جورج سوروس… عدو اردوغان وبيبي

حجم الخط
0

أحياناً يصعب فهم لماذا لا يكون بنيامين نتنياهو ورجب طيب اردوغان صديقين جيدين. كلاهما يعاني من البارانويا، الذي يتركز على الأعداء السياسيين أكثر مما يتركز على الأعداء الخارجيين. كلاهما يمقتان الصحافة الحرة، ولهما عدو مشترك هو جورج سوروس، الملياردير اليهودي الهنغاري الذي يدعم منظمات حقوق الإنسان.
في هذا الشهر اعتقل في تركيا نشيط لحقوق الإنسان هو عثمان كوالا، بتهمة محاولة ضعضعة النظام الدستوري وإسقاط الحكومة التركية. الأمر يتعلق بتهمة عامة، توجه لكل من يتهم بالعلاقة مع منظمة الواعظ الديني فتح الله غولن، الذي ينسب اردوغان له محاولة الانقلاب ضده في تموز 2016. أو مع الاحتجاج الجماهيري الذي اندلع في 2013 رداً على نية هدم متنزه غازي في أسطنبول.
في اللقاء الذي جرى بين اردوغان وأشخاص متوجين في الأسبوع الماضي أبلغهم بأن «أحد ممولي الاحتجاج يوجد الآن في السجن، ويقف من خلفه اليهودي الهنغاري المعروف سيئ الصيت جورج سوروس، الذي يرسل رجاله لتفكيك أمم حيث يستخدم أمواله لهذا الهدف». اردوغان لا يكتفي بالتصريحات، ففي الأسبوع الماضي اعتقلت 13 شخصية أكاديمية بتهمة الانتماء لمنظمة غولن، وحملة الملاحقة لموظفين ومعلمين وشخصيات عامة تستمر بكامل القوة. من استطلاع أجري مؤخراً في تركيا في أوساط المعلمين تبين أن 70 في المئة منهم يخافون من فقدان مكان عملهم بسبب مناخ الخوف الذي يفرضه النظام على جهاز التعليم وعلى خلفية إقالة 41 ألف شخص من عمال الجهاز التعليمي ـ من أصل 140 ألف من موظفي الدولة الذين تمت إقالتهم منذ الانقلاب الفاشل.
في مناسبة أخرى، احتج اردوغان على أن الجامعات متخلفة في إجراء أبحاث علمية، وأن المواطنين يقرأون فقط 3 ـ 4 دقائق يومياً، مقابل 6 ساعات يشاهدون فيها التلفاز. لم يخطر بباله كما يبدو أنه عندما يستقيل آلاف المحاضرين أو يقالون فإن أبحاثهم تتوقف. بالمناسبة، اردوغان أوضح في اللقاء نفسه بأنه هو نفسه لا يقرأ الكتب، لكن مساعديه يقدمون له ملخصات. ربما لم يقرأ تشيكوف هو أيضاً.
ليس المعلمون والقضاة ورجال الأعمال فقط هم الذين يخافون من اليد الطولى للنظام، ثمة صحافيون يواصلون كونهم مؤشراً عليهم من قبل المخابرات، رغم حقيقة أنه من بين الـ 29 وسيلة إعلام كبيرة هناك 21 منها بملكية مقربين من اردوغان. الضربة الأخيرة كانت لصحيفة «حريات» التي بيعت في آذار لمجموعة «دمير اوران» المقربة جداً من الرئيس. الفرق بين «حريات» القديمة والجديدة أصبح واضحاً فور نقل ملكيتها. فالمقالات الانتقادية تحولت إلى تحليلات مائعة، والتحقيقات والفضائح اختفت، وفي موقع النسخة بالإنجليزية يتم نشر مقالات عن الاستجمام والنزهات والطعام.
عندما تسير قنوات الإعلام التقليدية في التلم تتحول جدران المباني إلى صحف حية، يرسم عليها الفنانون احتجاجهم. مثلاً، اديكان (29 سنة)، وهو ابن لعامل في سكة الحديد، اعتاد في الظلام رسم رسومات غرافيك مؤثرة بجمالها، يتم فيها وصف شخصيات أشخاص وحيوانات بألوان جريئة ترمز بصورة غير قليلة إلى العلاقة بين النظام والمواطنين وبين الأغنياء والفقراء، وهذه الرمزية يفهمها المثقفون، ولكن عندما يرسم اديكان خنازير فالجميع يعرفون من هو المقصود.
الأدب الانتقادي هو أيضاً يذوي إلى درجة أن الكاتب التركي المشهور اورهان باموق، الحاصل على جائزة نوبل للأدب، والذي قدم للمحاكمة في 2006 بشأن مذبحة الأرمن، يمتنع عن إسماع صوته ضد النظام. محاكمته ألغيت في الواقع بعد ضغط دولي، بالأساس من الاتحاد الأوروبي، ولكن باموق ما زال على قائمة الأهداف. هذه السنة مثلاً، كما يبدو في أعقاب ضغط تركي، امتنعت بلدية سراييفو من منحه مواطنة الشرف في المدينة، بعد أن تمت المصادقة على ذلك من قبل لجنة تتكون من سبعة أعضاء.
فامو أقام على حسابه الشخصي قبل بضع سنوات في الجزء الأوروبي من أسطنبول «متحف السذاجة»، وعرض فيه أشياء تمثل واقع الحياة في السبعينيات. جزء منها مرتب بصورة من شأنها أن ترمز إلى انتقاد النظام، مثل آلة طباعة وفوقها صورة لملاكم، وهو أمر يرمز إلى النضال ضد الرقابة. المتحف والصور فيه تخلق لغة انتقادية جديدة تذكر بالاحتجاج الأدبي الذي رافق احتجاج الربيع العربي في مصر وتونس، حيث تحولت الجدران فيها إلى وسائل إعلام. في تركيا هذا النوع من الاحتجاج لم يصل حتى الآن إلى أبعاد واسعة كما هي الحال في مصر، لكنه آخذ في الاتساع.
عندما يكون مناخ الخوف والملاحقة هو روح العصر فمن الصعب التطرق بكامل الجدية لتصريحات اردوغان ووزرائه بشأن قضية قتل الصحافي جمال الخاشقجي. في الأسبوع الماضي عبر وزير الخارجية التركي عن غضبه من أقوال الرئيس دونالد ترامب الذي ألغى استنتاجات الـ سي.آي.ايه التي نسبت إلى ولي العهد السعودي المسؤولية عن عملية القتل. «تصريح ترامب يقول إنه ينوي تجاهل هذا الأمر. المال ليس كل شيء. محظور علينا الانفصال عن القيم الإنسانية»، قال الوزير، لكن في الوقت نفسه أعلن بأنه لا يوجد أي سبب لعدم التقاء اردوغان وابن سلمان في مؤتمر «جي 20»، الذي سيعقد في نهاية الشهر الحالي في بوينس آيريس. يبدو أن المال، مع ذلك، هو كل شيء.

تسفي برئيل
هآرتس 26/11/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية