واشنطن-“القدس العربي”: لم تكن سوريا من الاهتمامات الرئيسية لجولة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إلى الشرق الأوسط، على الرغم من أن عنوانها كان طمأنة حلفاء واشنطن بشأن الانسحاب الأمريكي من البلاد التي دمرتها الحرب. فقد كان الاهتمام أكثر بتأثير إيران ونشاطاتها العسكرية، وكان من الواضح أن المواضيع المركزية في الرحلة كانت مقررة سلفا قبل المحادثات التي أجراها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، والتي غيرت سياسة واشنطن تجاه سوريا فجأة.
حاول بومبيو طمأنة الحلفاء العرب بأن الولايات المتحدة لم تتراجع عن التزامها بمصالحهم الأمنية، وتحدث وزير الخارجية بلغة جريئة لا تبرز من خلالها لهجة اعتذار، إذ اصر الدبلوماسي الأمريكي الأول على أن خروج الولايات المتحدة كان تغييراً تكتيكيا وليس تراجعاً. وردد حديث ترامب بأن للولايات المتحدة أصولا عسكرية أخرى يمكن استخدامها إذا عاد تنظيم “الدولة”.
وركزت جولة الوزير على ضرورة التنسيق مع بعض الدول في ما يتعلق بالأمن والدفاع ضد “تنظيم الدولة” إضافة إلى التنسيق في موضوع المناطق الحدودية الحساسة، وقال بومبيو إن قرار الانسحاب هو تغيير تكتيكي لا يغير من الجهود الرامية إلى تدمير تنظيم “الدولة”، مشيرا إلى أن المهمة ستبقى، وتعهد بتنفيذ منظم ومدروس لعملية الانسحاب من سوريا مع حماية للمقاتلين، وفي الأردن، ناقش الوضع في سوريا وروابط البلاد الاقتصادية مع العراق المجاور.
خطاب القاهرة والحوار الاستراتيجي الثنائي السنوي مع قطر والحوار الآخر مع الكويت كانت علامات هامة في الزيارة، وبالتأكيد فان زيارة ثماني دول هي: الأردن والعراق ومصر والبحرين والإمارات وقطر والسعودية وعمان في ثمانية أيام هو انعكاس لمقدار التوضيح الذي كان يجب القيام به.
ودعم بومبيو وجهة نظر رئيسه ترامب بخصوص ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان على الرغم من تقييم وكالة المخابرات المركزية بأنه هو الذي أمر بقتل الصحافي، جمال خاشقجي، أما بومبيو فقد كان يضغط فقط من أجل المساءلة ولكن السعودية لم تصل إلى “عتبة” مقبولة في هذا الصدد، ووفقا لما لاحظه الكثير من المراقبين الأمريكيين، لم يتغير مصير القحطاني المتهم بالقتل إذ تم تخفيض رتبته ولكن لم يحدث أي شيء آخر مع مزاعم مستمرة تفيد أن العملية ما زالت في مرحلة تقصي الحقائق.
زيارة بومبيو إلى السعودية أكدت أن إدارة ترامب بالفعل لا تكترث بمعاقبة المسؤول عن مقتل الصحافي السعودي، المقيم في الولايات المتحدة، وأن بن سلمان مستمر في السلطة بدون اعتراض من البيت الأبيض، وأن الولايات المتحدة تنتظر من حكام السعودية دفع ثمن صمتها عن الجريمة في الفترة المقبلة في اتجاهين، أحدهما يتعلق بالحرب المقبلة ضد إيران والآخر بالتطبيع الكامل مع الكيان الإسرائيلي مع العلم أن بومبيو لم يقم بملاحظات عاجلة أو انتقادية في الرياض.
زيارة بومبيو كانت لجلب الدعم في المواجهة المقبلة مع إيران إذ أوضح وزير الخارجية أن الأولوية لإدارة ترامب في الشرق الأوسط هي مواجهة إيران ووقف “موجة الدمار الإقليمي وحملة الإرهاب العالمية” ولكنه لم يقدم تفاصيل عن الطريقة التي تريدها الولايات المتحدة من العرب بخصوص استبعاد نفوذ إيران، إلى جانب فرض العقوبات.
وقال محللون إن المواجهة العسكرية مع إيران ستعني، أيضا، المواجهة مع الميليشيات التي تدعمها في عدة دول، وهذا يعني الخوض في حرب معقدة غير متكافئة لا ترغب سوى قلة من الدول العربية في الانخراط فيها.
وتحدث بومبيو عن توسيع التحالف ضد إيران في مؤتمر دولي سيعقد الشهر المقبل في بولندا ولكنه اعترف في الوقت نفسه بأن الجبهة العربية ضد إيران ستبقى ضعيفة بسبب النزاع الإقليمي المستمر والحصار ضد قطر.
ولم يكن خطاب بومبيو، أثناء جولته الأخيرة في الشرق الأوسط موجها فقط لأهل المنطقة ولكن لقطاع من الناخبين الأمريكيين محوري بالنسبة لترامب: المسيحيين، إذ رحب بومبيو بالحضور أثناء كلمته في القاهرة باقتباس انجيلي، قائلا “إن هذه الرحلة لها معنى خاص بالنسبة لي كمسيحي انجيلي، لوقوعها بعد وقت قصير من احتفالات الكريسماس القبطي” مشيرا إلى أهمية ذلك، وأضاف “كلنا أولاد ابراهيم: من مسيحيين، ومسلمين، ويهود، في مكتبي، أبقي الإنجيل مفتوحا لتذكيري بالله وكلمته والحقيقة”.
وزعم بومبيو أنه ذهب إلى القاهرة للدعوى لحقيقة أخرى، وهي ان أمريكا “قوة للخير” في الشرق الأوسط، وبعد ذلك فوجئ الحصور به وهو يهاجم الرئيس السابق، باراك أوباما، الذي يتهمه بعض الانجيليين باعتناق الإسلام في السر و”عدو المسيح” قائلا إن أوباما هو المسؤول عن انتشار تنظيم” الدولة” وزيادة قوة إيران.
ووقف بومبيو في المكان نفسه الذي وقف فيه أوباما في الجامعة الأمريكية في القاهرة أمام عدد كبير من الطلاب المذهولين ليقول لهم إن الرئيس السابق قال لهم إن الإرهاب الإسلامي المتطرف لا ينتج عن عقيدة.
وقال الكاتب اليسون تاهميسن ميوس في قراءة تحليلية للنوازع والدوافع الدينية في جولة بومبيو، إن رسالة بومبيو المسيحية تأتي بينما يبدأ المرشحون لانتخابات الرئاسة الأمريكية في إعلان ترشحهم، بمن فيهم اليزابيت وارن وتولسي جاباراد وجوليان كاسترو، وفي وقت صعب لترامب يتطلب منه تفسير هبوط البورصة وسبب أطول تعطل للحكومة في التاريخ الأمريكي الحديث مما يتطلب الغزل بجرعة زائدة مع فئة الانجيليين الذين يشكلون جزءا كبيرا من قاعدته الانتخابية.
وزير الخارجية الأمريكية لديه سجل غير نظيف في الهجوم على الإسلام ومناصرة إسرائيل بأي ثمن، وجولته، في الواقع، كانت امتدادا لهذا السجل وتعزيزا لمفاهيمه السابقة إذ قال إن أمريكا تواجه تهديدا من الأشخاص الذين يؤمنون أن الإسلام هو الطريق والنور والإجابة الوحيدة، وأضاف “انهم يكرهون المسيحيين، وسيستمرون في الضغط ضدنا حتى نقوم نحن بالصلاة والوقوف”.
ويؤمن بومبيو كمسيحي صهيوني، كما قال تشسنتن، إن قوى الشر الكبرى في الشرق الأوسط هي إيران، وان الولايات المتحدة لن تهدأ حتى “يخرج آخر جندي إيراني من سوريا”، وهي رسائل نشرها بوضوح في خطابه في القاهرة، وهي رسائل توضح مسار الإجراءات الأمريكية في المستقبل القريب والهدف من هذه الجولة.
