جولة في حرب الفساد.. سحب الالقاب

حجم الخط
0

د . راشد الشاشاني أجمع الأردنيون على ضرورة خوض غمار هذه الحرب، كل من موقعه، فمن مواطن احتفظ بهمومه لنفسه لأنه لا يستطيع البوح بها فتضخم بها قلبه، الى محتج افترش ساحة الحراك والتحف بشعاراته، إلى سياسيٍ طامح سلكها سبيلاً لتحقيقِ أحلامه ومآربهِ، الى حكوماتٍ سطّرت حروفَ برامِجها بمِدادِ مواجهة الفسادِ، والزجّ بالفاسدين في السّجون سواءً اكانوا من العامة أو الخاصة، باعتبار أن هؤلاء هم من أوصل البلاد والعباد إلى ماهم فيه (الآن) من ضنك العيش وبؤس الحال.لقد أجمعت كل الاطياف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحراكية وتلك المؤيدة ورفيقتها المعارضة، على محاربة الفساد وإعلان العداء للفاسدين، ولا جدال في ذلك، على أننا نفهم من ذلك أن إجماعاً انعقد بين هذه الأطياف على مفهوم مصطلح الفساد، غير أن غريبا في الأمر يثير الشك فيه، يتلخص في أن احالة عدد من الفاسدين، من شخصياتٍ كانت تحتل موقع الصدارة، إلى القضاء وصدور أحكام بحق هؤلاء، لم يسمح للشارع الاردني بتجرع جرعة ولو بسيطة من مثبطات الغضب الشعبي، الأمر الذي يشي من وجــــهة نظـــــرنا بوجـــود العديد من علامات الاستفهام، حول ما إذا كان الشارع الاردني مؤمناً بمثل هذا المفهوم للفساد والمفسدين، حتى يقــتنع ببادرة الضرب بيدٍ من حديد لهؤلاء الذين أصبحوا مجرد شماعات عُلقت عليها الكثير من التبريرات التي لم يكن لأي أردني أن يقنع طفله الصغير بها أم أن هناك فهماً آخر لمصطلح الفساد يتجاوز حدّه التقليدي.يحدونا هذا إلى النظر بعين المدقق، والتفكير بعقل الحكيم، والاستيعاب بصدر الحليم، ونحن نراقب ونسمع، صراخ مواطننا الذي بدأ يخبو تحت وطأة اليأس، وانقطاع الأمل، وانعدام ثقته بتحقيق آماله وطموحاته في العيش بكرامة، لا يقوى على مغادرتها دون أن يُساق حتما إلى الانفجار وقد أحرق سُفنه من خلفه.لم يعد مواطننا يطيق ارتفاع أسعار المحروقات، الكهرباء، والمواد الغذائية، وأجرة المنزل، واجرة النقل….الخ سيما في ظل حكوماتٍ تُطل عليهِ كل يوم ملوحةً برفعِ سعر سلعةٍ ما أو دراسة رفعها لتجريعهِ جُرعةً أولية تخديرية يصبحُ معها مؤهلاً لتقبلها، مبررة لهُ هذا التفهم بحب الوطن وتعزيز الإنتماء إليه، الذي يحتم بدورهِ على المواطن قبول هذا القرار أو ذاك (تحاشياً للعنةٍ تحل بالوطن ان لم يفعل) الأمر الذي بات معه مواطننا رازحاً، تحت وَطأةِ إجازةِ مثل هذه المعادلة الصعبة، مُعفياً بذلك حكومته الرشيدة من وِزرِ حلّها الذي حملها إياه الدستور بموجب المادة (45) منه، والتي أناطت بمجلس الوزراء إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية لا إدارة مصائبها، التي تراكمت على مدار عددٍ من السنين، بفعل تَعاقُبْ عدد من المسؤولين من وزراء وَغيرهم، ممن لم يكُن لوجودهم في موقع اتخاذ القرار (هَمٌ)، سوى استرضاء الخواطر ورفع العتب الساخط من المحاسيب والأقارب، وإزاحة هم الأثقال والتكتلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، بتوزيعها بين الشرق والغرب والشمال والجنوب وغيرها من الاتجاهات المعروفة وغير المعروفة التي (دفعها حماس التغيير أو فتحِ أبوابه) وفقاً لاعتقاد أصحاب القرار، بأن في هذه التوليفة، ما يخدُم مصالح الوطن والمواطن والعرش الهاشمي الذي نحترم ونُقدر.