العود إلى العقلانية أهم ما ستجسده مرحلة بايدن
في غلاف مجلة “إيكونوميست” الأخير “صباح اليوم التالي في أمريكا” (كناية عن حفلة صاخبة وسكر) بدا الرئيس الـ 46 للولايات المتحدة جوزيف بايدن مثل عامل نظافة حاملا ممسحة وسطلا ويقف أمام البيت الأبيض مستعدا للدخول وتنظيف حقبة سلفه دونالد ترامب التي تركت خلفها أرضا محروقة.
ففي اليوم الذي خرج فيه الرئيس السابق من البيت الأبيض وصل عدد ضحايا فيروس كورونا إلى 400.000 أمريكي بالإضافة لملايين العاطلين عن العمل، ولهذا لم يتوقف بايدن عن العمل منذ اليوم الأول لتنصيبه في حفلة خلت من الجماهير الحاشدة وحلت محلهم الأعلام التي رمزت لكل ضحية أمريكي من كوفيد-19 ووفر الحرس الوطني أكثر من 25.000 جندي لحراسة حفلة التنصيب التي غاب عنها الرئيس السابق وتسلل إلى منتجعه في فلوريدا بعدما فشل في الحصول على حفلة وداع كبيرة واستخدم العفو الرئاسي ليعفو عن حفنة من المقربين إليه المدانين بجرائم وتجاوزات ومنهم مستشاره السابق ستيفن بانون.
قرارات تنفيذية
ومن هنا فمهمة بايدن وفريقه صعبة جدا وتتولى العمل وسط أزمة وطنية وفيروس خرج عن السيطرة. وقضى بايدن أول يومين من عمله في مكتب “العزم” موقعا على جملة من القرارات التنفيذية التي ألغت قرارات مثل حظر مواطني دول إسلامية من دخول أمريكا والعودة إلى منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ، لكن القرارات الأهم تتعلق بمكافحة فيروس كورونا والمساعدات الاقتصادية للأمريكيين الذي بات الملايين منهم بحاجة للمساعدة المالية وبدون عمل. ويريد بايدن وفريقه حزمة حوافز مالية سريعة من 1.9 تريليون دولار للسيطرة على الفيروس وإنقاذ الاقتصاد.
وبدا بايدن في خطابه الذي ألقاه في حفلة التنصيب تصالحيا، وأكد على الوحدة وأنه سيحكم باسم كل الأمريكيين لا طائفة منهم كما كان ديدن سلفه. وأغلق بايدن حقبة ترامب في خطاب التنصيب لكن المهمة معقدة فالخراب الذي تركه كبير والجراح عميقة. وربما وصل عدد ضحايا كوفيد-19 بنهاية أول مئة يوم على حكم بايدن إلى نصف مليون شخص.
ورغم ضخامة المهمة إلا أن العمل يبدأ من الداخل كما تقول “إيكونوميست” (23/1/2021) بالسيطرة على الفيروس وتوفير اللقاحات بشكل يخفف من انتشار الوباء ويساعد على التعافي الاقتصادي.
ولدى الرئيس الحالي خبرة في مواجهة الأزمات الاقتصادية، فعندما أدى القسم كنائب لباراك أوباما في2009 كانت الأزمة المالية العالمية في ذروتها، مع أن التراجع الاقتصادي الحالي مختلف. وربما نجح بايدن في تخفيف الأزمة الاقتصادية، لكنه سيظل أمام أزمة سياسية نبعت من احتلال مبنى الكابيتول وإنزال الجنود لحماية واشنطن وتأمين انتقال السلطة، وهذه لن تختفي بسهولة، فالحزب الجمهوري بات منظما حول فكرة الولاء لرجل لا يهمه أي شيء باستثناء نفسه. ويمكن لبايدن السيطرة على هذه الأزمة من خلال التمسك بالمركز والبحث عن طرق للتعاون مع الجمهوريين في الكونغرس. مع أن المخاطر قائمة من رفض الجمهوريين التعاون معه لأنه ديمقراطي. وفي نفس الوقت إنقلاب التيار التقدمي في حزبه عليه نظرا لتقربه من الجمهوريين. وهناك حاجة للعمل السريع من أجل مساعدة أمريكا لا حرف المشاكل عن الطريق، لأن الولايات المتحدة كانت أسوأ دولة غنية من ناحية الحفاظ على استمرارية التعليم في العام الماضي. وتراجع التسجيل في المدارس مما يقترح أن هناك اعدادا من الأطفال بدون تعليم. كما أن ارتفاع حالات الإصابات بين الهسبانو والأمريكيين من أصل أفريقي يعني أن المرض له علاقة بلون البشرة وغياب العناية الصحية.
المهمة في الخارج
هذا على صعيد الداخل ولو تحولنا إلى الخارج فالمشكلة أعقد، فإدارة بايدن ستواجه عالما متغيرا ومتشككا في الولايات المتحدة، وهناك خوف لدى الحلفاء من أن القوى التي انتجت ترامب قبل أربعة أعوام قادرة على إنتاج نفس الظاهرة، وعليه فلا معنى من عقد اتفاقيات وأخذ كلام الإدارة الحالية على عواهنه.
ولأن إدارة ترامب تعاملت مع السياسة الخارجية عبر منظور التنمر والبلطجة التي مثلها وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، فالولايات المتحدة تحتاج للتعاون مع الحلفاء والقبول بمقايضات صعبة. فعلى المدى القريب، تحتاج واشنطن للتعاون مع موسكو لتمديد اتفاقية ستارت الجديدة بشأن الأسلحة النووية والتي ستنتهي في 5 شباط/فبراير. مع أن موسكو سجنت المعارض أليكسي نافالني. ونفس المعضلة ستواجه فريق بايدن مع الصين التي يحتاج إليها في ملف المناخ، لكن بيجين نفسها متهمة بحملة إبادة ضد المسلمين الإيغور في إقليم تشنجيانغ. ومن هنا على حلفاء أمريكا في الغرب عدم توقع معجزات تعيد الأمور إلى ما كانت عليه. فقد ظلت إدارة ترامب تزرع الالغام أو المفخخات للإدارة الحالية لكي تقيد يدها عن التحرك خاصة في الملف الإيراني التي المحت إدارة بايدن للعودة إليه. ويظل الحديث عن الملف الخارجي مرتبطا بما ستقوم به الإدارة في الداخل لمعالجة التحديات.
الفريق
ومن هنا تساءل المراقبون والحلفاء حول نشاط بايدن في السياسة الخارجية رغم ما تعانيه بلاده من أزمة اقتصادية وضعف داخلي وانتشار لفيروس كورونا. وأشارت صحيفة “نيويورك تايمز” (20/1/2021) إلى تجربة بايدن في الشؤون العالمية كرئيس للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ ونائب للرئيس، مضيفة أن بايدن تعامل مع العالم من رؤية أن بلاده كانت ضامنة للنظام العالمي. لكن العالم مكان مختلف الآن وبعد أربع سنوات كارثية من حكم ترامب. ومع ذلك فبايدن لن يبتعد عن المسرح العالمي، ويمكن معرفة هذا من الفريق الذي اختاره ليدير السياسة الخارجية. وأكد بايدن في خطابه يوم التنصيب أن أمريكا “ستقود ليس عبر النموذج القوي ولكن قوة نموذجنا”. وأمام بايدن مناسبات دولية من قمة الدول السبع في المنتجع البحري البريطاني كورنويل إلى قمة الدول العشرين في روما ومؤتمر المناخ الذي تخطط له الأمم المتحدة في غلاسكو بإسكتلندا حيث سيقدم رؤيته حول عودة أمريكا لاتفاقية المناخ الموقعة في باريس. وهناك تداخل بين الداخل والخارج في اختيارات بايدن، مثل كيرت أم كامبل منسق السياسة في آسيا مما يشير إلى تشدد مع الصين وتطمينا للدول الحليفة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وعمل كامبل في وزارة الخارجية أثناء فترة أوباما ونصح الإدارة في استراتيجية التوجه نحو آسيا. وقال توماس رايت الخبير في السياسة الخارجية بمعهد بروكينغز “اختار بايدن الأشخاص الذين يعرف ولديهم التزام بالإستراتيجية التنافسية”. وربما وجدت إدارة بايدن معضلة في التأكيد على الديمقراطية بعد أحداث الكابيتول وهو ما دعا إيما أشفورد، الزميلة البارزة في المجلس الأطلنطي بمقال نشرته “فورين بوليسي” (8/1/2021) للقول إن “سياسة خارجية بأهداف طموحة لا تتماشى مطلقا مع الوقائع السياسية المحلية للبلاد والخلل في اقتصادها” وأضافت “كيف يمكن للولايات المتحدة نشر الديمقراطية كمثال للآخرين في وقت لا يوجد لديها ديمقراطية فاعلة”. وجاء تعيين سوزان رايس التي عملت مستشارة للأمن القومي في عهد أوباما كمديرة لمجلس السياسة المحلية في البيت الأبيض ليؤكد على الترابط بين ما هو محلي وخارجي. واستخدم مرشح بايدن لمجلس الأمن القومي جيك سوليفان تويتر للتعليق على أمور حساسة قبل تولي رئيسه المنصب. فقد شجب اعتقال روسيا لزعيم المعارضة الكسي نافالني وتوقيع أوروبا اتفاقية تجارية مع الصين وتصنيف إدارة ترامب الحوثيين كحركة إرهابية حيث قال إن القرار “سيزيد من معاناة الشعب اليمني”. وليس أدل على أهمية الواقعية في السياسة الأمريكية من قرار الاتحاد الأوروبي توقيع اتفاقية استثمارية مع الصين قبل نقل السلطة في واشنطن. مما يظهر كما يرى توم ماكتاغيو في مجلة “ذي أتلانتك” (20/1/2021) مدى تغير العالم منذ أن كان بايدن في الحكم آخر مرة. أوروبا اليوم ليست مستعدة “للتشاور” مع أمريكا قبل التوقيع على اتفاقية بهذه الأهمية، كما طلب سوليفان، وهي ترفض الفكرة القائلة بضرورة ذلك. ويجادل الاتحاد الأوروبي بأن مجرد دفاع أمريكا عن أوروبا لا يعني وجود نوع من عقيدة بريجنيف للطاعة. ومشكلة بايدن في أوروبا واضحة: إن القارة التي خاضت أمريكا حربين لتحريرها، ودفعت تكاليف إعادة بنائها، وقضت 75 عاما في الحماية بتكلفة كبيرة، تعقد الآن صفقات مع المنافس الاستراتيجي الرئيسي لها ومن خلف ظهرها، هل هذا فعل حليف؟
عقيدة جديدة؟
والسؤال هنا عن ملامح عقيدة بايدن؟ فهي كما تقول “واشنطن بوست” (20/1/2021) في طريقها للتشكل وبالتأكيد ستكون مختلفة عن شعار “أمريكا أولا” لترامب الذي كان عقيدة هلامية وشاذة وتم استخدامه لتبرير كل شيء، من فرض العقوبات على الدول أو زيادة التعرفة الجمركية على البضائع وطرد طالبي اللجوء السياسي من الحدود الأمريكية، إلى تخلي أمريكا عن المنظمات الدولية المهمة. وهي “عقيدة” وضعت ترامب على طريق غاضب نفر فيه الحلفاء القدامى في الوقت الذي زاد فيه التوتر مع أعداء الولايات المتحدة. ومع عودة فريق أوباما فعليا، يتوقع منهم تقديم رؤية واقعية وأقل طموحا لمعالجة الكثير من تحديات الولايات المتحدة المتعددة في الخارج. وأهم ما ستجسده مرحلة بايدن هي العود إلى العقلانية، وكما قال وزير الخارجية أنتوني بلينكين في جلسة أمام الكونغرس فالإدارة الجديدة ستعمل من خلال أخلاقيات وثقة وتواضع وليس عبر “التبجح” الذي تبناه بومبيو. وقال “تواضع، لأن لدينا الكثير من العمل في الداخل وتقوية موقفنا في الخارج” و “تواضع لأن معظم مشاكل العالم ليست عنا مع أنها تؤثر علينا. ولا يمكن لدولة واحدة مواجهة المشاكل الكبرى، وحتى دولة قوية مثل الولايات المتحدة”. وفي مقابلات ومقالات رأي وخبراء في الأمن القومي ممن تم ترشيحهم لأدوار في إدارة بايدن أكدوا فيها على ضرورة تعزيز التحالفات الأمريكية بعد الدبلوماسية المتنمرة والمتقلبة لترامب. وأول خطوة في تغيير المسار هي التعامل مع ملف الاتفاق النووي مع إيران الذي انهار بسبب ترامب. ويخشى الشركاء الأوروبيون من زيادة المخزون الإيراني من اليورانيوم وقد يكون عقبة أمام عودة إيران للاتفاقية.