وفي الرياض، جلس بومبيو مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان في إشارة دعم مهمة لغلق صفحة قتل الصحافي، جمال خاشقجي، وفي إشارة مهمة لتجاهل قادة مجلس الشيوخ الأمريكي المنتخبين، الذين اتفقوا على مسؤولية بن سلمان في مقتل الصحافي.
وليس هناك سر في أهداف هذا الدعم، إذ تعتبر واشنطن علاقتها مع بن سلمان عنصرا أساسيا في الحفاظ على أمن إسرائيل في منطقة معادية، ولا بد هنا من التذكير بما قاله بن سلمان في نيسان/ابريل الماضي ان للإسرائيليين الحق في أرضهم الخاصة، وهو ما تم تفسيره كاعتراف ضمني بإسرائيل ، وقد قدم ولي العهد بذلك دون أن يحصل على أي تنازلات في المقابل.
وأوضح ميوس ان بومبيو يستمر في التكيف مع التحولات الكبرى، وينفذ سياسات رئيسه دون حرج، معتبراً القرار الأخير بالانسحاب من سوريا جزءا من خطة كبرى تعني أن أمن إسرائيل واستقرار الدول العربية المستعدة للتطبيع معها هو أمر حتمي.
الإنجيليون ذوو البشرة البيضاء، من أكبر القطاعات وأكثرها ولاء لترامب في قاعدته السياسية، لذلك كان الحرص على الإشارة إلى بومبيو لكونه مسيحيا انجيليا مستعدا لتنفيذ السياسات الداعمة لإسرائيل في الشرق الأوسط.
اعتاد العالم على سماع بعض القضايا المألوفة التي يطرحها قادة الولايات المتحدة أثناء زيارتهم للشرق الأوسط، بما في ذلك الحاجة إلى تعزيز الديمقراطية والإصلاح وحقوق الإنسان وحل النزاع العربي الإسرائيلي، ولكن جولة بومبيو الأخيرة توضح لنا ان الإدارة الأمريكية لم تعد ترغب في التظاهر بالحرص على هذه القضايا إذا لم تضغط على السعودية في قضية مقتل خاشقجي.
وأوضح بومبيو في القاهرة أن للولايات المتحدة أولويات في المنطقة منها: انهاء مهمة هزيمة “داعش” وتكثيف الجهود لاحتواء نفوذ إيران، وليس أي شيء آخر، وفي الواقع، كان بومبيو وجون بولتون من المتحمسين لتغيير النظام الإيراني، لدرجة مطالبة بولتون بوقف القنبلة الإيرانية وقصف إيران وتوفير خيارات عسكرية لضربة على إيران.
وقال بومبيو في بداية الجولة إنه سيناقش مع القادة في محطاته المختلفة الطرق التي يمكن للحكومات من خلالها” ممارسة الضغط” لجعل إيران تغير سلوكها ولكنه لم يوضح مع انتهاء الجولة ماهية هذه الطرق.
زيارة بومبيو تلخص نقص رؤية الإدارة الأمريكية للمنطقة، وقد عانت الدول العربية من إدارة لا يمكن التنبؤ بها إلى درجة الشعور بانها لا تستطيع الاعتماد على الدعم الأمني الأمريكي، وستزداد الأمور سوءا مع مشاعر جديدة ممزوجة بعودة الرسائل المختلطة وحالة عدم اليقين الاقتصادي وعدم الاستقرار في المنطقة.
زيارة بومبيو تحمل رسالة صادمة للحكومات العربية مفادها بان المهم هو الوقوف في وجه إيران، وبالنسبة للشعوب، هذا يعني أن أمريكا، مرة أخرى، تمنح الحكومات الضوء الأخضر لكي تتصرف كما تشاء وأنها استغنت عن دورها في حراسة حقوق الإنسان في مواجهة الحكام المستبدين.