أعيد فيديوهات جوردان بارديلا، التي نشرها قبل الانتخابات الأوروبية الأخيرة (9 يونيو/حزيران) وأراه يتحدث عن دول من أوروبا: فرنسا، بلجيكا، أوكرانيا، روسيا، إلخ. يعرف مواقعها على الخريطة مثل تلميذ مجتهد في مادة الجغرافيا. ثم فجأة يحيد عن أوروبا، ويذكر بلداً من خارج القارة العجوز، نقصد به الجزائر. يتكرر اسم الجزائر على لسانه أكثر من مرة. ظننت أن أصوله جزائرية، لكنني أخطأت. الجزائر في نظره هي الغول الذي يصدر مهاجرين. هل يود محوها من أجل محو المهاجرين الذين يأتون منها؟ بعد الاستماع إلى الرجل، الذي يهوى صور السيلفي، نتخيل أن المهاجرين يتحملون وزر ارتفاع أسعار البنزين وفواتير الكهرباء. بارديلا يؤكد هذه الفرضية، فهو يعتقد فعلاً، أن المهاجرين سبب في المآسي التي يعيشها بلده. أواصل مشاهدة فيديوهات بارديلا، على «تيك توك» ويشرح مشكلته مع القادمين من جنوب المتوسط، بالإشارة إلى اتفاقية 1968 بين الجزائر وفرنسا. وأتيقن أن هذا الزعيم الصغير، الذي خرج من جيب مارين لوبان، وصار واجهة لليمين المتطرف، لا يحفظ دروس التاريخ مثلما يحفظ دروس الجغرافيا.
اتفاقية 1968 تتعلق بحركة المهاجرين من الجزائر إلى فرنسا، التي كانت في حاجة إلى يد عاملة، في تلك السنوات. هي اتفاقية تسهل تنقلهم وتسوية وضعيتهم واصطحاب زوجاتهم وأبنائهم. لكن منذ 1982، تعرضت هذه الاتفاقية إلى تغيرات، ولم تعد صالحة في الوقت الحالي. هي وثيقة قديمة لا ظل لها في الواقع. فمنذ 1986 فرضت الفيزا على الجزائريين، وسحبت منهم الامتيازات الأخرى، تدريجياً. ليس هناك مهاجر واحد يستفيد من هذه الاتفاقية عام 2024. مع ذلك أصر السيد بارديلا على العودة إليها، في تخويف الناخبين، بدل أن يقدم نفسه، في الانتخابات، كسياسي. قدم نفسه مثل جندي يحمي حدود بلده من المهاجرين.
على طول الحوارات التلفزيونية، التي أجراها هذا اليميني، الذي ولد بموبايل في يده، لم أر صحافياً يعترض على مغالطاته في موضوع الهجرة. كأن الصحافيين لا يطلعون على قوانين بلدهم. استفاد بارديلا من وثيقة قديمة، فقدت قيمتها، وكسب معركة الانتخابات، على حصان الترهيب من خطر القادمين من شمال افريقيا. أقنع الناخبين بتصريحات زائفة، سوف نأتي على ذكرها بعد حين.
فرنسيون غير معترف بهم
في حسابه على «تيك توك» الذي يتجاوز متابعوه المليون ونصف المليون متابع، يدافع جوردان بارديلا على «فرنسية فرنسا» مرتدياً بدلة من ماركة (Suitsupply) المستوردة من هولندا، ممتنعاً عن ماركات محلية. ويوزع شعارات انتخابية، من بينها شعار: «كونوا فرنسيين وصوتوا للتجمع الوطني» يقصد حزب اليمين المتطرف. إذا صدقنا كلامه، من لا يصوت لصالح هذا الحزب فهو ليس فرنسياً. هذا الشعار ذكرني بشعار مماثل تبناه حزب (جبهة الإنقاذ) الإسلامي، في التسعينيات، مفاده أن من يعارضهم فهو يعارض كلام الله. بالنسبة إلى هذا الشاب، الذي يرتدي قناع مارين لوبان، لا تكتمل هوية الفرنسي، إلا إذا كان من أبوين فرنسيين وولد في فرنسا. إذا سايرنا هذا المنطق فإن ألبير كامو ليس كاتباً فرنسياً (لأنه ولد في الجزائر) مارغريت دوراس ليست كاتبة فرنسية (لأنها ولدت في فيتنام) وفق هذا المنطق نسحب جائزة نوبل للأدب عام 2000 من فرنسا، لأن صاحبها جاو كسينجيان، صيني متجنس. كما نسحب أيضاً كل الميداليات التي نالتها فرنسا في ألعاب أولمبية، بفضل رياضيين متجنسين. نلغي هدفي زيدان في مونديال 1998 ونعيد مبابي إلى افريقيا! هكذا يفكر اليمين المتطرف. في حال وصل بارديلا وحزبه إلى الحكم، فإنهم يعدون بترحيل المهاجرين، وهذه هي القضية المرضية في سياسة اليمين. استفادوا من الأزمة الحالية، لاسيما في مجال الطاقة، إثر الحرب في أوكرانيا، وراحوا يلوحون بشبح الأجانب، وأنهم السبب في انخفاض الرواتب، وأن التخلص منهم هو طوق النجاة، والأخطر من ذلك أن نسمعه يقول إن المهاجرين يهددون قيم فرنسا الحضارية! هل فرنسا بهذه الهشاشة التي يهددها مهاجرون، غالبيتهم مجنسين!