كان من منطق النتائج التي بُنيت على تلك المقدمات استثمار البعض لهذه العتمة، لادارة شؤون الوطن بما يحقق مصالحه الشخصية، بالإضافة إلى مصالح الجهة الداعمة، بغض النظر عن نوعها، وجنسها، في حين كان البعض الآخر بعيداً عن هذه المعادلة، واكتفى بتنفيذ السياسات، أو الأحلام، التي لم تكن ترى (في نظرنا) ابعد من أنفها، أثناء اندفاعها خلف فرصة استثمارية أو اتفاقية دولية أو مشروع تنموي، بهذه النظرة وصلنا إلى ما نحن فيه الآن، ولكم في بعض مؤسساتنا خير مثل.وسرعان ما تبين عدم جدوى بعض هذه المشاريع، وأثرها غير المحمود، الذي هوى بالوطن إلى الدّرك الأسفل، وأدخله في مآزق سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها، لا يستطيع أحد إنكار خطورة تهديدها، لم يكن يراها في ذلك الوقت (صاحب الدولة أو المعالي أو السعادة أو العطوفة) ولم يتكشف بصرُه عنها إلا عندما غادر آسفاً ومرغماً (كُرسيّه العزيزُ على قلبه) ليلتحقَ آسفاً ومرغماً أيضاً بصفوف المناكفة والمناوئة، كي يتسارع، ويتسابق البعض، إلى استرضائه بحسبانه يكتنزُ ثقلاً ووزناًن لم يكُن لمثلهِ أن يحلُم بهِ لولا جلوسهُ على كرسي، وُضعَ له بهدف توزيع الثقل المزعوم، والذي استحال حقيقة في ذهن البعض بحملِه لهذا اللقب.هذا غيضٌ من فيض هموم وآلام مواطننا الأردني، التي شكّلت ضاغطةً وثقلاً جاثمين على صدره، لن يرفعها الا تشكيلُ حلقةٍ أولى، في سلسلة حلقات الإصلاح الحقيقي التي تطوق عنق الفساد، ألا وهي حلقة أو فكرة (سحب الألقاب) التي كنا ولازلنا وسنبقى نصرخُ مطالبين بها، أمام أنفسنا وأهلنا ومجتمعنا ووطننا، والتي يجب أن تتجاوز في مداها حملة الألقاب من الفاسدين وفقاً للمفهوم التقليدي إلى من لم يتمكن من الاضطلاع بمسؤولياته، وحمل أعبائها، لضعف بصيرته، وقصور فهمه عن استيعاب وفهم وتصوّر رؤية واضحة للمستقبل، فإن كان ما فعل صادراً عن حسن نية، فهو في نظرنا لا يستحقّ منصبهُ، ولا يعفيه هذا من المسؤولية، وهي مصيبة، وإن كان بسوءِ نية، فهي جريمة أكبر والمصيبة أعظم، يدفعني هذا إلى التساؤل، أين كان المسؤولون في هذا الوطن عندما كانت الامور تُدار بالطريقةِ التي أوصلتنا الى هذه النتائج؟ الم يدُر في خلدِ هؤلاءِ إمكانية انقطاع الغاز في يومٍ من الايام؟ أو انقطاع النفط؟ أو ارتفاع أسعاره بصورة مفاجئة؟ أو ازدحام شوارعنا بسيارات الوطن وجيرانه؟ أو ارتفاع أسعار عقاراتنا وأُجورها إلى أعلى من سطح القمر، أو انهيار مشاريعنا الكبيرة منها والصغيرة، بفعل سياسات وقوانين وضع بعضها (من يحلُم)، ممن لا يستحقّ لقب دولة او معالي او سعادة أو عطوفة….الخ أو ان يتقاضى حتى راتبا واحدٍ من رواتبهِ، ناهيك، عن علاوتهِ، وبَدَلاتِ سفره، أو أي ميزة من المزايا التي يتمتعُ بها، فكما تعلمون فابن صاحب المعالي، (معالي)، ولا يقبل إلا بالنفيس والغالي وعلى الآخرين أن يرضوا بالتالي وبالتالي.’ أستاذ القانون الجنائي جامعة اليرموك qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية