جولة جديدة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية: حسابات اقتصادية وعسكرية تمنع الحرب الشاملة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

ظلت الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية هادئة منذ الحرب المدمرة التي خاضتها إسرائيل مع حزب الله عام 2006. وحاولت إسرائيل وحزب الله ممارسة نوع من الردع المتوازن وتجنب المواجهة قدر الإمكان، ولكن إسرائيل ظلت تراقب الحزب اللبناني باعتباره ذراعا من أذرعة التأثير الإيراني بالمنطقة واستغلت حالة الحرب الأهلية السورية مستهدفة ما ظلت تقول إنها شحنات وقوافل أسلحة إيرانية في طريقها إلى لبنان. وظلت إسرائيل وإعلامها يحذران من ترسانة الحزب العسكرية، فمنذ تلك الحرب عزز من قدراته الصاروخية. وفي ظل الظروف التي تمر بها إسرائيل من تداعيات فيروس كورونا، حيث انتشرت حالات الإصابة في الفترة الماضية لدرجة دفعت بالإسرائيليين للتظاهر ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قد تدفع القادة لافتعال أزمات في الخارج لحرف النظر عن مشاكل الداخل.

ولكن إسرائيل تنشط في الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس دونالد ترامب وتحاول فحص أعدائها في المنطقة، إيران وحلفائها، ففي الشهر الماضي عانت إيران من سلسلة حرائق وتفجيرات أصابت المفاعل النووي في ناتنز ومصنع لاختبار الصواريخ الباليستية ومنشآت حيوية أخرى. ومارست إسرائيل عبر مؤسساتها الأمنية، خاصة الموساد لعبة من التسريبات التي أشارت لمسؤوليتها عن بعض العمليات، خاصة التفجير في مركز تجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدم في منشأة ناتنز.

ضربة في دمشق

 لكن إسرائيل لم توقف غاراتها على ما ظلت تقول إنها أرصدة إيرانية في سوريا. وكانت آخر الهجمات تلك الغارة في 20 تموز/يوليو والتي قتلت أحد عناصر حزب الله وهو على كامل محسن (جواد). واعتبر الحزب مقتله على يد “العدوان الصهيوني” بمثابة خرق لقواع الاشتباك غير الرسمية بينه وإسرائيل. ففي السنوات الأخيرة تجنب حزب الله قتل الإسرائيليين فيما تجنبت إسرائيل قتل مقاتلين للحزب. وحاول كل طرف في المواجهة تأكيد مواقفه وتسجيل نقاط دون الدفع باتجاه حرب مدمرة على لبنان وإسرائيل. وبعد غارة الشهر الماضي مارست إسرائيل هجوما إعلاميا وشنت حملة تحذر فيها الحزب من مغبة أي عملية انتقامية على مقتل عنصرها. ذلك أن زعيم حزب الله، حسن نصر الله كان واضحا في تهديده بالرد لو قتلت إسرائيل واحدا من جنوده في سوريا. وظلت الآلة الإعلامية والسياسية طوال الأيام الماضية مشغولة بتحليل ما يمكن لحزب الله ان يفعله ردا على القتل، وسط تهديدات من قادة الجيش الإسرائيلي ووزير الدفاع بيني غانتس الذي هدد بأن إسرائيل لن تحصر ردها على أي أهداف وأرصدة تابعة لحزب الله ولكن الدولة اللبنانية في محاولة منه لتحذير الحكومة اللبنانية التي يلعب فيها حزب الله دورا مهما، والرأي العام اللبناني من مغبة أي عملية عسكرية. ثم جاء نتنياهو وقال إن حزب الله يلعب بالنار وسيتم الرد على أي تحرك منه. ولكن نعيم قاسم، نائب الأمين العام للحزب قال لقناة الميادين إن “معادلة الردع مع إسرائيل لا تزال قائمة” وأن “تغيير أو تعديل معادلة الردع أو الاشتباك ليست على الأجندة”. وكما ورد في تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” (27/7/2020) فعمليات استهداف حزب الله هي جزء من محاولات إسرائيل منعه بمساعدة إيرانية من بناء اسطول من الصواريخ الموجهة بدقة والتي تعتبرها “خطا أحمر” ففي آب/أغسطس العام الماضي، ضربت طائرة إسرائيلية مسيرة مبنى قرب بيروت قال المسؤولون الإسرائيليون أنه يحتوي على معدات لصناعة الصواريخ. ولم يكن نصر الله ليفوت الضربة الأخيرة دون رد، فهو بحاجة إلى تنفيذ وعيده والاستجابة لقاعدة الدعم له، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يستفز حربا جديدة وسط ما يعاني منه لبنان من أزمة اقتصادية جعلته الآن بمصاف فنزويلا، وطغت المعاناة في الفترة الأخيرة على التعبئة الشعبية.

توغل

وبناء على هذا يمكن فهم ما جرى من تصعيد على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية الأسبوع الماضي. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن دخول عدد من مقاتلي الحزب إلى مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل مما رفع درجة التوتر على الجبهة. وقال الجيش إنه أحبط مداهمة قامت بها “فرقة إرهابية” وأجبرها على التراجع بعد تبادل لإطلاق النار شمل على طلقات مدفعية. وتراجعت المجموعة إلى داخل لبنان وردت على النار بالمثل. ومع ذلك نفى حزب الله التصريحات الإسرائيلية، وقال إن النار أطلقت من الجانب الإسرائيلي فقط “كل شيء يزعمه إعلام العدو عن إحباط عملية تسلل عار عن الصحة” وهي “محاولة لخلق انتصارات وهمية” كما جاء في بيان له. وأكد الحزب أن عملية الرد على مقتل عنصره في سوريا وكذا القصف يوم 27 تموز/يوليو قادم وأن على “الصهاينة مواصلة عملية انتظار العقاب على جرائمهم”. وهذه إشارة كما جاء بتقرير لموقع “المونيتور” (31/7/2020) أن الحزب يحاول المراوغة للحفاظ على مصداقيته أمام انصاره في لبنان وإسرائيل على الحدود اللبنانية. ومن هنا فالغارة الإسرائيلية التي دمرت مخازن للذخيرة قرب دمشق واجتياز مقاتلي حزب الله الخط الأزرق إلى مزارع شبعا والذي لم يتجاوز بضعة أمتار يظلان ضمن الجبهة السورية- اللبنانية مع إسرائيل وربما كان جزءا من لعبة تخوضها إيران وحزب الله مع إسرائيل-وهي حماية مصالحهما في سوريا والانتصار بالحرب النفسية دون إدخال البلاد في مأزق جديد. فرغم ما تكبدته إيران من خسائر جراء الغارات الإسرائيلية المتكررة على سوريا فلم ترد لا هي أو حزب الله. وهذا نابع من محاولة طهران الحفاظ على قواعدها المنتشرة في قرب دمشق وحمص وقرب الحدود السورية مع لبنان. فالبقاء في سوريا والتحصن فيها يتفوق على كل شيء، وعدم الرد على الاستفزازات الإسرائيلية يبدو استراتيجية ناجعة في الوقت الحالي. وفيما يتعلق بالحرب النفسية الموجهة للداخل اللبناني، عبر توغل سريع في الأراضي التي تحتلها إسرائيل، فلن تكون هذه كافية لمنع الغارات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية في سوريا. وكما يقول محلل إسرائيلي، فحزب الله لا يستطيع فرض قواعد جديدة للعبة وأي محاولة لعمل هذا قد يقود إلى أخطاء. ومع ذلك فالحزب لا يمكنه السكوت على استفزازات إسرائيل ومقتل أحد جنوده، من أجل صورته أمام جماهيره.

تهاون إسرائيلي

وربما حصل على ما يريد إن أخذنا بتحليل بن كسبيت في موقع “المونيتور” (31/7/2020) حيث قال إن قرار الجيش الإسرائيلي مواجهة مقاتلي حزب الله بالنار جاء من أجل دفعهم للفرار لا قتلهم. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي حاول خفض التوتر على الحدود من خلال منع تطور الأزمة إلى مواجهة شاملة.

