في كل مدينة سوف نُصادف ذلك الحلاق، الذي يتحدث بصوت عالٍ وهو يُنظر إلى مُحدثه من غير أن يرمش له جفن، مُدعياً بأنه أفضل حلاق في المدينة، هذه هي هواية الحلاقين. كل واحد منهم يدعي بأنه أفضل من الآخرين، ولسنا ندري ما هو المعيار قصد تحديد الأجود من الأسوأ. فالأكيد أن الأمر لا يتعلق بامتلاك شهادات في المهنة، ومن النادر أن نجد صالون حلاقة يشرف عليه شخص خريج معهد في التخصص، فالحلاقة لا معاهد لها، بل تتناقل بالوراثة أو الممارسة، بل من الناس من يسخر ممن يفكر في تعلمها في مركز أو معهد أو في دورة تدريبية.
إنهم يثقون فيمن تعلمها بالعينين، بالملاحظة، وليس بالورق والقلم. الحلاق هو مصب الحكايات، شاهداً على الأحداث الكبرى من غير أن يخطو خطوة واحدة خارج محله، يُمارس مهنة لا يُنافسه فيها أحد، لا تتعلق بقص الشعر أو الشارب أو اللحى، بل مهنته هي كذلك تجميع الحكايات. مثلما يتجمع شعر على بلاط محله، يكنسه في كل حين، تتجمع كذلك حكايات، وهي حكايات تترسب في الذاكرة ولا تُكنس، ولعل الفصل بين الحلاق الجيد والسيئ، لا يتحدد في المهارة، بل في قدرة الحلاق على تجميع الحكايات، ورشها على زبائنه بينما هم يجلسون على دكة انتظار دورهم. فالفضول صنعة جزائرية، وكل شخص يهمه من تزوج ومن تطلق، من اشترى عربة أو باع أخرى، لذلك فإنهم يقصدون الحلاق الذي يحوز أكبر خزنة من أخبار الناس، ومن النمائم التي تعطر أجواءهم، في صالون الحلاقة لن يكون مهماً نوع المقص أو آلة الحلاقة، لا طول ولا عرض المرآة، ولا كذلك نظافة المكان أو موقعه، بقدر ما يهم ليونة لسان صاحب المحل، أن يكون مستمعاً جيداً، ويمتلك ذاكرة جيدة، فالذاكرة أمر مهم في هذه الحرفة، والحلاق يعرف أسماء زبائنه ومهنهم وعناوينهم، يعرف من يواظب على صالونه، ومن «يخونه» فيذهب إلى صالون آخر، يعرف من يتيسر حاله فيطلب منه مالاً أكبر نظير الحلاقة، ومن ضاق الحال عليه فيتغاضى عنه، فثمن الحلاقة ليس ثابتاً، بل يتغير حسب هوية الزبون وسعة جيبه.
حزب سياسي وهمي
المواطن في الجزائر مسيس بطبعه. يتحدث عن السياسة وإن كان لا يفهم تفاصيلها. لكن يهمه أن يبدي رأيه في ما يحصل من نزاعات بين دولتين في آسيا، أو عن انقلاب عسكري في افريقيا، أو انتخابات في أمريكا أو وفاة رئيس في جزيرة بعيدة. المهم أن يتكلم في شؤون السياسة، لكنه لا ينخرط فيها في الواقع. يظل حذراً في علاقاته بالأحزاب، بل لا يثق فيها. يعزف عن المشاركة في الانتخابات، بل لا يثق في رئيس البلدية التي يعيش فيها. يرى في ممثلي البرلمان انتهازيين، ولا يتوانى عن السخرية منهم. مع أنه يرجو أن يكون يوماً نائباً هو أيضاً في البرلمان. يُسيل لعابه الراتب العالي والامتيازات التي يُحظى بها البرلمانيون. في ظل ابتعاده عن السياسة في الواقع، وإسرافه في الحديث عنها، كما لو أن لا شغل له غيره، يتوجب عليه أن يجد أمكنة يفرغ فيها كبته. في الماضي كانت المساجد أمكنة تتقاطع فيها الخطابات السياسية، لكن عقب صعود التطرف الديني، ثم عشرية كاملة من الدم، منعت الحكومة عن المساجد الخوض في السياسة. فصارت ملاعب الكرة ميدانا في شتم الساسة، أو في الإشادة بالآخرين.
