جوناثان سويفت الذي كنتُهُ

حجم الخط
0

زياد عبد القادر ظهيرةُ العاشر من إبريل 2012. يفترضُ أن يكون الربيعَ.

في محطة الأجرة الأقرب إلى فِناءِ دير متواضع، أقف بانتظار ما سيُقلّني إلى قريةِ الرديف*. الموضعُ الذي اخترتهُ للوقوفِ منح الشمسَ فرصة أن تدخلني من كلّ الجهاتِ وأن تعكس ظلّي على الأرض بطريقة تجعله يبدو كنبتةِ إبرةِ الرّاعي. أضعُ الحقيبة من يدي وأتراجع بضع خطوات عن مسقط الضوء كي أحجب أصيص الوردِ عن أعين الفضوليين. لم يبدُ أن أحداً قد رآني.

ثلاثة شبّان في المحطّة، كهلٌ وسيّدة في الأربعين. كما لو على خشبةِ مسرح يتقدّمون حيث كنتُ أقفُ مغمورا بالضوء. لا يتقدّم الثاني حتى يتراجع الأوّل. يتقدّم الثالث حين يتراجعُ الثاني. هكذا يدخلون في الضوء ممسوسين باغراء ألاّ يكونوا مرئيّين. الكهلُ كان آخرَ من دخل بقعة الضوء. بمجرّد أن خطا باتجاهِ بُقعةِ الضوء حتى اختفى فجأة. كان صار يصفـّرُ فاردا ذراعيهِ في حركة انسيابيّةٍ تحاول أن تحاكي سقوطه الداخليّ لا أعرف لماذا باغتتني صورة غلوستر الأعمى في مسرحيّة الملك لير. ذلك المشهد حيث يهُمّ بالقاء نفسه من جوف الدوفر الصخريّ الشاهق فارداً ذراعيهِ كحبْلي ناقوس مشؤوم لم يعد أحدٌ يرغب في قرعهِ. لم يكن ثمّةَ ما يوحي بأن ما نعيشه الآن ينتمي إلى زمن حقيقيّ. المكانُ ذاته لم يكن أكثر من لقطة تذكّريّة في مخيّلة قطّ رمقنا وانسلّ من حيث جاءَ تاركا في جسدِ الوقت تموّجاتٍ شبيهةٍ بتلك التي يتركها حجرٌ يغوص في قاع بُحيرةٍ.

تلكَ المسافة التي استغرقها الحجرُ لبلوغ القاع هي نفسها التي استغرقها وصول سيّارة الأجرةِ البيجو 504. الموديلُ المتهالكُ يعزّز الشعور بأنّ ما نظنّهُ حاضراً ليس أكثر من مجرّد ذكرى.

تذكّرتُ طقسَ احياءِ أرواح الموتى العالقين ولكنّي نسيتُ تاريخَ اليوم المقدّس في الكنيسةِ الرّومانيةِ الكاثوليكيّةِ: ربّما كنّا عالقينَ في زمان وفي مكانٍ آخرين. لعلّنا مجرّد ارتدادٍ لِعاصفةٍ زمنيّةٍ، مجرّد صدى لترنيمةٍ في مديح شمعةٍ تذوي في مكان آخر. مكان ناءٍ وباردٍ.

أحاول أن أتذكّر كلمات الترنيمةِ فلا أظفر بغير ارتدادٍ باهتٍ لكنيسة سانت باتريك خريف 1713، لِصورة الكاهن جوناثان سويفت يكادُ يتجمّد بالبرد وهو عاكف على كتابة رسالة استسلامهِ إلى قداسة البابا. ثمّة ما يُشعرني بهذا. ثمّة ما يجعلني أتذكر ما لم يأتِ بعدُ. حين وصلت رسالةُ الكاهن جوناثان سويفت تحرّكت سيارة البيجو 504 الأشبه بتوليفةٍ من ضجيج وغبار ناهبة الكيلومترات الفاصلة بين أم العرائس والرديف.

في المقعد الخلفيّ انحشرتُ جوار الكهل الذي كان منذ قليل يصفـّرُ فارداً ذراعيه. شعرتُ للوهلةِ أن حبلا من ليف تالفٍ يتدلّى جواري ويلمسني في رقة، أنّ ما يجاورني ليس أكثر من نغم داخليّ، تنويع ثانويّ لترنيمةٍ في مديح شمعةٍ تنوسُ في كنيسةٍ حجريّةٍ تحجبها غيومُ خريفِ 1713. الكهلُ الجالسُ جواري كان يُتمتمُ كمَن يهذي، يداهُ مخذولتان وعيناهُ تنتميان إلى ما بعدَ العقل.

لم أشعُر برغبةٍ في الحديث إلى أحدٍ، لذلكَ فقد انشغلتُ عنه بالنظر من خلال النافذةِ. لكنّ الكهلَ ولسببٍ ما خفيّ كان يستردّني إلى النغم الداخلي بلمسة حانيةٍ على كتفي.

ألتفتُ إليهِ فيرمقني صامتا. نظرتهُ ترنّ داخلي كليرةٍ مثقوبةٍ.

أنشغل عنهُ ملتفتا مرّة أخرى إلى النافذة. يلبث وقتا وجيزاً ثم يعاودُ لمستهُ الحانية على كتفي.

ألتفتُ إليهِ فيكتفي بالابتسام والنظر في عينيَّ.

دخلنا في هذا التواطؤ.

صار يلتفتُ إلى النافذةِ فألمسهُ في رقة. يلتفتُ فأرمقهُ صامتا بابتسامةٍ ادّخرتها لمثل هذا اليومِ.

كم كنتُ سعيدا. سعيدا بهذا الاكتشافِ. حيثُ بامكان لمسةٍ حانيةٍ أن تنوب عن دواوين الشِّعر وخُرافاتِ الحُبّ.

هل قلتُ إن خدّهُ الأيسر كان متورّماً؟

يبدو أنّه جرّب الأمرَ مع أحدٍ غيري فصفعهُ.

لعلّه إذن كان يعالج الصفعة بتذريرها إلى عشراتِ اللمسات الحانية، لعلّه لسبب ما خفيّ اختارني من دون الناس جميعا ليستعيد ثقته بالعالم. أو لعلّه سمع تلك الترنيمة في مديح الشمعة أو قرأ الرسالة التي كتبتـُها في فِناء سانت باتريك خريف 1713 فقدّر أنّني لستُ سوى جوناثان سويفت.

فيما مضى ربّما كنتُ جوناثان سويفت والكهلُ المُتورّم الذي يلامسني الآن في رقّةٍ كحَبل تالفٍ لم يعد أحدٌ يجرؤ على لمسهِ، لم يكن سوى غلوستر الأعمى.

لم نكن في حاجة للكلام، حتّى أننا لم ننتبه للوقتِ الذي انقضى. لم نكن في حاجةٍ لتقدير ما مضى من الدقائق والسّاعاتِ، فقد كان بامكاننا أن نقيس المسافة بعدد اللّمساتِ الحانية.

كم كنتُ سعيداً خريف 1713. ربّما فيما مضى كان الخريفُ ربيعاً! * أم العرايس والرديف قريتان منجميّتان في الجنوب الغربي التونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية