فيلم «جوكر» لتود فيلبس… في البدء كان واكين فينيكس

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
1

البندقية ـ «القدس العربي»: في البدء كان واكين فينكس، هكذا تحدثنا أنفسنا ونحن نشاهد «جوكر» لتود فيلبس، المنافس على الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته السادسة والسبعين (28 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول الجاري)، الفيلم الذي يرصد نشأة شخصية الجوكر، العدو اللدود لباتمان.

لا نبالغ إن قلنا إن فينيكس يقدم أداء مذهلا، وأن هذه الشخصية التي جسدها من قبل عدد من عباقرة الأداء، من بينهم جاك نيكلسون وهيث ليدجر، أصبحت الآن ملكاً لفينيكس، فهو يتنفسها ويسكن ملامحها ويتغلغل في نفسيتها حتى يتملكها وتتملكه تماما. فقد فينيكس الكثير من الوزن استعدادا لهذا الدور، حتى أصبحنا نرى أضلاعه بالعين المجردة، واستحال وجهه إلى عينين يسكنهما القلق والاضطراب، وفم اصطبغ بالأحمر الصارخ، لون حمرة الشفاه المميز للجوكر. يتلبس فينيكس الشخصية تماما وتتلبسنا روحه فلا نستطيع أن نحول أنظارنا عنه.


في «جوكر» ينقلنا فيلبس إلى بدايات تكوين شخصية الجوكر، يضعنا وجها لوجه مع آرثر فليك، ذلك الشاب الذي كانته شخصية الجوكر قبل أن تتحول إلى الشر. يرسم فيليبس آرثر كشخص يعاني ويتألم في المقام الأول. يعاني الوحشة والافتقار إلى الاهتمام، يعاني من تنمر الناس، ويعاني من اعتلالات نفسية عدة، أسكنته مشفى الأمراض النفسية لأعوام طويلة. آرثر يسكنه العطب النفسي، وحتى بعد تحوله إلى شخصية الجوكر وممارسته الشرور والقتل نشعر إزاءه بالعطف والفهم، بل نتمنى لو واسيناه ومنحناه بعض الحب الذي يفتقر إليه.
يرى آرثر نفسه رجلا صاحب مهمة، ومهمته تلك هي إضحاك الناس. نراه في بداية الفيلم يضع أصابعه في فمه ليشد شفتيه لترسما ابتسامة على وجهه. هو أبعد ما يكون عن السعادة بل إن حياته شقاء مستمر، ولكنه يتخيل لنفسه دورا هو إضحاك الناس، لا لأنه يريد إسعادهم، ولكن لشعوره أنه إذا أضحكهم سيغدقون عليه بعض الحب أو الدفء اللذين يحتاجهما. نشاهد رغبته تلك في إضحاك الناس، فنشفق عليه ونأسف لحاله. يحاول أن يستخدم النكات التي يدونها في دفتره في أن يتواصل مع الناس، ولكنه غير قادر على ذلك. وفي عالم مدينته، غوثام، التي تعاني من الفقر والجريمة وتجبر الأثرياء، يعيش كل في عالمه، ولا يود التواصل مع الغير. ضحك آرثر هو ضحك كالبكاء، أو صرخات تحولت لضحكة.

لا يمكننا حين نشهد تحول آرثر إلا أن نستدعي إلى ذاكرتنا ترافيس بيكل (روبرت دي نيرو) في «سائق التاكسي» لمارتن سكورسيزي. حتى مدينة غوثام، التي يعيش فيها الجوكر.

يعيش آرثر في شقة متداعية رثة مع أمه المسنة (فرانسيس كونري)، يعنى بها رغم مرضه النفسي. يهيمن آرثر على كل المشاهد، وهو محور الفيلم وجوهره. آرثر مهرج محترف، يرتدي قناعه الضاحك، ليروج للسلع أو ليرفه عن الناس، وهو أيضا كوميدي ستاند آب، يلقي النكات محاولا إضحاك الناس، ولكن لا يطرب لنكاته أحد. ونجد أنفسنا نتساءل: ترى كيف سيتحول ذلك المسكين الذي نرثي لحاله إلى ذلك الشرير المهيب المرهوب الجانب الذي يسيطر على غوثام؟ ربما كان ذلك الجانب المظلم في داخل آرثر طوال الوقت، وكان ينتظر الإعلان عن وجوده في وجود ظروف مواتية، وتلك الظروف هي المزيد من الضغط والتنكيل اللذين يتعرض لهما، والحصول على مسدس للدفاع عن نفسه، وسط مدينة تكاثرت شرورها وغصت طرقاتها بالقمامة والخوف.


ذات ليلة في المترو، وهو يرتدي زي المهرج الذي يرتديه للعمل، يسخر ثلاثة من مرتدي الحلل الأنيقة من موظفي سوق المال في وول ستريت من آرثر، وتتواصل مضايقاتهم له، فيخرج مسدسه ويرديهم قتلى. تصبح القضية قضية رأي عام تتناولها الصحف كهجوم من أحد الرعاع على أثرياء المدينة، ويتحول ذلك الشخص صاحب قناع المهرج وزيه بين ليلة وضحاها إلى رمز للتصدي للأثرياء الذين يسرقون المدينة، ويحوله سكان غوثام إلى بطل ورمز للمقاومة.
وكما لو أن فعل إطلاق النار تلك هي لحظة تعميد لآرثر، لحظة تكشف له قوى لم يكن يعلم أنها في داخله. بضغطة على الزناد يتحرر آرثر ويكتمل تحوله إلى الجوكر. لا يمكننا حين نشهد تحول آرثر إلا أن نستدعي إلى ذاكرتنا ترافيس بيكل (روبرت دي نيرو) في «سائق التاكسي» لمارتن سكورسيزي. حتى مدينة غوثام، التي يعيش فيها الجوكر، والتي ستغدو مسرحا لعالمه المظلم، اختار لها فيلبس أن تشبه نيويورك، كما صورها سكورسيزي في فيلمه. يبدو لنا في كثير من الأحيان كما لو أن فيلبس يقدم تحيته الخاصة للغاية لسكورسيزي في «جوكر». يبدو فيلبس متأثرا على وجه خاص بفيلمي سكورسيزي «سائق التاكسي» (1976) و»ملك الكوميديا» (1982). ولكن هذا التأثر بشخصية ترافيس بيكل وفيلم «سائق التاكسي» له ما يبرره تماما، فما كان لآرثر أن يحول إلى الجوكر إلا في مدينة بأجواء غوثام، التي استلهمها فيلبس من نيويورك سكورسيزي في «سائق التاكسي». إنها مدينة تتكاثر خيبات سكانها وتتفاقم، كما تتفاقم أزمة قمامتها التي تزكم الأنفس. أجواء خانقة وغضب متعاظم لا محالة من أن يؤديا إلى مولد الجوكر. يصبح الجوكر رمزا للثأر من الناهبين، الذين يلتهمون أقوات الناس في مدينة لا تقسو إلا على الفقراء، فبعد إغلاق المسؤولين لعيادات الطب النفسي التي كان آرثر يحصل منها على أدويته ضغطا للنفقات، لم يبق أمام آرثر إلا أن يثأر لنفسه ولغيره.
«جوكر» فيــــلم يبقينا في ترقب دائم، فيلم عاصف غامض يسكنه القلق، فيلم يشبه شخصيته الرئيسية، التي نحبها بهشاشتها وضعفها وجسدها النحيل وجنونها وثورتها واضطرابها. يقتبس فيلبس من عالم سكورسيزي ليخلق عالما جديدا يسكنه شر محدق يرتدي قناع المهرج وابتسامته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية