزعم أنه سيكون على رأس قائمة المطلوبين لتعزيز مشروع الفيلسوف بيب غوارديولا في مانشستر سيتي، ليضمن سيطرة «السكاي بلوز» على البطولات المحلية لنهاية العقد، وبعض المصادر الأخرى، تراه بقميص ليفربول، على اعتبار أنه القطعة النادرة المفقودة في وسط الريدز، الذي يفتقر لعملة اللاعب المبدع والخلاق للفرص والأهداف، وبدرجة أقل مانشستر يونايتد وتشلسي. بينما في إسبانيا، وتحديدا في المحيط الإعلامي الأبيض المحسوب على ريال مدريد، فهو الصفقة السوبر المنتظرة في «سانتياغو بيرنابيو» بعد نهاية كل مونديال، كما جرت العادة منذ استقطاب الظاهرة رونالدو دي ليما البرازيلي بعد دوره الكبير في تتويج بلاده بمونديال كوريا الجنوبية واليابان في 2002، مرورا بأنخيل دي ماريا ومسعود أوزيل وسامي خضيرة في 2010، نهاية بتوني كروس وخاميس رودريغيز في 2014 وتيبو كورتوا عقب نهاية المونديال الأخير، ويُقال إن رسوم التحويل ستكسر حاجز الـ100 مليون يورو، وبنسبة كبيرة قد يصبح الصفقة الأغلى في تاريخ اللوس بلانكوس، بعد توقف الرئيس فلورنتينو بيريز عند عتبة الـ100 مليون، كحد أقصى للصفقات الرنانة مثل كريستيانو رونالدو وغاريث بيل وإيدين هازارد وتشواميني، فهل يا ترى سنرى ذاك الشاب الذي ورث الالتزام والانضباط من والده رقيب الشرطة مع أحد كبار البريميرليغ أو أوروبا في المستقبل غير البعيد؟ هذا سيتوقف على ما سيقدمه في المحك العالمي المنتظر وانعكاسه على شخصيته وأدائه داخل الملعب، قبل أن يقنع الكبار والأثرياء بأحقيته في المبلغ الضخم الذي يريده بوروسيا دورتموند، ويبدو أنه السيناريو الأقرب للغة العقل والمنطق، في ظل التزامه بتعليمات وتوجيهات الأسرة، التي لم يخرج عن طوعها حتى وقت كتابة هذه الكلمات، وهو يحتكم على أكثر من ثلاثة ملايين جنيه إسترليني في حساباته البنكية.