ووصف مسؤولون إسرائيليون ما حدث في تلال شبعا المليئة بالشوك والصخور وتراجع مقاتلي الحزب حيث قال أحدهم “كنا قلقين عليهم وهم ينحدرون من الجبل” و”كان طريقا خطيرا تحت شمس حارة ولم نكن متأكدين من نجاتهم بدون أن يصابوا بالتعب”. ويقول بن كسبيت إن الجيش الإسرائيلي ظل يراقبهم حتى وصلوا إلى الوادي ذلك أنه كان يريد نهاية سلمية للأزمة. فوصولهم سالمين كان سيعطي حسن نصر الله تراجعا استراتيجيا كرد على مقتل أحد عناصره في سوريا. ويعتقد القادة الإسرائيليون أن حسن نصر الله لم يلتقط الإشارات، ورغبتهم بخفض التوتر. فقد ظل يتحدث عن الانتقام وأبقى طنجرة الضغط على النار. ولكن قرار غض الطرف عن المجموعة القتالية التي اخترقت الحدود أدى لنقد استهدف رئيس الوزراء ووزير الدفاع وقادة الجيش الكبار حيث اتهما بتجاهل الخطر القاتل من المجموعة وتركها تخرج سالمة. ويرفض قادة الأمن الزعم ويقولون إن الحكمة هي جزء من الشجاعة ومن الأفضل أحيانا تجنب اتخاذ قرارات متهورة والنظر بشكل واسع للصورة والأهداف بدلا من التعامل مع تحرك تكتيكي واحد.

فالصورة الأكبر هي الوضع الاقتصادي وتداعيات فيروس كورونا وزيادة معدلات البطالة وانهيار آلاف الأعمال التي باتت تحمل يافطات “للإيجار” أو “للبيع” ومن هنا فمواجهة مع حزب الله كانت ستترك أثرها على الحالة السياحية، خاصة في منطقة الجليل، وكانت تعني إفراغ المنتجعات السياحية والفنادق. ولأن عطلة الصيف في ذروتها وتمثل فترة جيدة للأعمال لاستعادة بعض ما خسرته أثناء الإغلاق العام فالحرب ليست خيارا.

كان هذا محور تفكير قائد القيادة الشمالية الجنرال أمير بارام وقائد رئاسة الأركان الجنرال أفيف كوتشافي. ونقل الموقع عن مصدر دفاعي إسرائيلي قوله “لا حاجة لإصلاح أمر لم ينكسر” مضيفا أن “حزب الله يعيش أزمة ولبنان ينهار والناس ليس لديهم طعام ولا كهرباء فيما يؤثر الوضع في لبنان على ميزانية نصر الله، وهو ينعزل ويضعف بشكل متزايد. وقتال يوم أو حرب مع إسرائيل ستترك أثرا عكسيا وتعطيه مخرجا من مأزقه. ويواصل نصر الله بناء صورة الحامي للبنان، ولا حاجة للوقوع في مصيدته”.

كل هذا دعا قادة إسرائيل تجاهل التوغل ولكن رفض نصر الله تلقي الرسائل أثار دهشتهم. ولكن إسرائيل بحرب أو بمناوشة على الحدود تريد الحفاظ على وضعية “الحرب بين الحرب الحروب” والتي تقوم على تقويض قدرات إيران لتخصيب اليورانيوم والتحصن في سوريا وحصول نصر الله على صواريخ دقيقة. ويعرف الجيش الإسرائيلي كيف يرد حالة تغيرت الظروف وهو ليس مهتما بتهديدات نصر الله ضرب الجليل. وقال خبير إسرائيلي “لا يستطيع نصر الله غزو الجليل أو أي قرية إسرائيلية” و”يمكنه إحداث أضرار أو القيام بهجمات على أراضينا ولكنه سيتكبد ضربة قوية. فسيتم إجلاء سكان القرى الشيعية وستكون مختلفة بعد الحرب ويعرف نصر الله ولا يستطيع المخاطرة”. ومن أجل تقليل المخاطر يطمح رئيس هيئة الأركان كوتشافي لبناء جدار على الحدود مع لبنان. وسيغطي 10 كيلومترات على طول الجبال، وقدم الجيش الإسرائيلي الخطط ولكن أزمة الميزانية وكلفته التي تقدر بمليارات الشواقل تعني أن تنفيذ المشروع بعيد في الوقت الحالي. وبدلا من ذلك أجبر الجيش على حشد قواته على الحدود تحسبا لحرب قادمة. ومنذ 2006 والحديث لم يتوقف عن الحرب المقبلة. وبدأت وكأنها قريبة خلال الأيام الماضية لكن طرفيها لا يريدان المواجهة الشاملة لأمور وحسابات سياسية واقتصادية، ربما لم تنته الجولة الأخيرة، ففي لعبة التهديد المتبادل لا نعرف من سيضغط على الزناد أولا. وبالتأكيد لن تتوقف إسرائيل عن لعبة الاستفزاز.

اقتباس

حزب الله لا يستطيع فرض قواعد جديدة للعبة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية