واشنطن-“القدس العربي”:لم تكن جولة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الأخيرة إلى أوروبا والشرق الأوسط عشوائية أو بدون هدف كما تصور العديد من المعلقين، وفي الواقع، هذه الرحلة هي مؤشر دقيق للسياسات الأمريكية المقبلة في المنطقة، وهي بالتاكيد أكثر من “لحظة ختامية” في دائرة الضوء الدولي لمدلل ترامب.
جولة بومبيو جاءت لتعزيز مصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى أبعد نقطة ممكنة في الوقت الحالي، بما في ذلك تحقيق الأهداف المطلوبة من الزيارة المتعمدة لمرتفعات الجولان المحتلة والمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة والإعلان عن تصنيف حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها كمنظمة “معادية للسامية”.
والهدف الثاني هو ضمان استمرار سياسة “الحد الأقصى” من الضغوط على إيران، التي تمثل المشكلة الأولى للإسرائيليين والأمريكيين في الحاضر والمستقبل، وكان من الواضح أن الإدارة الأمريكية مهتمة للغاية باستهداف تركيا، التي أصبحت سياستها المستقلة مصدر قلق للولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
وكان من الملفت للانتباه، أن بومبيو سافر إلى سبع دول خلال 10 أيام، قبل أقل من شهرين من نهاية عمر إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتصرف بومبيو وكأن لا نهاية تلوح في الأفق لرئاسة ترامب، لدرجة أنه قال مع ابتسامة متكلفة عندما سئل عن التعامل مع فريق بايدن إنه سيكون هناك انتقال سلس إلى إدارة ترامب الثانية، على الرغم من أن جميع الدول التي زارها تعاملت مع جو بايدن باعتباره الرئيس القادم للولايات المتحدة.
وحاول بومبيو، المعروف بكونه الخادم المطيع لترامب، تصعيد أنشطة السياسة الخارجية لتعزيز إرث ترامب على الجبهات الرئيسية القليلة، ولا سيما تعزيز المواقف المتشددة بشأن إيران والصين.
وبدلاً من أن تقوم وزارة الخارجية الأمريكية بدور مهم للغاية في مساعدة المرحلة الرئاسية الانتقالية، فقد قامت بالتخطيط لعقوبات وأدوات جديدة ضد إيران والصين خلال الأسابيع المقبلة، وعلى حد تعبير العديد من المحللين الأمريكيين إن بومبيو وأعضاء فريق ترامب بشكل عام يتظاهرون وكأن شيئأ لم يحدث.
وقد ظهر هذا التجاهل في جولة بومبيو الأخيرة، إذ رفض وزير الخارجية التحدث مع القادة الأجانب حول الفترة الانتقالية، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير خارجيته جان إيف لودريان، ولم يرد بومبيو، أيضاً، على أسئلة بخصوص المرحلة أثناء زيارته لجورجيا، الدولة السوفييتية السابقة.
وفي الواقع، لا يعرف الخبراء لماذا سافر بومبيو إلى فرنسا وقضى هناك 3 أيام، ولم تكن أهداف زيارته واضحة، ووفقاً للرئاسة الفرنسبة، فقد كان بومبيو هو الذي سعى للقاء ماكرون. وقال العديد من المحللين إن ماكرون سعى منذ البداية لكسب ترامب، مما جعله ضيف الشرف في احتفالات يوم الباستيل في باريس في عام 2017 ولكن ليس هناك أي شيء يمكن عمله الآن، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، والخلافات بشأن الاتفاق النووي الإيراني وقضايا التجارة والضرائب على الشركات الرقمية العملاقة.
ولم تكن هناك ارتباطات رسمية أثناء زيارة بومبيو إلى فرنسا، خلال عطلة نهاية الأسبوع، التي أمضاها مع زوجته سوزان.
وفي تركيا، لم يلتق بومبيو حتى بالمسؤولين الأتراك وبدلاً من ذلك، التقى بالعديد من الزعماء الدينيين، وبحسب ما ورد، فقد رفض الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ووزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، مقابلته إذا لم يسافر إلى العاصمة أنقرة.
وفي الواقع، ساهمت زيارة بومبيو الأخيرة إلى تركيا في تصعيد التوتر بين أنقرة وواشنطن، وهتف متظاهرون في اسطنبول ضد بومبيو “يا يانكي اذهب إلى ديارك” كما انتقد العديد من المسؤولين الأتراك الزيارة الغريبة التي تركزت على “الحرية الدينية”.
وكتب ديفيد روثكوبف، الرئيس التنفيذي لمجموعة روثكوبف والمحرر السابق في “فورين بوليسي” على تويتر: “شهر العسل الثاني لمايك بومبيو مع زوجته ليس على ما يرام” مع ملاحظة تقول: “نحن ندفع مقابل هذه الرحلة السخيفة”.
ومما “زاد من الطين بلة” في زيارة بومبيو لتركيا هي تصريحاتها الحديثة في فرنسا بأن “الإجراءات التركية الأخيرة كانت عدوانية للغاية، وأن على أوروبا والولايات المتحدة إقناع اردوغان بأن هذه الإجراءات ليست في مصلحة شعبه”.
وعلى أية حال، كانت زيارة بومبيو لبطريرك الروم الأرثوذكس برثولوميو بحجة “الحرية الدينية” مدعاة للسخرية والغضب، إذ أن إدارة ترامب بالذات معروفة بمعاداتها للمسلمين، بما في ذلك قرار حظر السفر من بعض الدول العربية والإسلامية.
وبالنسبة لإيران، كشف بومبيو أن الإدارة الأمريكية تنوي إعلان عقوبات على إيران، كل أسبوع حتى يوم التنصيب، وهذا يتفق، كما قال العديد من المحللين، مع سجل بومبيو في تنظيم أعمال دعائية سيئة، بدلاً من القيام بأي دبلوماسية فعلية مع النظام في إيران.
وقد أثبت بومبيو أن سياسة “الضغط الأقصى” وهي السياسة التي تفي أساساً بقائمة رغبات صقور الإدارة الأمريكية والمصالح الإسرائيلية، هي إفلاس كامل، حيث لم تحقق هذه السياسة أياً من أهدافها المعلنة، والنظام الإيراني ما زال راسخاً في مكانه، وعلى النقيض من ذلك، فقد زادت إيران من مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب، إلى أكثر من 10 أضعاف الكمية المسموح بها بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.
جولة بومبيو الأخيرة، هي دليل آخر على فشل السياسة الخارجية الأمريكية، وبصفته المهندس الرئيسي والمنفذ للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، فإن بومبيو يستحق الفضل في هذه الحماقة، وخاصة حماقته فيما يتعلق بقائمة الشروط التي يجب على طهران تنفيذها إذا رغبت في المفاوضات مع واشنطن.
ولاحظ المحللون الأمريكيون أن بومبيو كان نشطاً بشأن إيران والشرق الأوسط، ولكنه تجاهل القضايا الكبرى الأخرى، بما في ذلك القتال في إثيوبيا، الذي يهدد بالتحول إلى حرب أهلية، حيث لم يتصل برئيس وزراء البلاد تاركأ الأمر برمته لكبير الدبلوماسيين لشؤون أفريقيا.
وكتبت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي السابقة لأوباما، والتي تعتبر من أهم المنافسين لاحتلال مقعد بومبيو، بلغة ساخرة بأنها تحتاج لقراءة مبدئية في وزارة الخارجية بسرعة.
وأشار المحللون إلى أن الولايات المتحدة لم تكن أيضاً جزءاً من المفاوضات بعد ستة أسابيع من القتال بين أرمينيا وأذربيجان، وبدلا من ذلك، أخمدت روسيا الصراع من خلال حث أرمينيا على قبول الهزيمة.
خطورة زيارة بومبيو إلى مرتفعات الجولان والمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة تكمن في أنها تحاول إضفاء الشرعية على هذه الكيانات السرطانية، وقد أعلن بومبيو عن تغييرات في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل أثناء سفره إلى كيان الاحتلال، بما في ذلك وضع ملصقات “صنع في إسرائيل” على منتجات الضفة الغربية المحتلة، وتصنيف حركة مقاطعة إسرائيل كمنظمة معادية للسامية، ضمن سياسة إدارة ترامب، التي دعمت تحولات سياسية سيئة الذكر، تهدف إلى إضفاء الشرعية على المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية.
وستزيد قرارات بومبيو وإدارة ترامب من التباعد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بخصوص القضية الفلسطينية، وهي في نهاية المطاف محاولة لتدمير حل الدولتين والجهود المبذولة لحل الصراع العربي-الإسرائيلي
وقد نظر العديد من المحللين إلى بومبيو في السابق كرجل أعمال فاشل وسياسي “غير محترم” ووصفه الخبراء بأنه أسوأ وزير خارجية في تاريخ الولايات المتحدة، وقد كانت طاعته المفرطه للرئيس ترامب مدعاة للسخرية في واشنطن، إلا أن الرجل الآن يطمح في الوصول إلى منصب كبير في عام 2024 وهو يدرك أن خدمة المصالح الإسرائيلية قد تساعده كثيراً في تحقيق هذا الهدف، تماماً كما حدث مع رئيسه ترامب.