الشرق الأوسط
ولن يكون الشرق الأوسط على قائمة اهتمامات بايدن، من غير اتخاذ إجراءات تجميلية، وإطلاق نفس التصريحات، فقد أكد بلينكين على بقاء السفارة الأمريكية في القدس مع تأكيده على التزام الإدارة الجديدة بحل الدولتين. ومن المحتمل أن يعيد الرئيس الجديد القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية لكي تعمل كسفارة للفلسطينيين حيث سيعيد إليهم المساعدات. ويعارض فريق بايدن ضم أجزاء من الضفة الغربية ومن طرف واحد، ولكن الموضوع ليس على أولويات أجندة بايدن المزدحمة. وهو موضوع معقد وخطير كاف لأن يمتص الكثير من الجهود الدبلوماسية ويعرض عمليات التطبيع الإسرائيلية مع دول عربية للخطر. وكما قال ديفيد غاردنر في “فايننشال تايمز” (20/1/2021) فبايدن سيجد الكثير من المرارة في الشرق الأوسط، وهو يعرف هذا من تجربته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أحرجه في آذار/مارس 2010 وأعلن عن خطط توسيع استيطانية واسعة. ونشط ذاكرة الرئيس بإعلانه عن سلسلة من التوسع الاستيطاني الواسعة قبل دخول بايدن البيت الأبيض.
وسيجد بايدن مشاكل أكبر مع حلفاء بلاده التقليديين في الشرق الأوسط أكثر من أعدائها. فإلى جانب إسرائيل هناك منظور واسع من العداء مع السعودية وتركيا. ويعتقد أن على الولايات المتحدة وأوروبا التعامل بواقعية مع تركيا والاعتراف بأن الأشكال القديمة في التعامل مع أنقرة كحليف تابع قد انتهت. فالرغبة للتعامل مع تركيا كلاعب مستقل ولديها مصالح مشروعة تجد الدعم أبعد من معسكر اردوغان.
وأشار غاردنر إلى أن السعودية تواجه مشكلة تتعلق بسلوك ولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان، القاسي والمتهور. فقد هدد بايدن أثناء الحملة الانتخابية بمراجعة التحالف الأمريكي-السعودي الذي مضى عليه 79 عاما. ومن هنا قام الأمير محمد الذي صعق من هزيمة ترامب بعدة تحركات تظهره كرجل دولة في الوقت الذي يتحرك فيه بايدن نحو مركز المسرح. لكن المراجعة الواقعية لمصالح الولايات المتحدة في الخليج والتي تأخذ بعين الاعتبار نمو صناعة النفط الصخري والاهتمام بقضايا البيئة، تعني أن علاقات أمريكا سيتم تخفيضها مع المنطقة على أي حال. وتساءلت صحيفة “نيويورك تايمز” (19/1/2021) إن كانت التغييرات الهادئة في السعودية كافية لتهدئة التوترات مع الرئيس الجديد جوزيف بايدن. فتخفيض عدد حالات الإعدام وإزالة خطاب الكراهية من الكتب المدرسية وتحديد مدد سجن الناشطين هي جزء من التغييرات التي قامت بها السعودية مع دخول بايدن البيت الأبيض. لكن هناك حرب اليمن والدعم الأمريكي لها وملف جمال خاشقجي الذي بدأ بالسخونة بمطالبة النائب الديمقراطي أدم شيف، مديرة الاستخبارات الوطنية أفريل هينز بالكشف عن وثيقة لسي آي إيه قد تحدد علاقة ولي العهد والمتورطين بقتل خاشقجي. وقد تعهدت هينز في جلسة تأكيدها الالتزام بالقانون.