تحولت نهايات الأسبوع التي تجري فيها مباريات البطولة إلى كابوس في أعين بعض رؤوس الأحزاب والوزراء، كل واحد منهم يخشى أن يرد اسمه على لسان مشجعي الكرة، فيصير مسخرة في مجالس زملائه، لكن شيئاً فشيئاً تمكنت السلطة من بسط يدها على مدرجات الكرة. وصارت لها قوة خفية في تعيين رؤساء النوادي ورؤساء روابط المشجعين، فتقلصت مكانة السياسة في المدرجات، لكن المكان الوحيد الذي لم تصل إليه السلطة هو صالونات الحلاقة، التي تحولت إلى منابر سياسية، وتواصل فيها الألسنة شغلها من غير مقص رقيب، صار من ينوي الترشح إلى انتخابات البلدية لا بد عليه أن يلتمس عوناً من حلاق، ومن يود التودد إلى مسؤول سياسي أن يطلب عون الحلاق الذي يحلق فيه ذلك المسؤول شعره، هكذا صار الحلاق شخصية مركزية في العملية السياسية، وإن كان ينفي عن نفسه ذلك الدور، فكل حلاق تدخل إليه سوف يقسم بأولياء الله الصالحين كله أن لا علاقة له بالسياسة، لكن بمجرد أن تقايضه بأن تحلق رأسك على كرسيه، مقابل خدمة سياسية، فسوف يستعرض عليك أرقام هواتف المسؤولين الذين يعرفهم. فالمسؤول الذي يثق في حلاق ويهبه رأسه، لن يمانع في تلبية طلبات ذلك الحلاق، الذي يشغل منصب سكرتير له، من غير أن يعلم. يصح القول إن صالونات الحلاقة باتت مقرات أحزاب سياسية، من دون أن تعلن عن ذلك صراحة.
حب مقيد
صالونات الحلاقة، في الجزائر، ليست مختلطة، بالتالي حين يدخل رجل قصد أن يحلق شعر رأسه، فهو يعلم بأنه لن يُقابل سوى رجال آخرين. فهناك ليس مكانا نرجو منه قصة حب، أو إصلاح أعطاب القلب، لكن بوسع الزبون أن يفضفض عن قصته خلف باب الصالون، عن سعادته في الحب وذلك أمر نادر، وعن خيباته وذلك هو المعتاد. فعلاقة الجزائري بالحب معقدة، يسعى إليه ثم يسارع إلى فرض تعاليمه على من يحب، لا مشاركته في الرأي، ما يفضي إلى نهايات سريعة للعلاقات العاشقة. ويهرول إلى الحلاق قصد التداوي من ذلك الحال. فالجلوس على كرسي الحلاق لا يختلف عن الجلوس على كرسي طبيب نفساني. الزبون يفضفض بما في قلبه، والحلاق يستمع إليه، تماماً مثلما يفعل الطبيب النفساني. لكنه لن يفيده بنصائح علمية في تجاوز محنه، بل يسرد عليه ما يعانيه غيره. فالاستماع إلى مأساة الآخرين يخفف من شعور الإنسان بوطء مأساته. هكذا هو دور الحلاق، لا يكتفي بحلق الشعر، بل أيضاً بحلق المشاكل ما استطاع إليها سبيلاً. وعلى الرغم من هذه المكانة المركزية للحلاق، في الحياة اليومية في الجزائر، نتساءل لماذا لا توجد أفلام عن حلاقين؟ ولا روايات؟ يظل الحلاق نشيطاً في القيام بأدواره السياسية والاجتماعية، غائباً عن الفنون والآداب، عكس أصحاب حرف أخرى.
روائي جزائري