مات جوزيف حرب منفصلاً. قصيدته تغصّ بصور جمالية تحتفي بالطبيعة والحب والحياة، وموقفه السياسي ينساق طوعاً وراء تأييد عائلة الأسد في سوريا. جوهر الانفصال تباعدي أيضاً، هذا على الأقل يبدو في الظاهر، فالقصيدة مشغولة بزخرفة الجمال وتذويقه، فيما الموقف السياسي منزلق نحو العدم وصناعة الخراب الأسدي.
لكن ما العلاقة بين موقف الشاعر وقصيدته؟ والسؤال الأهم لماذا لا نجاري حرب بانفصاله التكويني ونفصل بينهما، أي بين الموقف والقصيدة، فنقاربه مرتين، مرةً على اعتباره شاعر فيروز (رفيق أغانيها)، ومرةً بوصفه سياسيا وصديق آل الأسد، على أن تطغى المقاربة الأولى وتنفي الثانية. فكثافة القول الذي يمتدح منتج الشاعر وأثره الكتابي لن يترك أي مساحة لنقد موقفه المناصر للاستبداد البراميلي.
بمعنى آخر، قصيدة حرب وظيفتها الأساس إخفاء موقفه وتستيره بجمالية لغوية فارغة تعطل حركة المعنى، وهو ما يبدو مسلكاً أو سياقاً يتوارى خلفه عدد من المثقفين الذين تخلّفوا عن حركة الثورة في بلدانهم. فيوضع المنتج الأدبي أو الفكري في مواجهة الموقف السياسي ليتغلب عليه ويخفف من جدواه. ثمة محاولة تعسفية لفضّ العلاقة بين المنتج والموقف وتعويم الشق الأول وجعله معيارا صلبا.
في حالة حرب، تبدو هذه المعادلة ركيكة جداً، فالقصيدة تتداخل حتى قاعها مع الموقف السياسي، تتغذى منه وتقتات من جموده. يسهل إدراك ذلك عند مطالعة قصائد الرجل الغارقة في تفعيلة تكرارية تجترّ نفسها بآلية توليدية تُخرج الصور في سياق انفلاشي لا يستقيم على أي معنى. حرب يتجنب التحديد ويخاف منه، قصائده قاموس ضخم من الاستعارات والمجازات، لكنها تخلو من أي ضبط أو توصيف مؤقت. ولعل الفوران الصوري المتفجّر في نصوصه، تقنية مناسبة للهرب من التحديد.
هو فوران لأجل الفوران غايته نفسه أو التستر على غايات أخرى. اللامحدد الذي يتقن الراحل جوزيف حرب صناعته يتقاطع مع انفلاشية الخطاب البعثي الأسدي وتخمته الشعاراتية، لكن الشاعر يمتنع بحكم عمله عن لغة الزجر و القسوة والعنف المتلطية وراء انفلاشية البعث، وينشغل بلغة جمالية قاموسية تتوغل في عوالم الأنهار والجبال والأشجار. لتصبح العلاقة بين القصيدة والموقف عنده أقرب إلى العضوية والتماهي.
انفلاشيتان تتغذيان من بعضهما للهرب من التحديد، واحدة فظة وقبيحة والثانية رقيقة وجمالية. وعليه فإن جوزيف حرب ليس شاعراً يؤيد عائلة الأسد على النقيض تماماً هو نصيرٌ لآل الأسد اختار أن يكتب شعراً. إعادة ترتيب الدورين أمر شديد الأهمية يختصر مهام الشعراء في بلاط المستبدين وما تنتجه من قرف لغوي. وما كتبه الشاعر من قصائد (وطنية) مدائحية، لم تكن سوى إشارات بسيطة مباشرة لفهم لعبته في التصالح مع انفلاشية البعث الواسعة. مجرد مفاتيح للدخول إلى عالمه المزخرف، السائل والهارب من التحديد.
لو وضعنا كتاب ‘المحبرة’ الضخم الذي أصدره الشاعر قبل سنوات بجوار أدبيات حزب البعث سنكون أمام مقارنة تعسفية. فمن الصعب بناء تطابق بين قصيدة مليئة بالاستعارات والصور وبين مبدأ حزبي جاف. إلا أن الأكيد ان التدقيق في قصيدة جوزيف حرب وتجريدها من زخارفها الجمالية والإيقاعية سينزع عنها السحر ويتركها بلا معنى، تماماً كما أن مبادىء البعث إذ ما قيست بمسطرة الواقع ستبدو بلا معنى. | نحن أذن، أمام فراغين في المعنى، واحد يخلقه الشاعر والثاني يتولاه مدمنو السلطة الوحشية في دمشق. وبين هذين الفراغين رحل جوزيف حرب لننتبه أكثر أن تجاهل العلاقة بين قصيدته وموقفه قد يكلفنا مزيد من القتل المتستر وراء استعارات الشعر.