مع أوكرانيا ضد أوكرانيا
جوردان بارديلا، الذي يهتم بمظهره أكثر من معلوماته، مثل خريجي ستار أكاديمي، بات مقتنعاً بأن يصير الوزير الأول في فرنسا، بدءاً من الشهر المقبل (عقب الانتخابات البرلمانية المسبقة) فقد نشر على حسابه صورته، مرفقة بكلمة (بارديلا، وزيراً أول). ما يمهد الطريق لأن تصير مارين لوبان رئيسة للبلد عام 2027، كما يحلم. وفي حال تحققت نواياه، فأمامه ثلاث أولويات، كما يقول: «رفع القدرة الشرائية للمواطنين، الأمن والهجرة». في نظره أمن فرنسا يتعلق بمنع الهجرة، من غير أن يتخلى لسانه عن ذكر اسم الجزائر والقادمين منها. فكلامه يناقض الأرقام الرسمية، التي نشرها المعهد الفرنسي للإحصائيات والدراسات الاقتصادية، الذي يقر أن المهاجرين الجزائريين في فرنسا لا يساوي عددهم أكثر من 12% من مجمل المهاجرين. من بينهم من يطلق عليهم «الأقدام السوداء» وهم فرنسيون ولدوا في الجزائر، قبل استقلال البلد. هل يطردهم كذلك؟ كما إن 32% من المهاجرين أصولهم أوربية (لاسيما من البرتغال، إسبانيا وإيطاليا) هؤلاء كذلك ينتظرهم ترحيل؟ ومنذ عامين شهدت فرنسا (على غرار دول أوروبية أخرى) موجة لجوء من أوكرانيا، بسبب الحرب. هل سوف يواصل اليمين التطرف دعم أوكرانيا ويتنصل من اللاجئين القادمين منها؟ هذه واحدة من التناقضات التي يتغاضى عنها بارديلا، الذي يخوف الناخبين بمسألة المهاجرين، من غير إلمام بالموضوع. يتكلم من غير أن يقول شيئاً. في نظره أن العمال الموسميين، الذين يأتون في مواسم الحصاد، إنهم كذلك مهاجرون.
النقطة الأخرى التي يتغاضى عنها، هي الفرنسيون الذين يغادرون بلدهم كل عام. بالعودة إلى المعهد الفرنسي للإحصائيات والدراسات الاقتصادية، فإن من 250 إلى 300 ألف فرنسي يغادرون بلدهم كل عام. هؤلاء لم يذكر شيئاً عنهم، ولم يخبر الناخبين عن سياسته كي لا يغادروا بلدهم، فتركيزه كله على القادمين من الجزائر وشمال افريقيا إجمالاً. منذ سنوات، لم تعد فرنسا وجهة مفضلة للمهاجرين من الجزائر، بل يفضلون كندا، وهو تفصيل يغيب عن جوردان بارديلا، الذي لا يزال أسير حسابات قديمة، وأرقام من الماضي، لقد نجح في حفظ دروس الجغرافيا، لكن حداثة سنه لم تسمح له بتعلم التاريخ. وستكون فرنسا مقبلة على وزير أول فشل في امتحان التاريخ، ينفي عنها كتابها ومفكريها ورياضييها، الذين دافعوا عنها في السابق. سوف يستفيد من الأزمة الحالية، في الوصول إلى الحكم، مثلما يفعل الإسلاميون، الذين يغتنمون الأزمات في البلاد العربية، قصد رفع صوتهم.
كاتب جزائري